غالباً ما تُحصَر الحروب بالعناوين الكبيرة: مفاوضات، خطوط ومناطق تجريبية، تقديرات للردم والدمار، احتلال ومقاومة، مقاتلون ومدنيون، أهداف، تهجير، تطهير… من بين هذه العناوين جميعها، تتسرّب بعض التفاصيل الصغيرة: درّاجة هوائية، ربّما، طائرة ورق، ضحكٌ أو بكاء، ركضٌ خلف الطابة، ومحاولات أولى لغناء الألفبائية بلا أخطاء أو حفظ جدول الضرب كلّه، حتّى الرقم 9. إنّهم الأطفال، أطفال الجنوب بالتحديد، الذين انقلبت حياتهم– بشكلٍ خاص– رأساً على عقب، في السنوات الأخيرة.
شكّل هذا الأسبوع إنذاراً على 5 دفعات، يستدعي التوقّف برهةً والتفكير– من بين الأسئلة الكثيرة– بسؤال أطفال لبنان في ظلّ الحرب المتواصلة، ولا سيّما أطفال الجنوب.
1. مخلّفات العدوان: عندما يُمسي اللعبُ خطراً
يوم الاثنين 31 آب 2026، استشهد الطفل محمد علي إبراهيم في بلدته حبّوش، نتيجة قنبلة عنقودية من مخلّفات العدوان الإسرائيلي. تجدر الإشارة إلى أنّ الوالد، علي إبراهيم، استشهد بدوره خلال الحرب. هذا طفلٌ، بسبب الحرب، عاشَ أشهراً بلا أبيه، قبل أن تنقضّ الحرب عليه أيضاً.
تُعيد هذه الحادثة فتح فصلٍ من فصول الحروب السابقة، كادَ أن يُقفَل، بعد تسجيل 428 شخصاً بين قتيل وجريح جرّاء مخلّفات حرب تمّوز 2006، وبقيَ– حتّى العام 2023– 4.65 كلم2 من الأراضي اللبنانية الملوّثة بالقنابل، فقط، مقارنةً بـ55 كلم2 مباشرةً بعد الحرب.
إذاً، حتّى ولو انتهت الحرب اليوم، نحن نقول لأطفال الجنوب أمامكم سنين من تحذيرات «لا تقترب، لا تلمس، بلّغ فوراً». سيضطرّ أهاليكم إلى تأنيبكم كلّما ركضتم بالحقول، ستخافون اللعب، لا لأنّ اللعب يخيف بل لأنّ أحدهم قرّر أن يزرع القنابل في ملاعبكم.
2. «حبّات القلوب»: عندما يكون الطفلُ هدفاً
قتلت إسرائيل على الأقلّ 765 طفلاً في لبنان.
هذا ما رصدته مبادرة «حبّات القلوب» خلال 1,026 يوماً من التوثيق (تقريباً 3 سنوات)، وقد أُطلقَت المبادرة وموقعها هذا الأسبوع، وهي بحسب تعريفها «مبادرة أهلية تحفظ ذكرى أطفالنا الشهداء والجرحى حتّى لا ينجو القاتل ولا يكونوا أرقاماً يطويها النسيان».
وجهاً تلوَ الآخر، تعرض المبادرة سجلّاً للأطفال الشهداء، صورتهم واسمهم وعمرهم وبلدتهم… ومكان الاستشهاد. وقد أُضيفت لعددٍ منهم قصّة، وجُمِعَ الأشقّاء والشقيقات ممّن استشهدوا معاً. وخَصَّت المبادرة قسماً للأطفال الجرحى، حيث تتراوح الوقائع من البتر والإصابات التي ستحمل أثراً لمدى الحياة، إلى إصاباتٍ أخفّ من حيث الشكل؛ على أنّ الأكيدَ في جميع الحالات هو الأثر النفسي طويل الأمد على الطفل المُصاب.
3. «موعدنا حولا»: عندما تُبنى قريةٌ من الذاكرة والخيال
شهدت واجهة بيروت البحرية- منطقة البيال هذا الأسبوع فعالية «موعدنا حولا»، حيث التقى أطفال البلدة الحدودية، وركبوا درّاجات هوائية واستمتعوا بوقتهم. كان هذا النشاط يُعقد في حولا سنوياً، منذ 12 سنة، ولكن «الظروف» حالت دونه في السنين الأخيرة.
لا شكّ أنّ الأطفال استمتعوا، ولا شكّ أنّ الفعالية بثّت «رسالة الأمل» التي تريد. ولكن خلف هذا الأمل واقعٌ مرير، وجهه الأوّل أنّ نسبة الدمار في قرية حولا تجاوزت الـ80٪. الوجه الثاني من هذا الواقع المرير مرتبط بحقيقة أنّ هؤلاء الأطفال الذين ساقوا درّاجاتهم سوياً يُقارب عمرهم السنوات المعدودة، وقد هُجّروا من قريتهم في مطلع الحرب سنة 2023، ما يعني أنّهم لم «يعيشوا» حقّاً هناك، وأنّهم يعرفون حولا عبر ذاكرةٍ طرّيةٍ، وعبر ما يسمعونه من ذويهم، وعبر ما يرونه من صورٍ سابقة على الدمار الحالي. ما يعني، بمعنى آخر، أنّهم لن يروا من جديد حولا الفعلية.
رغم دمار الحروب السابقة، رَمّمت قرى الجنوب نفسها تِباعاً، واستطاعت الأجيال المتعاقبة أن تحفظ صورةً مشتركةً بهذا القدر أو ذاك عن قراها. أمّا اليوم، نحن أمام جيلٍ لن يعرف يوماً شكل قراه، مقابل أجيال عرفوا شكلاً للقرى أصبح من الماضي. كيف تُبنى إذاً، لهؤلاء الأطفال، ذاكرةٌ مكانية مشتركة مع أهلهم؟ ذاكرةٌ تخصّ المكان الذي هو أصلهم؟
4. العودة إلى المدرسة: عندما تتواطأ اللامساواة مع الحرب
في مثل هذه الأيّام تبدأ استعدادات العائلات والأطفال للسنة الدراسية الجديدة؛ وقبل أيّامٍ قليلة، شهد البلد سجالاً واسعاً حول الامتحانات الرسمية بين التنفيذ والتأجيل أو الإلغاء، ربطاً بالمدارس الواقعة في مناطق الخطر وكذلك الطلّاب الذين صعُب عليهم متابعة العام الدراسي بشكلٍ سليم نتيجة النزوح والظروف.
بعد أيّامٍ إذاً يبدأ العام الدراسي الرابع على التوالي، في ظلّ الحرب.
منذ كانون الأوّل 2023، أُقفلت عشرات المدارس، وتأثّر (بحسب اليونيسف) أكثر من 6 آلاف تلميذ بإقفال المدارس، ثم ارتفع العدد إلى نحو 20 ألف تلميذ وأكثر من 70 مدرسةً مقفلة بحلول نيسان 2024. ثم خُفّفَت الامتحانات الرسمية، ثم يمكننا القول إنّ نموذج الامتحانات الرسمية بنفسه «انهار» سنة 2025.
وعليه، يُطرَح السؤال المتعلّق بكثافة التعليم وجودة التعليم الذي تلقّاه أي طفل من أطفال الجنوب عموماً، منذ سنة 2023 وحتّى اليوم. سواء أكان بالمعنى المباشر، أي التمكّن من حضور الصفوف وإتمام الواجبات، أم بشكلٍ غير مباشر بمعنى قدرة التركيز في ظروف النزوح أو الظروف العائلية القاهرة، أو حتّى تلاشي المعرفة المتراكمة إثر التقطّع الدوري للدروس ثم معاودتها. وذلك بالإضافة إلى البنى التحتية التربوية نفسها، حيث دُمّرت نحو 89 مدرسةً بشكلٍ كامل، وتضرّرت 340 مدرسةً في جولة 2026، عدا عن المدارس التي تحوّلت إلى مراكز نزوح.
وعليه يصبح السؤال، أي مستقبل تعليمي يمكن أن يُقدَّم لهؤلاء الأطفال؟ وكيف تنتج ظروف الحرب لامساواةً بين أطفال لبنان، وما تبِعات هذه اللامساواة بعد بضعة سنين؟
5. الأسرى والمفقودون: عندما تُعلَّق الأُبوَّة
أيضاً هذا الأسبوع، يوم الخميس، قرّرت إسرائيل إعادة خمسة أسرى لبنانيين من أصل 36 أسيراً لديها. أبعد من التصريحات الإسرائيلية، غُيّبَ 36 شخصاً عن عائلاتهم؛ ومنهم مَن له أولاد، لا يعلمون حتّى اليوم مصير أبيهم ولا سبيلَ لهم للتواصل معه. من هذه الزاوية، يُمكن عطف هذا الملف على ملف «مفقودي الأثر»، أي (بشكلٍ أساس) المقاتلين الذين ما زالوا مفقودين حتّى اليوم، من دون معلومات عن كونهم قيد الحياة أو لا؛ وإن لم يكن كذلك، من دون معلومات عن موقع جثامينهم.
هذه الحالة من المجهول، لها أثرٌ على الطفل يختلف تماماً عن أثر خسارة الأب بشكلٍ أكيد أو حضور الأب بشكلٍ أكيد. إنّها البنوّة / الأبوّة المُعلَّقة. إذاً منذ انتهاء جولة الحرب الأولى في خريف 2024، وحتّى اليوم، ثمّة أطفال وقد علّقوا علاقتهم بأبيهم من دون أي جواب.
هذه الملفّات وإذ «صادف» أنّها حضرت جنباً إلى جنب وبشكلٍ خاصّ هذا الأسبوع، إلّا أنّها كامنة في الواقع اللبناني منذ اندلاع الحرب وحتّى اليوم. وراء العناوين الكبيرة، يركض أطفال الجنوب خلف طابتهم، ولكنّ مدّة المباراة محدودة، وسرعان ما سيملّون اللعب، وينبغي علينا، آنذاك، أن نقدّم لهم أجوبةً.