تعليق الحرب على لبنان
زياد ماجد

لبنان بين روبيو وترامب 

ومحاور الشرق الأوسط الجديد

24 تموز 2026

صراع روبيو وفانس

تشير الأحداث المتسارعة في الخليج بعد تجدّد الحرب الأميركية مع إيران، ومثلها الأخبار الواردة من واشنطن، الى أن وزير الخارجية ماركو روبيو تقدّم مؤقتاً على منافسه في الإدارة وفي البيئة الجمهورية نائب الرئيس جي دي فانس، في ما خصّ مقاربة القضايا الدولية.

فروبيو، الأقرب إلى المواقف الجمهورية التدخّلية في الشؤون الخارجية، من فنزويلا وكوبا– بلد والدَيه– إلى الشرق الأوسط، يرى في الحرب مع إيران فرصة لإعادة تشكيل غرب آسيا وشمال شرق أفريقيا لصالح سيطرة أميركية وسطوة إسرائيلية طويلة الأمد. ويعتبر أنّ أي اتفاق مع طهران لا يُنهي دورها الإقليمي، وليس فقط برنامجها النووي، لا جدوى منه. وهذا موقف يناقض ما قبِل به جي دي فانس الذي تولّى التفاوض مع إيران في الأشهر الأخيرة ووقّع معها مذكّرة التفاهم، وقرّع منتقدي المذكّرة بشدّة، لا سيّما الإسرائيليين، منبّهًا إياهم إلى كون أميركا تحميهم وتمدّهم بالأسلحة وهي آخر حليف قويّ لهم.

لا يرتبط التنافس بين روبيو وفانس بالسياسة الشرق أوسطية فحسب، ولَو أنها أبرز ساحاته، بل يتّصل أساساً بنظرتين جمهوريّتين مختلفتين للولايات المتحدة وموقعها. واحدة ترى في السياسة الخارجية وسيلة لإبقاء أميركا متفوّقة على خصومها، لا سيّما الصين، ولحماية مصالحها وتكريس حضورها العالمي؛ والثانية ترى في الانعزال النسبي والإنفاق الداخلي ما يقوّي البلاد واقتصادها ويُبقي الحاجة العالمية إلى أدوارها قائمة. ولا شك أن التحضير لوراثة ترامب يدخل في الحسابات أيضاً بين قطبي إدارته الحالية ويزيد التوتّر والتنابذ بينهما.

محاور جديدة 

يبدو الشرق الأوسط ومحيطه المباشر، في ظلّ تجدّد الحرب على إيران وفي ظلّ مواقف عدد من دوله وتحالفاتها، مقبلاً على إعادة تشكّل لمحاور وصعود لغيرها.

المحور الأول يمتدّ من الهند إلى الإمارات، فأرض الصومال وأثيوبيا وإسرائيل وصولاً إلى قبرص واليونان، وقوّته الأولى ميدانياً كما ركنه الأساسي سياسياً هما إسرائيل.

المحور الثاني يجمع باكستان والسعودية وقطر وتركيا، وتميل إليه مصر، ويتصارع مع المحور الأول في السودان، وله تأثير بالغ على الصومال وليبيا. وهو يريد استمالة العراق والأردن، ويراهن على دور محوري سوري مستقبلي يربط عبر الأردن العمق الخليجي بتركيا، تماماً كما يربط العراق وأنابيب نفطه بالبحر المتوسّط.

والمحور الثالث هو المحور الإيراني المتراجع، وتكوينه يختلف عن تكوين المحورين الأولين، إذ أن حلفاء إيران فيه هم قوى غير-دولتية، بينها بعض الميليشيات العراقية، وحزب الله اللبناني والحوثيين الذين يسيطرون على قسم من اليمن وعلى ممرّ باب المندب.

أميركا، من جهتها، تملك مع عدد من دول المحورين الأول والثاني علاقات مميّزة. ولا ترى ضرورة لصدامهما، بل تعتبر أن بمقدورها نزع فتائل التفجير، والاحتفاظ بدور يمكّنها من التحكيم بينهما ومن «المَونة» على قرارات كل طرف، وعلى استخدام نفوذها في مختلف العواصم لإبعاد الصين قدر المستطاع عنها، أو أقلّه لاحتواء كل دور صيني اقتصادي وسياسي فيها، خاصة في مرحلة مقبلة ستشهد ورش إعادة إعمار، على ما يقول المقرّرون الأميركيون، وجلّهم من رجال الأعمال في قطاعات الاستثمار العقاري.

ساحات الصراع

وإذا كان اليمن معرَّضاً لصدام بين دول من المحاور الثلاثة (الإمارات وإسرائيل من جهة، والسعودية من جهة ثانية، وإيران من جهة ثالثة، مع تدخّل أميركي بسبب باب المندب من جهة رابعة)، فإن العراق يشهد صراعاً سياسياً إيرانياً أميركياً يتحوّل بين الحين والآخر إلى عسكري، لا سيما في إقليم كردستان، حيث تقصف طهران دورياً قوى تحسبها معادية وتتهمها بالتعامل مع أميركا وإسرائيل. وتحاول الحكومة في بغداد بعد قرارها حصر السلاح وحلّ الميليشيات أن تحيّد البلد عن الصدامات ما أمكن، بلا ضمانات نجاح حتى الآن.

أما سوريا القريبة بالطبع من تركيا والسعودية، والمعادية لإيران بسبب دعم الأخيرة لنظامها البائد، والمحتلّ جنوبها من قبل إسرائيل، فهي بحاجة ماسة لأي عون يوفّر بعض احتياجاتها بعد حرب مدمّرة وعقوبات ونزوح وتهجير داخلي. وهي لذلك تراهن على واشنطن وترى في الأخيرة «حليفة» يمكن أن تبعد الأذى الإسرائيلي عنها وتكرّس الحل الذي فرضته للمسألة الكردية. وتراهن أيضاً على تطوير الطرق السريعة التي تمرّ عبر أراضيها، ومثلها إمدادات النفط والغاز نحو مرفأي طرطوس واللاذقية، وتحويلها الى عناصر قوّة اقتصادية وجيوسياسية لها. لكن هذا غير مضمون بعد، وقد تقابله شروط أميركية كثيرة وصعبة ترتبط بالانضمام إلى اتفاقات ابراهام والتعاون الأمني الوثيق مع الإسرائيليين ومع الأميركيين الذين لم يخلوا قواعدهم العسكرية في البلاد بعد. كما أن تنافساً أميركياً داخلياً آخر قد يلقي بثقله على الملف السوري، وهو ذاك المحتمل بين روبيو والسفير توم برّاك، القريب من ترامب، والمُتّهم من قبل الإسرائيليين وحلفائهم في الإدارة بمحاباة الأتراك وتبنّي سياستهم الإقليمية.

لبنان كساحة صراع جديدة 

يُحيلنا ما ورد إلى لبنان. فهو البلد الوحيد بين بلدان المنطقة حيث لجميع المحاور وللعديد من الدول حضور أو تأثير مباشر. من المحور الإيراني المتراجع وإنما المسلّح والممثّل جزءاً من الشيعة في نظام طائفي معقّد، الى المحور الإسرائيلي المحتلّ أرضاً جنوبية أحالها حطاماً وقتل الآلاف من أهلها وهجّر مئات الآلاف، الى السعودية بعلاقاتها التاريخية ودعمها لقوى سنية وطوائفية أخرى، إلى سوريا بنظامها الجديد صاحب القاعدة الشعبية السنية في المناطق الطرفية اللبنانية، لا سيّما في الشمال، وصولاً إلى الولايات المتحدة التي تراهن الرئاسة اللبنانية والحكومة عليها لإنقاذها من تصادم المحاور المذكورة جميعها. 

وعودٌ ترامبيّة لا قوام لها

في هذه الظروف الإقليمية والداخلية الصعبة، وبعد توقيع الاتفاق الإطار مع إسرائيل وقبول بيروت بالتمنّع عن مقاضاة الاسرائيليين على جرائم الحرب التي ارتكبوها إرضاءً للأميركيين، زار رئيس الجمهورية جوزاف عون واشنطن، والتقى بروبيو ثم بدونالد ترامب في البيت الأبيض. وإذا كان واحد من هدفي الزيارة هو تأكيد الحضور اللبناني على الساحة الدولية واسترجاع الرئاسة لموقعها الدبلوماسي والرمزي وطنياً ومسيحياً، فإن الهدف الثاني كان التركيز أمام ترامب على حاجة الحُكم اللبناني له سياسياً واقتصادياً، وانتزاع تعهّد منه بالضغط على إسرائيل لانسحابها من لبنان مقابل نزع سلاح حزب الله. وهذا ما لم يحصل. ذلك أن ترامب وعد بدعم اقتصادي وباستعادة شركات السفر الأميركية لرحلاتها إلى لبنان، من دون تحديد أي تفصيل، علماً أن أمر الطيران لا يتعلّق فقط بقرار رئاسي، ولا هو حاسم أصلاً في ما خصّ الأحوال الاقتصادية. ووعد كذلك بدعم الجيش اللبناني، علماً أن لا معنى لوعد كهذا من دون البحث في ماهية الدعم، الذي تضع إسرائيل عليه، منذ عقود، ضوابط تحول دون تمليكه أسلحة حديثة أو «فتاكة» أو مضادة للطائرات، ولا تقبل له بغير آليات نقل وعتاد خفيف ومتوسّط لا يؤخّر ولا يقدّم في جهوزيته للدفاع عن الحدود وحمايتها.

الأنكى أن ترامب كرّر كلامه في المؤتمر الصحفي المشترك مع عون حول قدرة الرئيس السوري أحمد الشرع على التدخل ضد حزب الله– وهذه المرة الرابعة التي يتحدّث فيها علانية بالموضوع. كما أنه أحال سؤالاً صحفياً حول مسألة الانسحاب الاسرائيلي الكامل من لبنان إلى وزير خارجيته روبيو، الذي أشار الى الأمر من زاوية احتياجات إسرائيل الأمنية، متبنّياً بالتالي موقف نتنياهو الرابط جلاء الاحتلال بنزع سلاح حزب الله و«تأمين حماية الشمال الإسرائيلي». وهذه مشروطية يمكن لتل أبيب التذرّع بها لسنوات، ممّا يعيدنا إلى المعضلة إياها التي نعرفها: أيّهما قبل، جلاء الاحتلال أم نزع السلاح؟ والوعود الأميركية، بهذا المعنى، لا ترجمة فعلية لصدقيّتها إلا ضمن سلسلة ديناميات إقليمية، وبعد تبلور مآلات المواجهة أو التسوية النهائية مع إيران.


هل يمكن للبنان أن يبقى رهينة انتظار هكذا تبلور وهكذا رهان شبه حصريّ على دونالد ترامب؟ 

الجواب هو بالنفي. فإن كان من جهد دبلوماسي يستحقّ العناء، فهو اليوم في البحث في سبل الاستفادة من الصعود لمحاور المنطقة، عوض التحوّل فريسة لها. وهذا لا يتمّ بغير تواصل وطيد مع دول المحور الثاني، السعودية وتركيا وباكستان وقطر، ومعها مصر، لتوسيطها في اتجاهين: إقناع ترامب بالضغط الجدّي على الإسرائيليين من جهة، وإقناع إيران بتحييد لبنان عن استمرار المواجهات العسكرية من جهة ثانية. عندها فقط يصبح إنهاء الاحتلال إمكانيةً ومثله حصر السلاح بالجيش اللبناني. 

وعندها أيضاً يصبح البحث عن الدعم الاقتصادي وإعادة الإعمار مع ترامب أو مع غيره بحثاً مثمراً وواضح الأطر والمقوّمات.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
تعليق

لبنان بين روبيو وترامب 

زياد ماجد
الاحتلال يُعدم 4 فلسطينيّين في هجوم للمستوطنين غرب نابلس
تفجير كونين على وقع دُعاء جنود الاحتلال
20 عاماً على حرب تمّوز: يوميّات مازن كرباج
تعليق

هل من مستقبل لشتلة التبغ الجنوبيّة؟

ساندرا عبد الباقي
حدث اليوم - الخميس 23  تموز 2026
23-07-2026
أخبار
حدث اليوم - الخميس 23  تموز 2026