تعليق الحرب على لبنان
طارق أبي سمرا

العدوّ الحميم

23 نيسان 2026

مِن الحقائق الشائعة والبديهيّة أنّ الحروب الوجوديّة ضدّ عدوّ خارجيّ تخلق لحمةً وطنيّة. هذه ليست حال لبنان. إذ لا يمكن لهذا البلد أن يكون له عدوٌّ خارجيٌّ صرف. فأيّاً كان عدوّه، يظلّ في بعض وجوهه داخليّاً.

العدوّ الخارجي الذي بات حليفًا

كان نظام الأسد عدوّاً لبعض اللبنانيين وحليفاً للبعض الآخر: عدوّاً خارجيّاً باحتلاله لبنان، وداخليّاً بتحالفه مع أطراف لبنانيّة. ولم يقتصر هذا التحالف على نمط التحالفات التي تنشأ عموماً بين سلطة احتلال وأطراف محليّة انتهازيّة، بل تعدّى ذلك إلى ارتباط عضويّ ظلّ وثيقاً حتى بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان وانتهاء زمن الوصاية. كان النظام السوري جزءاً مُكوِّناً من النظام السياسيّ اللبناني نفسه، ما جعله عدوّاً داخليّاً.

وإذا كان كلُّ عدوٍّ للبنان داخليّاً على نحو ما، فهذا يعني أنّ كلَّ عدوٍّ هو أيضاً، على نحو ما، حليفٌ لبعض اللبنانيين. وهو ما يتجلّى بوضوح في حالة نظام الأسد، ولكنّه ينطبق أيضاً على الحرب الإسرائيليّة الراهنة. فقد امتصّ الداخلُ اللبنانيّ– القائم على تناحر الجماعات والطوائف– هذه الحرب، فحوّلها إلى ما يشبه الحرب الأهليّة: فبات العدوّ الداخلي، في نظر حزب الله، هو الحكومةَ ومَن يؤيّدها، وفي نظر خصومه، هو حزبَ الله نفسه.

الخصم الداخلي الذي بات عدوًّا

وهكذا باتت إسرائيل «حليفاً» لبعض اللبنانيين. فهي تقاتل عدوَّهم الداخلي، وتسعى إلى تحقيق ما يطالبون به منذ سنوات: تجريده مِن السلاح. ثمّة مَن يذهب بعيداً في تماهيه معها، فيُجاهر برغبته في استمرار الحرب حتّى القضاء على حزب الله. لكن حتّى خصوم حزب الله الذين يرون في إسرائيل عدوّاً، يجدون أنفسهم، رغماً عنهم، يتقاطعون مع بعض أهدافها وبعض ما يصدر عن مسؤوليها من مواقف وتصريحات. ذلك أنّ حزب الله، خصوصاً بعد اندلاع الحرب الراهنة، لم يعد خصمهم السياسيّ وحسب، بل صار عدوّاً أيضاً. لديهم عَدوّان إذاً: عَدوّان يتقاتلان، ومهما حاولوا المكابرة على هذا الواقع، فلن يعثروا على مخرج من التناقض الذي يعيشونه.

أمّا مؤيدو حزب الله وخصوم الحكومة اللبنانيّة، فيعيشون واقعاً مماثلاً، لكن بتناقضات أقّل حدّة بكثير. عدوّهم واضح لا لبس فيه: إسرائيل، ويرون في كلّ مَن ليس في معسكرهم امتداداً داخليّاً لها. ليس لديهم عَدوّان إذاً، بل عدوٌّ واحدٌ خارجيّ تغلغل إلى داخل البلد عبر شبكة واسعة من العملاء والخونة تضمّ، في نظرهم، نصف اللبنانيين أو ربّما أكثر. أمّا حليفهم، إيران، فلا يخجلون به إطلاقاً، ولا يكترثون إن صُنِّفوا عملاء له.

الـ«نحن» لم تعد موجودة

هذا كلّه لا أثر له على مجريات الحرب، لكنّه بالغ الأثر على كيف نعيشها ونختبرها:

  • لا نستطيع تحديد أين تجري فعلاً. لا شكّ في أنّ الصواريخ تسقط من السماء فيما الجيش الإسرائيلي يتوغّل برّاً في الجنوب، إلّا أنّ هذه الحرب محت الحدود بين الداخل والخارج، ما يجعلنا نشعر بأنّها، في آن واحد، عدوان يشنّه علينا جيش أجنبي، وعنف ينبثق مِن نزاع لبناني محلي، ممزِّقاً النسيج الاجتماعي. لذلك ثمّة شيء حميم في هذه الحرب، كأنّها امتدّت إلى أزقّة مدننا، إلى داخل بيوتنا. لم يعد مَن يُسمَّى شريكاً في الوطن شريكاً في الفاجعة، إذ بات أحد المُتسبّبين بالفاجعة.

  • لا نستطيع تحديد مَن يقتل اللبنانيين. أو الأحرى أنّنا نختلف على تعيين القاتل. لا شكّ في أنّ إسرائيل هي التي ترتكب فعل القتل، إلّا أنّ اللوم غالباً ما يُلقى على طرف لبناني. فكلّما استُهدِف مبنى في منطقة غير شيعيّة، برز السؤال المُلِحّ، المُستهجِن والساخط: مَن مِن عناصر حزب الله كان مُختبئاً فيه، مُتّخِذاً مِن سكّانه دروعاً بشريّة؟ أمّا في أعقاب الغارات الإسرائيليّة المئة التي قتلت في عشر دقائق أكثر مِن 350 شخصاً (8 نيسان)، فقد اتُّهِم رئيس الحكومة نوّاف سلام بالتسبّب بهذا الموت العميم، لأنّه كان قد صرّح قبل بضع ساعات بأنّ الدولة اللبنانيّة هي وحدها مَن يُفاوض عن لبنان. إسرائيل تقتل اللبنانيين في عالم الواقع إذاً، فيما اللبنانيّون، في مخيِّلتهم، يقتلون بعضهم بعضاً.

  • لا نستطيع الركون إلى رواية موحَّدة عن الحرب الراهنة، وهو أمرٌ بديهيّ بعد كلّ ما سبق. ففيما تُشكِّل الحروب أحد المصادر الرئيسة للروايات التأسيسيّة التي تصوغها الأمم عن نفسها، فإنّ حروبَنا تولِّد روايات متصارعة وهويّات متناحِرة، لأنّها جميعها حروبٌ أهليّة في جوهرها، حتّى عندما يكون هناك عدوّ خارجيّ. وإذا شاء المرء أن يسأل نفسه: ما الذي تسبّب بالحرب الراهنة، وماذا جرى خلالها، وما هي نهايتها المُرتجاة، فإنّ جوابه لا بدّ أن يكون جوابَ الجماعة التي ينتمي إليها.

باختصار: نحن لا نعيش الحرب ذاتها. فالـ«نحن» لم تعد موجودة. 

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
تعليق

العدوّ الحميم

طارق أبي سمرا
أمال خليل (1984 - 2026)
مصطفى الذي عاد رغم كلّ شيء
22-04-2026
يوميات
مصطفى الذي عاد رغم كلّ شيء
ألمانيا وإيطاليا تمنعان تعليق اتفاقية التجارة مع إسرائيل
حدث اليوم - الأربعاء 22 نيسان 2026
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 22/4/2026