تعليق تكنولوجيا
دارين أبو سعد

الخوارزميات ووسائل التواصل الاجتماعي

السيطرة «المحايدة» على السرديّة

2 شباط 2026

الخوارزميات ليست محايدة

إذا كنت تستخدم «تيك توك» في الفترة الأخيرة، فغالباً سوف تلاحظ أن تجربتك على المنصّة لم تعد كما كانت. ربّما لم يعد نشر فيديو جديد أمراً بديهياً، أو سوف يطلب منك فجأة تحديد موقعك الجغرافي الدقيق، أو سيبدأ المحتوى السياسي بالاختفاء تدريجياً من صفحتك. هكذا تأخذ الرقابة اليوم شكلها على المنصّات الرقمية: تراجع في الوصول، انخفاض في التفاعل، ثم حظر.

قد يبدو هذا التحوّل جديداً للكثير من المستخدمين في الولايات المتحدة، لكنه كان وما زال واقعاً مألوفاً لغيرهم منذ سنوات. فقبل الجدل الحالي بكثير، كان أي محتوى يتعلّق بفلسطين أو غزّة يواجه أشكالاً متعدّدة من الحجب، من خفض الوصول وتعطيل الانتشار، إلى الحذف المباشر.

ومع انتقال ملكية «تيك توك» إلى الملياردير لاري إليسون، صديق دونالد ترامب، ازدادت هذه الرقابة وضوحاً وأصبحت ممنهجة. بدأ التضييق على المحتوى السياسي عموماً، من تقييد أي خطاب نقدي للرئيس، إلى حظر حسابات صحفية، من بينها حساب بيسان عودة، وصولاً إلى حجب المحتوى المتعلّق بهجوم شرطة ICE في مينيابوليس. حتى إنّ اسم جيفري إبستين نفسه صار محظوراً على المنصّة.

غير أنّ المسألة  ليست كما تدّعي إدارة «تيك توك»، ولا تتعلّق بأعطال تقنية. هي نابعة عن تغيير بنيوي في التجربة التيكتوكية الأميركية، حيث يُعاد تنظيم المحتوى سياسياً عبر الخوارزميات. ومع تزايد هذه القيود، لجأ آلاف المستخدمين إلى البحث عن بدائل جديدة خارج منظومات «ميتا» و«تيك توك»، أبرزها منصّة «UpScrolled»، بوصفها مساحة: لا رقابة، لا مليارديرات.


السياسة داخل خوارزميات المنصّات

المنصات الرقمية ليست خارج الصراع السياسي، بل أصبحت إحدى ساحاته الأساسية. هذا ما قاله بنيامين نتنياهو بوضوح في خطابه الأخير خلال المؤتمر الدولي الثاني لمكافحة معاداة السامية في القدس، حين وصفها بـ«ساحة المعركة الجديدة» وتوعّد بخوضها بأدوات خاصة. على هذا الأساس، يمكن قراءة سياسات الرقابة والتنظيم على المنصّات بوصفها جزءاً من إدارة الصراع والتأثير على الرأي العام، لا كقرارات تقنية معزولة.

سنة 2022، تولّى إيلون ماسك إدارة «تويتر»، قدّم نفسه كبطل «مدافع عن حرية التعبير المطلقة»، وروّج لفكرة أن كل ما لا يخالف القانون يجب أن يكون مسموحاً. حينها أيضاً شحّل من عدد الموظفين، خاصة في الأقسام التي تعمل على قواعد المحتوى وتطبيقها لينتقل دور الرقابة عملياً إلى المستخدمين أنفسهم تحت ما  يسمى «العدالة الذاتية».

بين النسخة «المطلقة» من حرية التعبير التي يروّج لها ماسك، وبين الواقع العملي للمنصّات، تظهر مفارقة واضحة، خطاب يحظى بالحماية حتى عندما ينتج أذى فعلياً، يقابله خطاب سياسي أو تضامني يصبح «shadow banned» لأنه يناهض سرديات قائمة. إذا كانت المنصّات تقدَّم اليوم كساحات معركة سياسية، فإن خطاب «حرية التعبير» يصبح جزءاً أساسياً من هذه المعركة. هذا التسييس لا يناقض فقط الفكرة الشائعة عن الحرية بوصفها قيمة مطلقة، بل يكشف أيضاً كيف يعاد تعريف الحرية عملياً وفق ميزان القوى. فـ«تيك توك»، على سبيل المثال، شدّد إجراءاته المتعلّقة باستخدام مصطلح «صهيوني» تحت تصنيف «خطاب كراهية»، بحيث يجرّم استخدامه كشتيمة أو توصيف نقدي، فيما يسمح به فقط إذا كنت «صهيونياً فخوراً». وبذلك، لا تعود ثنائية «حرية التعبير» و«خطاب الكراهية» إطاراً أخلاقياً ثابتاً، بل أداة انتقائية لإدارة الفضاء الرقمي.


ازدواجية الحماية الرقمية

لطالما قُدِّمت التكنولوجيا بوصفها محايدة، بلا أخلاق أو أيديولوجيا، وكأن نتائجها تتحدّد فقط وفق نوايا المستخدمين. غير أن هذا الادعاء سطحي جداً. فإذا كانت الخوارزميات تتحسس من الخطاب السياسي، فإنها لا تمارس الحساسية نفسها تجاه العنف، تحديداً العنف الموجّه ضد النساء. هذه المفارقة لا يمكن فهمها بمعزل عن الصراع القائم حول معنى الحرية. ففي الأسابيع الماضية ظهرت فضيحة «غروك»، روبوت X، بعدما استخدم لتوليد ملايين الصور الجنسية للنساء والأطفال. ورغم الغضب الدولي الواسع الذي أثارته هذه الانتهاكات، ردّت منصة «إكس» بإلقاء اللوم على المستخدمين، معتبرة أن المشكلة تكمن في «سوء الاستخدام».

تتكرّر القاعدة نفسها من «تيك توك» إلى «غروك»: المنصّات تدّعي الحياد، تقمع بعض الأصوات باسم السلامة العامة أو «الأعطال التقنية»، فيما تترك أدوات أخرى لحسن النية. في الحالتين، لا يمكن فصل التكنولوجيا عن السياسة، ولا الخوارزمية عن ميزان القوى. فالادّعاء بأن التكنولوجيا محايدة يخفي حقيقة أساسية: القرارات التقنية هي دائماً قرارات سياسية. في حالة «غروك»، لم يكن السماح بإنتاج هذا الكمّ من الصور مجرّد زلّة تقنية، بل خياراً في تصميم النظام ذاته. وعندما تتقاطع هذه المسارات، يصبح الصراع حول الخوارزميات صراعاً على السرد والمعنى، وجزءاً لا يتجزّأ من الحرب السياسية الكبرى على الرأي العام.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
325 مليون$: كلفة عمليّة أجهزة البايجرز الإسرائيلية في لبنان
مجلس النوّاب يتّجه للتمديد لنفسه
02-02-2026
تقرير
مجلس النوّاب يتّجه للتمديد لنفسه
«تقبرني»: تراجيديا إغريقية في بيروت
02-02-2026
تقرير
«تقبرني»: تراجيديا إغريقية في بيروت
تعليق

الخوارزميات ووسائل التواصل الاجتماعي

دارين أبو سعد
تفجير منزل منفّذ عمليّة فدائية في الضفّة الغربية