تطهير أزرق لواشنطن
فاقت نتائج الانتخابات النصفية في الولايات المتّحدة كل التوقعات لتشكّل صفعة سياسية لترامب وإدارته ومشاريعهم الفاشية. هو اكتساح انتخابي بطعم الانقلاب السياسي، يضاهي بحجمه انقلاب حركة حزب الشاي في عام 2010، والتي حوّلت طبيعة الحزب الجمهوري، ومن خلاله معالم السياسة الأميركية. ومن المتوقع أن تكون لهذه الانتخابات نفسُ الدور المحوري في مستقبل السياسة الأميركية. ويتجلّى حجم هذا الانقلاب في سلسلة السوابق التاريخية التي شهدتها هذه الانتخابات، كانتخاب أوّل مسلم في مجلس الشيوخ الأميركي مثلًا، أو في قلب الديموقراطيين لعدد من الولايات التي كانت تقليديًا بقبضة الحزب الجمهوري، وذلك في جوّ من التحريض العنصري والتمويل الفاحش غير المسبوق. نجحت العملية الانتخابية في لعب أحد أهمّ أدوارها، بعيدًا عن دورها الروتيني في إدارة عملية الحكم، وهو دورها كأداة لمعاقبة الحاكم، أو حتى أبعد من ذلك، دورها كعملية تطهير جماعي من انحطاط الحاكم ودناءته.
تفسُّخ الخطاب المتطرّف
هي ليست مجرّد خسارة انتخابية لترامب، هي تبرّؤ جماعي من هذا الخطاب والمشروع العنفي الذي يحمله، تبرّؤ طال حتى مناصرين تقليديين للحزب الجمهوري. فرغم التحريض العنصري والتهويل الثقافي، لم ينجح الحزب الجمهوري باستمالة الناخبين الأميركيين الذين تمسكّوا بتصويتهم العقابيّ، وصولًا إلى انتخاب خصوم الرئيس «الشخصيّين»، كتالاريكو أو السيّد. لم يكن مجرّد رفض انتخابي لإدارة ترامب، بل هجوم شعبي على خطابه، هجوم كفيل بفرطه. فالخلطة التي شكّلت خطاب ترامب، والتي ضمّت خطاب «الحروب الثقافية» والتهويل بخطر «تيار الووك»، ممزوجَين بعنصرية واضحة، ومحمولَين من مصالح طبقة الأثرياء، لم تعد خلطةً مقنعة، وقد تفسّخت البارحة أمام تصويت الناخبين الأميركيين. سنتان من الحكم كانتا كفيلتَيْن بإسقاط قناع الفاشية، كما سقطت قبل أسبوع في البرازيل بعد هزيمة المرشّح الفارّ بولسونارو. بعد أسبوعين من الانتخابات، بات هذا التيار يتصدّع، وقد يخوض معركته المصيرية في فرنسا في العام المقبل.
التمرّد اليساري
لم تأتِ هذه الصفعة فقط جرّاء تملمُل الناخبين من سياسات ترامب أو من أزمة المعيشة. كما لم تأتِ من تماسك الحزب الديموقراطي وقياداته التقليدية. بل، بالعكس، شكّل انقسام الحزب الديموقراطي وبروز «تمرّد يساري» في داخله أحد أسباب النتائج التاريخية. فبرهنت هذه الانتخابات إمكانية المزج بين خطاب راديكالي وغير مساوم من جهة، ونجاح انتخابي من جهة أخرى. فالحزب الديموقراطي الذي اكتسح الانتخابات لم يكن حزب بايدن وكمالا هاريس، بل حزباً باتت رموزه الأكثر إثارة تُدعى ممداني وتالاريكو والسيّد، حزباً بات لديه جناح يساري فعّال متمثّل بـ«الاشتراكيون الديمقراطيون في أميركا». وهذا ما سمح للحزب بكسر صورته كحزب سلطة، وبتفادي فخّ «الحروب الثقافية»، من خلال ابتكار خطاب طبقي.
للانتخابات دورٌ أساسيّ آخر بعيدًا عن دورها الروتيني في إدارة عملية الحكم، وهو إدخال اللامُتوقَّع في عملية سياسية مضبوطة من قواعد ومصالح. رأينا هذا اللامُتوقَّع في بروز كتلة وازنة لفلسطينيّي الداخل في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، كما نراه اليوم في هذا «التمرّد اليساري» الذي بات مؤثّرًا في قلب السياسة الأميركية. وهذا اللامُتوقَّع سيشكّل تحدّيًا لا للسياسة الأميركية وحسب، بل للحزب الديموقراطي نفسه، وهو الذي يواجه اليوم أسئلة عن هويته السياسية وتوجهاته الأيديولوجية.
إسرائيل كالمحكّ الأوّل
من بين هذه الأسئلة الأكثر إلحاحًا اليوم على الحزب الديموقراطي، مسألةُ إسرائيل والإبادة في غزة. فإن كان موضوع أزمة المعيشة قد شكّل أحد الدوافع الأساسية أمام التصويت العقابيّ لترامب وإدارته، فإنّ مسألة دعم إسرائيل والموقف من الإبادة شكّلا الخلفية الجيلية للامتعاض من النظام الأميركي، امتعاض امتدّ من الجامعات إلى الإعلام والفن، قبل أن يتحوّل إلى سجال سياسي. فما بات واضحًا هو تحوّل إسرائيل إلى قضية سامّة سياسياً بعد هذه الانتخابات، يسعى الجميع إلى النأي بأنفسهم عنها. حاولت «أيباك» استدراك الأمر من خلال الإعلان عن وقفها دعم المرشّحين، كما حاول ترامب عشيّة الانتخابات حماية نفسه منها من خلال الإعلان عن وقف الدعم المالي لإسرائيل. لكنّ كلّ هذا لم يكن كافيًا. يجد الحزب الديموقراطي نفسه اليوم، وهو الحزب المسيطر، أمام هذه المعضلة بين قاعدةٍ باتت نقديةً إن لم تكن مناهضة لإسرائيل، وماكينة سياسية ما زالت معتادة على الدور المحوري والجامع للسياسة الداعمة لإسرائيل. بهذا المعنى، يبدو الانتحار السياسي للمرشحة الديموقراطية هالي ستيفنز التي اختارت دعم إسرائيل على مستقبلها السياسي، حالة غير منفردة، بل خياراً سيواجه الحزب بأكمله بعد بضعة أسابيع.