يُقال إنّ السياسةَ فنُّ الممكن، أي أنّها السعي إلى تحقيق أفضل نتيجة يمكن بلوغها في الواقع، لا النتيجة المثالية التي قد يتمنّاها المرء. ولا يقتضي ذلك بالضرورة التخلّي عن المبادئ، بل كبح جموح الأحلام والرغبات، وإدراك أنّ الفعل السياسي لا يجري في فراغ، إذ تحدّه قيود كثيرة، من الواقع الاقتصادي والقوانين والمؤسّسات، إلى الرأي العام وميزان القوى والظروف الدولية.
إنّها مقولة شائعة جدّاً، وصحيحة تماماً، فيستحيل دحضها. لكنّها كمعظم المقولات الشائعة، لا تفعل سوى تكرار أبسط البديهيّات، إلى حدّ أنّها تكاد لا تقول شيئاً. ذاك أنّ «فنَّ الممكن» توصيفٌ من العموميّة بحيث يمكن أن ينطبق على أيّ شيء وكل شيء. فالمعماريّ، مثلاً، لا يُشيِّد مبنى في الفراغ، بل تحدّه قيود كثيرة: الميزانيّة، والمساحة المخصّصة للبناء، والمواد المتوفّرة، ومتطلّبات المستثمر... ناهيك عن قوانين الفيزياء. وكذلك الطبيب الجرّاح، والمحامي، والنجّار، ومصمّم الأزياء... لا بل يمكن القول إنّ ذلك ينطبق علينا جميعاً في معظم أفعالنا اليوميّة، إن لم يكن في كلّها. فمن أراد، مثلاً، إعداد وجبة غداء من دون الخروج للتسوّق، عليه الاكتفاء بما هو متوفّر في منزله من خضار ولحوم وما إلى هنالك، وهو بذلك يكون ممارساً لفنّ الممكن.
بالرغم من خوائها، تُرمى هذه المقولة يميناً ويساراً، كما لو كانت تنطوي على حكمة سرمديّة لا يَنفُذ إلى سرّها إلّا أهل البصيرة. وحتّى عندما لا تُذكَر صراحةً، فإنّها غالباً ما تكون مضمَرةً في جانب كبير من الخطاب السياسي. فحين يُقال إنّه «لا بديل» أو يُسأل «ما البديل؟»، وحين تُستدعى «الواقعية» لتسويغ خيارٍ ما، يكون المضمَر أنّ «هذا وحده هو الممكن»، وأنّ مَن يعتقد بغير ذلك ليس سوى حالمٍ ساذجٍ لا يفقه شيئاً في السياسة.
الوظيفةُ الأساسيّة لهذه المقولة وما يُشبهها حصرُ الخيار بين السيّئ والأسوأ. وهذا تحديداً ما يفعله رئيس الجمهوريّة جوزاف عون حين يصف اتّفاقَ الإطار بأنّه «أفضل الممكن»، وهو وصفٌ بليغٌ، إن صحّ التعبير، إذ يختزل في كلمتَين جوهرَ كلّ خطابٍ مُسوِّغٍ للاتّفاق. فقلّما تجد من يدافع عن هذا الاتّفاق من دون أن يقرّ بأنّه سيّئ. أمّا التبريرات التي تُساق، فإمّا أنّه لا بديل عنه، أو أنّه النتيجة الحتميّة لهزيمة لبنان وحزب الله، أو أنّه ما تقتضيه الواقعية السياسيّة. أي أنّه «أفضل الممكن». أو بكلمات أخرى: إمّا السيّئ، أي الاتفاق، أو الأسوأ، أي حرب حزب الله العبثيّة.
يقوم هذا المنطق على جملة من العيوب والمغالطات:
- لا شيء «يثبت» أنّ هذا الاتّفاق هو أفضل الممكن سوى كلام المسؤولين اللبنانيين أنفسهم. أي أنّ الحجّة الوحيدة المقدَّمة دفاعاً عن ذلك هي: «لأنّنا نقول ذلك».
- علم أنّ عدم إبرام الاتّفاق كان من بين الخيارات الممكنة، إلّا أنّ أحداً من المسؤولين لم يكلّف نفسه عناء تقديم دليل على أنّ إبرامه أفضل من عدمه.
- الممكن ليس معطىً ثابتاً، بل يتغيّر بتغيُّر الفاعل السياسي. فإذا سلّمنا جدلاً بأنّ الاتّفاقَ أفضلُ الممكن، فهو أفضل ما أمكن لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة تحقيقه. ولو استُبدِل بهما شخصان آخران، لتغيَّر نطاق الممكن نفسه، إلى الأفضل أو إلى الأسوأ. وينطبق الأمر نفسه على الوفد المفاوض أيضاً.
- يطمس هذا المنطق حقيقةَ أنّ كثيراً من المسؤولين السياسيين، إن لم يكن معظمهم، لا تحرّكهم المصلحة العامة بقدر ما تحرّكهم مصالح شخصية أو فئويّة. أي أنّ «أفضل الممكن» قد لا يكون بالضرورة ما هو الأفضل للّبنانيين عموماً، بل ما يخدم فريقاً سياسيّاً منخرطاً في صراع داخلي.
- تحت ستار الواقعيّة، لا يفعل ذلك التخييرُ بين السيّئ والأسوأ سوى تبرير خيارٍ غير واقعي. ذاك أنّ الجميع يدرك أنّه لا سبيل إلى تنفيذ الاتفاق: فحزب الله لن يسلّم سلاحه ما دامت إسرائيل مستمرّةً في عدوانها، وإسرائيل لن توقف عدوانها ما دام حزب الله يحتفظ بسلاحه. أمّا الدولة اللبنانيّة، فلا حول لها ولا قوّة إزاء هذه المعادلة. إنّه اتفاقٌ أُبرِم كي لا يُنفَّذ، أي أنّ معظم بنوده لن تتحوّل إلى واقع.
إلّا أنّ أسوأ ما في هذا المنطق هو فرضه نوعاً من التماهي بين الفرد العادي المُراقب ومن هم في موقع السلطة والقرار. فهذه تحديداً وظيفة السؤال الممجوج: «ما البديل؟». إذ يُطلب منّا، نحن المواطنين، أن نضع أنفسنا مكان جوزاف عون أو نوّاف سلام، وأن نتخيَّل ما كان يمكن فعله بدل ما فعلاه؛ فإذا عجَزْنا عن اقتراح بديل، فما علينا سوى الصمت والتسليم بخياراتهما. يُطلَب منّا، بالتالي، أن نحاكم أفعالهما من داخل القيود التي يزعمان أنّهما أسيران لها.
إلّا أنّنا لا نخضع للقيود نفسها. فجزء كبير من هذه القيود مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً بالشخص الذي في موقع السلطة: بشخصيّته، وخبرته، وكفاءته، والأهمّ بشبكة تحالفاته وخصوماته الداخليّة والخارجيّة، وبمدى اضطراره إلى الرضوخ للضغوط، أكانت خارجيّة أم داخليّة، حزبيّة أم شعبيّة، للحفاظ على سلطته. لذلك، فإنّ الممكن ليس مطلقاً، بل هو ممكنُ سلطةٍ سياسيّة معيّنة. ومع تغيّر السلطة يتغيّر الممكن. ولعلّ أفضل جواب عن سؤال «ما البديل؟»– سؤال لا يهدف سوى إلى إغلاق باب النقد– أنّ البديلَ هو استبدالُ السلطة.
إنّ جعل النقد مشروطاً بتقديم بدائل ليس سوى حيلة لإعفاء السلطة السياسيّة من مسؤوليّتها عن خياراتها. فهي التي يقع على عاتقها اجتراح البدائل، لا الفرد العادي. أمّا الأخير، فلا شيء يُلزِمه بالاختيار بين السيّئ والأسوأ، بل يحقّ له رفضهما معاً. وقد يكون هذا الرفض، في حدّ ذاته، ضروريّاً لبقاء أفق الممكن مفتوحاً. ولعلّه بهذا المعنى تكون السياسةُ فنَّ الممكن.