العجز الذي يحيط بنا
ثمّة عجز يحيط بنا لبنانياً من كلّ الجوانب.
عجز تجاه الفساد.
وعجز تجاه نهب مليارات الدولارات من عصابات مصرفية.
وعجز تجاه مافيات سياسية وإدارية واقتصادية في الكهرباء والكسّارات والأملاك البحرية والقطاعات الخدماتية ومرفأ بيروت المنكوب.
وعجز تجاه الفجور الطائفي والسلاح والعنصرية والعنف ضدّ النساء وغير ذلك من الجرائم والمثالب التي تراكمت في مجتمعنا منذ عقود.
وثمة عجز إضافي آخر يضربنا منذ ثلاث سنوات هو العجز تجاه الحرب الإسرائيلية علينا، التي صار السجال العقيم حول من بدأها تعويضاً عن فداحة الخسائر التي نُمنى بها يومياً، والتي لا نملك سوى الاستمرار بإحصائها أو مشاهدة مجرياتها والافتراق بردود أفعالنا تجاهها بين القهر أو اللامبالاة، أو حتّى الشماتة التي هي من أبشع ما ابتُلينا به في الحقبة الراهنة.
عجز الدمار على الشاشات
ولا شيء أبلغ في تجسيد معنى هذا العجز وتكريسه مجتمعياً من متابعتنا على شاشات هواتفنا لمقاطع الفيديو التي تُظهر تفجير البلدات الجنوبية المتواصل منذ ستّة أشهر، بلدة تلو أخرى، وبيتاً تلو بيت، وتحويلها إلى حطام من الإسمنت والأخشاب والحديد وبقايا المفروشات والأغراض والأشجار التي عاشت يوماً مع أصحابها، قبل أن تطحنها آلات القتل الإسرائيلية على بعد كيلومترات قليلة من هؤلاء الأصحاب المهجّرين، العاجزين عن الاقتراب منها أو الوصول الى غبارها.
نتابعها ونتوقّف لثوانٍ للتدقيق في بعض تفاصيلها، ثم نحرّك إصبعنا لنقع على مقطع فيديو «رييل» آخر تفرضه الخوارزميات علينا، بناء على عمرنا وعلاقاتنا وموقع تواجدنا وزياراتنا لصفحات الويب وإثارتنا للمواضيع، قبل أن تعيدنا بعد دقائق إلى تفجيرات شاهدناها سابقاً من زوايا مختلفة وبتعليقات بثّ حيّ أو في تحقيقات صحفية.
عجز القتل من فوق
وتُجاري مقاطع الفيديو هذه ومتابعتنا لها، عجزاًَ وتوحّشاً، مقاطع ثانية نرى فيها ذاهلين الطائرات المسيّرة التي تُغير على سيارة أو تطلب من أحد ركّابها مغادرتها لتصطاده على بعد أمتار منها، فتبدو وكأنها متساوية معه في العلاقة بسائر الركاب: تطلب منه الابتعاد عنهم لتجنيبهم مصيره، ويبدو راكضاً بأسرع ما يمكن لا لينجو، بل ليجنّبهم الأذية المباشرة أو تلك التي سيتسبّب بها منظر جسده الممزّق المتطايرة أشلاؤه، حين سيتلقّى الضربة القاضية. يبدو القاتل الآلي الطائر في هذه المقاطع، في صلة حميمة بطريدته، وكأنه يريد أيضاً النأي عن الشهود، والاكتفاء بعرض الأمر على شاشات تخلق تلقائياً مسافة انفعالية غامضة.
عجز البيانات
ولتكتمل دائرة العجز التي تكاد تخنقنا، تأتينا بيانات من حزب الله تتوعّد العدو بالإذلال إن لم يوقف جرائمه وتؤكّد أنها منعته من «تحقيق أهدافه». ثم تأتي بيانات مضادّة من مسؤولين في الدولة اللبنانية تؤكّد على أهمّية مسار التفاوض لإنهاء الحرب واستعادة الأرض المحتلّة مشيّدة بنفسها وبجهودها الدبلوماسية، من دون أن تشرح لنا ماذا حقّقت حتى الآن، وما الذي ننتظره لنرى ثمار الجهود المشكورة المذكورة.
هكذا يصبح العجز معطوفاً على انتظار سقيم ورهانات معدومة الاستناد إلى وقائع وموازين قوى هو حال بيانات الطرفَين. وتصبح معادلة «الدولة والمقاومة والشعب» الشهيرة معادلة عجز مثلّث الأضلع، بمعزل عن المسؤوليات التي يمكن بلا شك التوقف عندها، إن للحديث عن السلاح الذي تحوّل التمسّك به إلى عقيدة في ذاتها بعد أن فشل في ردع العدوان أو حماية أهله، أو للحديث عن دولة فاقدة للمخيّلة السياسية لفرض نفسها داخلياً وخارجياً، أو عن «شعب» تعصف به الانقسامات الطائفية والاجتماعية وتتضاءل أكثر فأكثر إجماعاته الوطنية، من دون أن يعني الأمر تراجعاً في حيويّات ثقافية ومبادرات وحملات مواطنية ما زالت كثيرة ومتنوّعة داخل شرائحه، وهي موضع أملنا شبه الوحيد.
عجز المجتمع الدولي
على أنّ توصيف العجز اللبناني بمستوياته المختلفة لا يجيب عن سؤالَين نطرحهما على أنفسنا منذ سنوات، ويطرحهما مثلنا الفلسطينيون منذ عقود:
- ما الذي يوقف إسرائيل عن مجازرها وجرائمها تجاهنا وتجاه عمراننا وبيئتنا؟
- وماذا نفعل أمام تسليح بعض الدول الغربية لها وتمكينها من الإطاحة بالقانون الدولي وبقرارات الأمم المتّحدة وبتوصيات لجانها الحقوقية؟
وثمة مجال للكثير من النقاش السياسي والإجابات «العلمية» عن السؤاَلين ممّا يمكن الخوض به. لكن الغرض هنا ليس ذلك، بل هو ربط السؤالين بقضيّة العجز التي نتناولها، بما يفضي في حالة العواصم الكبرى الداعمة لإسرائيل والمستنكرة في نفس الوقت بعض ممارساتها وانتهاكاتها، إلى القول بأنّ عجزها عن إيقافها متعمّد. أي أنه خيار. فاستنكار تجويع أطفال يعني فرض رفع الحصار عنهم وإرسال المساعدات العاجلة والمستمرّة إليهم. واستنكار قصف مستشفى يعني وقف إرسال القنابل المستخدمة في هكذا قصف. واستنكار تفجير جامعات يعني إنزال عقوبات بالمفجّرين وتجميد اتّفاقيات التعاون الجامعي معهم. واستنكار إحراق الأشجار وتلويث التربة يعني فرض حظر على استيراد منتجات المرتكبين. أما التمنّع عن كل ذلك، فهو إرادة تجعل من العجز عن لجم حروب إسرائيل سمة كاذبة، لكنها متماشية مع عجز الضحايا ومفاعيلها السياسية، بما يوحي أنّ العجز شأن عام ومعولم تجاه بعض الحروب وبعض أطرافها؛ وبما يجعله جزءاً من سياسة تُحصّن بعض المجرمين وتحميهم من العقاب وتدفع مجتمعات بحالها إلى نوع من التسليم بمصيرها.
نحن أذاً أمام عجزنا القسري وعجز ما نسمّيه «المجتمع الدولي» الاختياري. ومبارحتنا بين العجزين ستكون على الأرجح طويلة، إلى أن ترسو الصراعات والتحالفات الإقليمية الجديدة على حال. وسنستمرّ، في انتظار ذلك، بتدبّر أمورنا وطحن الوقت، ولنا في هذا عادة وتجارب غير قليلة.