مشروع استعماري
ما يعيشه لبنان وجنوبه اليوم غير مسبوق. أمام آلة القتل والمحو والتجريف، نبدو عاجزين إلا عن لغة المراثي. في حين أن شيئاً أساسيّاً تغيّر في طبيعة الحرب الإسرائيلية علينا، لكننا لا نزال خائفين من تسميته. شيء غريب وأليف في الآن ذاته. نعرفه لكننا لا نجرؤ على النطق باسمه. والحال أن معرفته وتسميته أمرٌ أساسيّ لنقدر على مواجهته ومحاولة لجمه بغير البكاء. فالذهول الذي يصيبنا أمام صُوَر ما قبل التجريف وما بعد التجريف ليس ناتجاً عن مستوى العنف وحسب، بل عن عجزنا أيضاً عن تسميته بأسمائه الحقيقية. فجزءٌ كبير من خطابنا السياسي ما زال يتعامل مع إسرائيل كما لو كانت تخوض حرباً دفاعاً عن أمنها. وإذا كان هذا صحيحاً في الماضي، فإنه لم يعد كذلك اليوم. فما يعيشه لبنان ليس حرباً بالمعنى التقليدي للكلمة. فالحرب تفترض، ولو نظرياً، وجود طرفين سياسيين متقابلين وقواعد اشتباكٍ وإمكانية لوقف النار والعودة إلى السياسة. أما ما يحدث، فينتمي إلى منطق آخر. منطق الاستعمار الذي يعيد تشكيل الأرض والسكان والحياة نفسها وفق حقّ مطلق في القتل والتدمير وإعادة التنظيم الديمغرافي والسياسي.
لبنان، كله، لا الجنوب فقط، في صدد التحوّل إلى فلسطين ثانية. وليست هذه صورة بلاغية تتوسّل المبالغة لإحداث صدمة لدى القارئ. هذا توصيف موضوعيّ لمشروع يُحكم سيطرته علينا أفقياً بأسلوب المحو والجرف في الجنوب، وعمودياً بوضعنا تحت مجهر دروناته التي تزنّ في سمائنا ليلَ نهارَ، وباتت جزءاً من الخلفية الصوتية لحياتنا اليومية، مثلها مثل أبواق السيارات أو هدير الأمواج أو أصوات العصافير. بتنا مجالاً حيوياً مفتوحاً لإعادة الترتيب والهيمنة من قِبَل المشروع الاستعماري الذي بعدما أحكم سيطرته على فلسطين بات بإمكانه التمدّد شمالاً، يساعده في ذلك تحلّل الدولة وأخذها رهينة من قبل مشاريع إيديولوجية تخدم الاستعمار وهي تظنّ واهمةً أنها تواجهه.
نكروبوليتيكس
لكنّ استدعاء كلمة «استعمار» وأدبياتها يظلّ عالقاً عند مستوى اللغة والخطاب ما لم يترافق مع فهم عميق للكيفية التي يشتغل بها ومنطق إدارة الموت الذي يحكم من خلاله. فما يصفه الصحافي الإسرائيلي جدعون ليفي في مقاله المنشور في هآرتس في التاسع من أيار الجاري، ويسمّيه «نكروفيليا» مؤثِراً التعبير السريري والنفسي استعارةً سياسيةً وأخلاقيةً لوصف علاقة الدولة الإسرائيلية بالموت الفلسطيني، هو في الواقع- وبلغة الفلسفة السياسية وأبحاث ما بعد الاستعمار- «نكروبوليتيكس».
والـ«نكروبوليتيكس»، أو سياسات الموت، مفهوم ابتكره المفكّر والمؤرّخ الكاميروني وأحد أبرز الأصوات في فكر ما بعد الاستعمار، أشيل مبيمبي، انطلاقاً من نقده لمفهوم الـ«بيوبوليتيكس» أو السياسة الحيوية عند ميشال فوكو. فإذا كان فوكو قد وصف الحداثة بأنها شكلٌ من السلطة يُعنى بإدارة الحياة نفسها والأجساد والصحة والجنس والسكّان والولادات، فإن مبيمبي يرى أنّ هذا المفهوم غير كافٍ لوصف الفضاءات التي لا تُدار فيها الحياة بل الموت. الأمكنة التي لا يكون الهدف فيها تنظيم السكّان بل جعل قتلهم ممكناً ومشروعاً والتحكّم في من يمكن أن يعيش ومن يجب أن يموت. وذلك عبر تحويل جماعات كاملة إلى حيوات يمكن التخلّص منها أو دفعها إلى شروط تجعل الموت احتمالاً دائماً. ولهذا يربط بين السيادة الحديثة وبين «حالة الاستثناء» أو «حالة الطوارئ»، أي تلك اللحظة التي يُعلَّق فيها القانون باسم الطوارئ والأمن والحرب. فالسلطة تحتاج دائماً إلى عدوّ، وإذا لم يكن موجوداً، ستعمل على إنتاجه تخييلياً وسياسياً وإعلامياً لكي تبرّر حقّها الاستثنائي في العنف.
غزّة وجنوب لبنان
يعمّق مبيمبي كذلك فكرة أساسية في نقد الحداثة، وهي أنّ الاستعمار ليس انحرافاً عن الحداثة، بل وجهها الآخر. وجهها اللَّيليّ إذا صحّ التعبير. فالحداثة التي قدّمت نفسها بوصفها مشروعاً للحضارة والعقل والقانون وحقوق الإنسان، احتاجت دائماً إلى فضاءات يُعلَّق فيها القانون لكي تستمرّ. فضاءات استثناء تصبح فيها الإبادة ممكنة، لا بوصفها جريمة طارئة، بل جزءاً من بنية السلطة نفسها. من هنا، يربط مبيمبي بين الاستعمار والعبودية والفصل العنصري والاحتلالات الحديثة، ويرى أنّها تخضع جميعها لسياسات تُنتج «مناطق موت» يعيش فيها البشر خارج الحماية القانونية والأخلاقية التي تدّعيها الحداثة لنفسها.
ومنذ السابع من أكتوبر، تحوّلت غزّة أمام أعين العالم إلى أحد أكثر تجلّيات هذا المنطق وضوحاً والتجسيد الأمثل لـ«فضاءات الموت». لم تعد المسألة هناك مجرّد حرب على تنظيم مسلّح، بل إعادة تعريف كاملة لمكان يعيش فيه أكثر من مليونَيْ إنسان بوصفه فضاءً يمكن تجويعه وقصفه وتجريفه ومحو بناه التحتية وتعليق كل القوانين فيه باسم «الدفاع عن النفس». وما يحدث في جنوب لبنان اليوم يتحرّك تدريجياً في الاتجاه نفسه، أي تحويل الأرض إلى مساحة أمنيّة مفتوحة، والسكّان إلى فائض بشري يعيش تحت التهديد الدائم ويُدفع شيئاً فشيئاً إلى التهجير أو إلى حياة لا تشبه الحياة.
الوجه الليليّ والوجه النهاريّ
لكنّ أهمية فكر مبيمبي بالنسبة إلينا لا تكمن في توصيف هذا المنطق وحسب، بل ربما أيضاً في مساعدتنا على كشف التناقض الذي يقوم عليه. فالاستعمار المتأخّر لا يستطيع أن يعلن نفسه استعماراً بشكل صريح كما كانت تفعل الإمبراطوريات القديمة. إنه يحتاج دائماً إلى لغة أخرى يبرّر نفسه من خلالها، وهي في حالتنا لغة الأمن والدفاع عن النفس والخطر الوجودي. أي أنه يحتاج إلى أن يحافظ، ولو شكلياً، على صورته «النهارية» بوصفه دولة قانون ومؤسّسات، حتى وهو يمارس في المستعمرات أكثر أشكال العنف انفلاتاً.
وهذا التناقض تحديداً هو ما يمنح الاستعمار قوّته، وما يفتح ربما، في الوقت نفسه، هامشاً ضيّقاً لمواجهته. ليس لأن الاستعمار يملك ضميراً أخلاقياً، بل لأنه يحتاج دائماً إلى إنكار حقيقته الاستعمارية والظهور بمظهر الدولة الطبيعية التي تخوض حرباً مشروعة لا مشروع محو وإبادة.
من هنا يمكن فهم الالتباس الذي يحيط اليوم بكل الحديث عن الدبلوماسية والتفاوض وحصر السلاح داخل الدولة. فهذه الخيارات يصوّرها رافضوها كأنها خضوع أو استسلام أو قبول بالهيمنة الإسرائيلية. لكنّ هذا التصوّر يتجاهل أن ما يواجهه لبنان اليوم ليس خطر الهزيمة العسكرية وحسب، بل أيضاً خطر التحوّل الكامل إلى فضاء استباحة شبيه بغزّة، أي إلى أرض مفتوحة للمحو والتجريف.
بهذا المعنى، فإنّ محاولة إعادة الصراع إلى مستوى الدولة والدبلوماسية والقانون ليست مجرّد خيار ثالث، بل المحاولة الوحيدة الممكنة لِلَجْم منطق النكروبوليتيكس نفسه، أي محاولة منع إسرائيل من الانتقال الكامل إلى وجهها اللّيلي المسلّح بالقوة والعنف العاريَيْن. قد لا يهدّد هذا المسارُ إسرائيل من حيث ميزان القوى، بل تكمن ضرورته في أنه يهدّد اللحظة التاريخية التي باتت مؤاتية بالنسبة لإسرائيل لتوسيع هيمنتها. ولهذا بالتحديد لا تبدو متحمّسة له.
استعادة الأرض كحياة
لكن إذا كان للاستعمار المتأخّر وجهه اللّيلي الذي يُعلَّق فيه القانون وتُدار فيه الحياة بوصفها مادة قابلة للمحو، فنحن نملك أيضاً، بشكلٍ ما، وجهنا اللّيلي أيضاً. إنه الوجه اللاهوتي والعقائدي للمقاومات الإسلامية المسلّحة، الذي لا يرى الأرض فضاءً ملموساً للعيش والحياة والذاكرة، بل ساحة رمزية لمعركة تتجاوزها نحو مطلق ديني وسردية خلاصية كبرى. وقعت هذه المقاومات في وهم التماثل مع إسرائيل وصدّقت الرواية الإسرائيلية عنها وعن قدرتها على تشكيل خطر وجودي عليها. وهنا تكمن المفارقة المأسوية: في اللحظة التي نظنّ فيها أننا نواجه المشروع الاستعماري، نمنحه بالضبط اللغة والخيال السياسي والعدوّ الوجودي الذي يحتاجه لكي يطلق أكثر وجوهه ظلاماً وعنفاً.
فالاستعمار الإسرائيلي، مهما ارتدى من لغة توراتية ومسيحانية، يبقى في جوهره مشروعاً استعمارياً حديثاً وتقليدياً إلى حدّ بعيد. إنه مشروع سيطرة على الأرض وإعادة تنظيم الفضاء والسكّان بما يخدم مصالح القوة والهيمنة. ليست بلادنا بلاداً غنية بالثروات الطبيعية بالمعنى التقليدي، لكنها ثروة بحد ذاتها. وهذا ليس حديثاً عاطفياً أو وطنيةً ساذجة. بلادنا، ببساطة، قطعة أرض متوسّطيّة مفتوحة على البحر، لا دول سيادية فيها، لذا فإنها قابلة للاستثمار والسيطرة وإعادة التشكيل. وحده دونالد ترامب بلغته الفجّة التي تجرّد الخطاب الإمبراطوري من زخارفه الأخلاقية المعتادة، قال الأمر كما هو تقريباً حين تخيّل غزّة «ريفييرا» جديدة بعد محوها. كانت تلك اللحظة، على فجاجتها، كاشفة. فالاستعمار لا يرى الأرض ذاكرةً أو حياةً أو تاريخاً، بل عقاراً للاستثمار، مساحةً قابلة لإعادة التطوير بعد إزالة فائضها البشري.
لكن ما يسمح لهذا المشروع بأن يتحرّك بهذه الوحشية ليس قوته العسكرية وحسب، بل وجود خطاب مقابل يلتقي معه، من حيث لا يدري، على نزع الحياة الملموسة عن الأرض. فحين تتحوّل فلسطين أو الجنوب إلى مجرّد رمز عقائدي، يصبح البشر الذين يعيشون فيها قابلين للتحويل إلى وقود رمزي أيضاً. وحين تُختزل المقاومة في وعد غيبيّ بالنصر والشهادة والخلاص، تصبح الخسارة الفعليّة للأرض والبيوت والحقول والاجتماع تفصيلاً ثانوياً أمام قداسة المعركة نفسها.
هكذا يلتقي المنطقان، رغم عدائهما الظاهر، على فصل الأرض عن الحياة اليومية التي تمنحها معناها وقيمتها الحقّة. فالاستعمار يحوّلها إلى عقار ومجال أمني، والمقاومة اللاهوتية تحوّلها إلى مسرح رمزي لمعركة مقدّسة. وفي الحالتين، يُدفَع الناس بأجسادهم وبيوتهم وأشجارهم وذاكرتهم إلى الموت.
مقاومة أخرى
من هنا تحديداً، لا تعود المشكلة في الطبيعة الأداتية والتقنية للسلاح وحسب، بل أيضاً في المخيّلة التي تحكم استخدامه. فالسلاح عندما يصير جزءاً من هوية جماعية مغلقة، لا يعود قابلاً للنقاش السياسي أصلاً، ويتحوّل إلى امتدادٍ للكرامة والوجود والطائفة، وتصير كل محاولة للتفكير في تسليمه للدولة أو إعادة تنظيمه داخلها كأنها محاولة لنزع الحماية الوجودية عن الجماعة نفسها. بينما المفارقة هي أنّ استمرار هذا المنطق هو ما يهدّد فعلياً بتحويل هذه الجماعة إلى مادّة ضمن مشروع المحو الذي نشهده أمام أعيننا.
لكنّ نقد هذا الوجه اللاهوتي للمقاومة لا يعني القبول بالهيمنة الاستعمارية والتعامل معها بأسلوب غضّ البصر، بل بالعكس تماماً. فالمشكلة ليست في فكرة المقاومة نفسها، بل في شكل واحد من المواجهة هو الشكل العقائدي الميليشيويّ الذي يساهم في تحلّل فكرة الدولة، والذي لا يرى من القوّة إلا قدرتها على إنتاج الموت. والحال أنّ ثمة أشكالاً أخرى للمقاومة، أقلّ صخباً وربما أكثر قدرة على الاستمرار، مقاومات مرتبطة بالحياة لا بالموت، وبالتجذّر لا بالمحو، تواجه الاستعمار من خارج منطقه بدلاً من أن تدخل لعبته وتمنحه الذريعة التي يحتاجها. لكنّ التفكير في هذه الإمكانات يحتاج، بدوره، إلى تفكيك عميق للمخيّلة السياسية التي حكمت لعقود طويلة فهمَنا لما يسمّى بالصراع العربي الإسرائيلي وعلاقتنا بفكرة المقاومة.