تعليق الحرب على لبنان
طارق أبي سمرا

شبحا الدولة والمقاومة

3 حزيران 2026

حزب الله ماضٍ في معركة التحرير، والدولة ماضيةٌ في معركة بسط السيادة، وفي الأثناء يُمحى الجنوب.

يوماً تلو آخر، تتّسع رقعة الأرض التي ينبغي تحريرها، وتضمر السيادة، لكن لا شيء يتغيّر. فالنصر يبقى قريباً، واستعادة قرار الحرب والسلم تظلّ وشيكة.

الواقع لا يَمسّ، إذاً، رواية أيٍّ من الطرفين اللبنانيَّين. والواقع هو إسرائيل. فمهما توحَّشت هذه الأخيرة، تبقى عاجزة عن التأثير في خطاب كلٍّ من الدولة وحزب الله. ولعلّ هذا ما يفسِّر الشعور المتناقض الذي قد ينتاب المرء أحياناً بأنّ لا شيء يحدث رغم كلّ ما يحدث مِن قتل وتدمير وتهجير. 

فثمّة تعويذتان تحجبان ما تفعله إسرائيل:

  • التفاوض– بلا أيّ أوراق ضغط– بهدف تحقيق وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي (وهو ما ترفضه الدولة العبريّة رفضاً قاطعاً، ما يحيل التفاوض عمليّةً صُوَريّة استعراضيّة، يصعُب تحديد هدفها الفعلي).
  • المقاومة بهدف وقف العدوان وتحرير الأرض (لكنّها مقاومة تستجلب مزيداً من القصف والاحتلال بحيث يبدو أنّها تفعل نقيض ما يُفترض بها أن تفعله).

هاتان التعويذتان نسمعهما يوميّاً، فيما يُردِّد كلٌّ منّا إحداهما. نعلم أنّهما فارغتان من أيّ سحر، لكنّنا لا نيأس من تردادهما كما لو أنّهما قد تُحدثان أثراً. نرى الواقع ولا نراه في آنٍ معاً، ليس لأنّه يفوق قدرة الاستيعاب كما يكرّر البعض، بل لأنّه بسيط جدّاً: إسرائيل تحوّل شطراً من لبنان إلى صحراء خالية من العمران والبشر والنبات والحيوان، شطراً يتّسع يوماً بعد يوم، وتتبخّر منه الآثار الماديّة للذاكرة الجماعيّة، وقد تغدو عودة الحياة إليه مستحيلة. نرى بوضوح ما يحصل، لكنّنا نتصرّف كما لو أنّنا لا نصدّق. نرى الغول وقد قضم قطعة من البلد وابتلعها، لكنّنا نتظاهر بأنّ ذلك لم يحصل. ترداد إحدى التعويذتَين هو ما يتيح هذا التظاهر.

إنّه تحديداً ما يسعى إليه كلا الطرفَين اللبنانيَّين، الدولة وحزب الله: التظاهر. إنكار الواقع. الانفصال عنه. ذاك أنّ الإقرار به يعني آليّاً انتفاء شرعيّة كلّ منهما وعلّة وجوده. فما الحاجة إلى دولة لا تستطيع خوضَ حربٍ ولا إعلانَ استسلامٍ ولا إخضاعَ الطرف الداخليّ المُسلَّح الذي تتّهمه بإشعال الحرب؟ وما الحاجة إلى مقاومة لا تردع عدوّاً ولا تكترث بأنّ تتحوّل الأرض التي تدافع عنها إلى قفرٍ لا يصلح للحياة؟

درءاً لانهيار شرعيّته وزوال علّة وجوده، نقل كلٌّ من الطرفَين معركته إلى حيِّزٍ خياليّ رمزيّ، إذا جاز التعبير:

  • التفاوض بين لبنان وإسرائيل لا يجري فعلاً في عالم الواقع. فبالرغم من أنّ هناك وفدَين يلتقيان في واشنطن، فإنّ ما يدور بينهما ليس سوى سراب. فما تطلبه إسرائيل هو تحديداً ما تعجز الدولة اللبنانية عن فعله: نزع سلاح حزب الله. أمّا المطلب اللبناني الرئيسي، فقد بات واضحاً أنّه مستحيل التحقّق في المدى المنظور: وقف إطلاق النار. ولعلّ أكثر ما يُبرز الطابع الوهمي لهذا التفاوض هو الهدنة التي أُقرَّت ثم مُدِّدت وقد تُمدّد أكثر من مرّة بعد: هدنة تنتمي إلى عالم الخيال. أمّا ما تريده الدولة اللبنانيّة من هذا التفاوض، فهو التظاهر بأنّها دولة. بأنّ ثمّة شيئاً تستطيع فعله، حتى لو كان رمزيّاً وبلا أثر.
  • مقاومة إسرائيل لا تحصل فعلاً في عالم الواقع. صحيحٌ أنّ هناك عناصر من حزب الله يقاتلون ويُقتلون، لكنّ الهزيمة سبق أن حلّت، ولا يشي المستقبل سوى بتعمّقها. وكلّما تعمّقت، تعاظم النصر. ولعلّ أوضح دليل على الانفصال عن الواقع حديثُ حزب الله عن عدم تمسّكه بالجغرافيا. فلا شك في أنّ حركات المقاومة، بخلاف الجيوش النظاميّة، لا تتمسّك بالجغرافيا، إلّا أنّ غايتها النهائيّة تبقى تحرير الأرض لتحسين شروط حياة الناس عليها. لكنّ حزب الله كان يسيطر على أرض محرّرة فرّط بها طوعاً بإشعاله حرب إسناد غزّة ثمّ حرب إسناد إيران. أمّا شروط حياة الناس، التي يُفترض أن يكون تحسينها الهدف الرئيسي، بل الوحيد، لأيّ مقاومة، فإنّ حزب الله لا يزيدها إلّا سوءاً، بل يكاد يجعل استمرارها مستحيلاً لأجيال قادمة. إنّه يقاتل للتظاهر بأنّه مقاومة.

نحن إذاً أمام شبحَين: شبح دولة وشبح مقاومة. شبحان يدّعيان أنّهما حيّان يرزقان. وفي كثير من الأحيان نُصدِّقهما، أو على الأقل نُصدِّق أحدهما. بل الأصحّ أنّنا نتظاهر بتصديقهما، إذ نعلم– ولو تجاهلنا ذلك– أنّه ليس في عالم الأحياء سوى إسرائيل.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
إسرائيل تستهدف سيارة على أوتوستراد خلدة
تعليق

شبحا الدولة والمقاومة

طارق أبي سمرا
هكذا احتلّوا يحمر وقلعة الشقيف
03-06-2026
تقرير
هكذا احتلّوا يحمر وقلعة الشقيف
تعليق استهداف الضاحية: 4 روايات حول وقف إطلاق النار
02-06-2026
تقرير
تعليق استهداف الضاحية: 4 روايات حول وقف إطلاق النار
حدث اليوم - الثلاثاء 2 حزيران 2026
02-06-2026
أخبار
حدث اليوم - الثلاثاء 2 حزيران 2026
«سكاي نيوز» تتبرّأ من «سكاي نيوز عربيّة»
02-06-2026
تقرير
«سكاي نيوز» تتبرّأ من «سكاي نيوز عربيّة»