تعليق مفاوضات
طارق أبي سمرا

غريزة الحرب

الدولة بوصفها جماعة أهليّة

3 تموز 2026

العنف الداخلي

كأنّها أتيةٌ من بعيد، من زمن سحيق لا تبلغه الذاكرة، وماضيةٌ إلى مستقبل لا يستشرفه الخيال. كأنّها بلا بداية ولا نهاية. تُذكِّرني أحياناً باجتياح عام 1982 وبحصار بيروت، مع أنّني لم أولد سوى في العام التالي. وتذكّرني، في أحيان أخرى، بحرب تموز 2006 التي لا أذكر منها الكثير. وتذكّرني أيضاً باغتيال رفيق الحريري، وبتمرّد حزب الله المسلّح في 7 أيار 2008، وبالحرب الأهلية التي انتهت وأنا في السابعة من عمري. إنّها تستدعي إلى ذاكرتي أحداثاً ووقائعَ عشت بعضها وشهدت عليه، فيما لم أعرف بعضها الآخر إلّا ممّا سمعت أو قرأت. لكن كيف للحرب الجارية أن تُعيد إلى ذهني ذلك كلّه؟

يُقال إنّ الشيء بالشيء يُذكر. غير أنّ ما يُستعاد هنا ليس العنف وحده، أو بالأحرى ليس العنف بصورته الخام، أي بما هو مجرّد قتل أو تدمير. فما يربط تلك الوقائع والأحداث بالحرب الجارية عنفٌ ينبثق من داخل المجتمع، فيفجّره ويُشظّيه، أو يدفعه إلى شفير الانفجار والتشظّي. فحتّى الحرب التي يشنّها اليوم طرفٌ خارجيٌّ على لبنان انقلبت صراعاً أهليّاً انقسم فيه اللبنانيون بين مَن يُحمِّل فريقاً داخليّاً مسؤوليّة التسبّب بالحرب، ومَن يتّهم الفريق الآخر بالعمالة للعدوّ الخارجي.

ما يجعل الأمور مربِكةً وأكثر تعقيداً أنّ في كلٍّ من الاتّهامَين قدراً من الحقيقة. فحزب الله هو مَن فتح جبهة الحرب في 8 تشرين الأوّل 2023، ولم يُبدِ في قراره هذا أيّ اكتراث بالمصلحة اللبنانيّة. وقد تصرّف إذّاك بوصفه جماعة أهليّة لها مصالح داخليّة وخارجيّة تتمايز عن مصالح الجماعات الأخرى بل تتناقض معها. لذلك فإنّ وحشيّة إسرائيل، مهما استفحلت، لا تلغي حقيقة أنّ ما نعيشه اليوم حربٌ بادرت إلى شنّها إحدى الجماعات اللبنانيّة.

اتفاق يبحث عن خلافه

أمّا السلطة اللبنانيّة، ممثَّلةً بالحكومة ورئاسة الجمهوريّة، فتتصرّف كما لو أنّ نزاعها الوحيد هو مع حزب الله، فيما تبدو إسرائيل، من منظورها، طرفاً غير معادٍ. ولعلّ أبرز دليل على ذلك، من بين أدّلة باتت كثيرة، «اتفاق الإطار» الذي يكاد يقول صراحةً إنّ لا خلاف بين الحكومتَين اللبنانيّة والإسرائيليّة، وإنّ المشكلة الوحيدة التي يعاني منها الطرفان، وينبغي لهما التعاون على معالجتها، هي سلاح حزب الله. 

والأدهى أنّ هذا الاتّفاق يبرّر لإسرائيل جرائم الحرب التي ارتكبتها أو قد ترتكبها في المستقبل. فالعمليات العسكريّة الإسرائيلية في لبنان– وفقاً لما جاء في نص الاتفاق– هي حصراً نتيجة للهجمات والتهديدات والنوايا العدائية الصادرة عن الجماعات المسلّحة غير التابعة للدولة، ولا سيما حزب الله. بكلمات أخرى: إذا قصفت طائرة إسرائيليّة مبنى مدنيّاً وقتلت جميع مَن فيه، فإن ذلك لا يُعدّ سوى نتيجة للهجمات والتهديدات والنوايا العدائية الصادرة عن حزب الله. غير أنّ جرائم الحرب هي، تعريفاً، ما لا يمكن تبريره تحت أيّ ظرف، وأيّاً يكن الطرف البادئ بالحرب، وهو ما تدركه إسرائيل جيّداً. لذلك توجّب على الحكومة اللبنانيّة الالتزام بعدم ملاحقة إسرائيل في المحافل السياسية أو القانونية الدولية. هكذا تكون قد تخلّت عن ورقة تفاوضية يستطيع حتّى العاجز عجزاً مطلقاً أن يتمسّك بها، ألا وهي القول إنّ الجريمةَ جريمةٌ والعدوانَ عدوانٌ. 

الدولة كجماعة أهلية

هذا كلّه، على الرغم من فداحته وسرياليّته، لا يجعل من السلطة اللبنانية خائنةً أو عميلةً، بل يكشف أنّها تتصرّف بوصفها جماعة أهليّة تناصب العداء لجماعة أهليّة أخرى هي حزب الله. ثمّة حربٌ أهليّة تخاض بوساطةٍ إسرائيليّة بين هذين الطرفَين اللبنانيَّين. وفي الحروب الأهليّة، لا مصلحة وطنية عليا، ولا خائن أو عميل. هناك فقط الولاء الأعمى للجماعة، نصرةً لسطوتها ومصالحها. أمّا كلّ ما عدا ذلك، من قبيل المقاومة وتحرير الأرض، أو السيادة وبناء الدولة، فلا يعدو أن يكون أحجبةً شفافة للعصبيّة الأهليّة.

لا يُغيّر شيئاً أنّ رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة ليسا من زعماء الطوائف، وأنّهما أتيا من خارج ما يُسمّى «الطبقة السياسيّة». فالنظام السياسي الذي ابتلعهما، أو تكيّفا معه، هو نظام حربٍ أهليّة باردة. وقد بدأ هذا النظام يخرج من طوره البارد، مقترباً من لحظة الانشطار والتشظّي. فالدولة اللبنانيّة، على عكس ما يُقال عن مضيّها في مسار التعافي والنهوض، باتت طرفاً في نزاع أهليّ، وانحدرت إلى مرتبة الجماعة الأهليّة.

لا يمكن لأحد أن يعلم متى يحصل الانفجار، أو ما إذا كان سيحصل أصلاً. لكنّ المؤكّد أنّه أصبح احتمالاً يلوح في مستقبل غير بعيد. وكأنّ اللبنانيين مصابون بلعنة التكرار. وكأنّهم استبطنوا إرث حروبهم الأهليّة، فتحوّل الإرث إلى ما يُشبه الغريزة: غريزة عمياء وبلهاء، كما كلّ الغرائز. ولذلك قد يشعر الواحد أحياناً بأنّ الحرب الجاريّة مِن صنع أيدينا: بأنّها عقاب إلهي على خطيئة أصليّة ارتكبناها في زمن سحيق لا تبلغه الذاكرة.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
100 ألف طالب مهدّدون بخسارة العام الدراسي في لبنان بسبب تدمير المدارس خلال العدوان الإسرائيلي.
طعم الكرز: من لبنان إلى الجولان فالضفّة الغربية
03-07-2026
تقرير
طعم الكرز: من لبنان إلى الجولان فالضفّة الغربية
تعليق

غريزة الحرب

طارق أبي سمرا
ألف يوم من الإبادة الجماعية بغزة
02-07-2026
تقرير
ألف يوم من الإبادة الجماعية بغزة
حدث اليوم - الخميس 2 تمّوز 2026
02-07-2026
أخبار
حدث اليوم - الخميس 2 تمّوز 2026
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 2/7/2026