«الموت ولا المذلة»
في آذار من العام 2011، انضمّ الشعب السوري متأخّراً إلى ثورات الربيع العربي، عندما خرج إلى الشوارع والساحات في مظاهرات سلمية تنشد التغيير، فجُوبه بالرصاص والمدافع والبراميل، ولم يجد شبابه أمضى من شعار «الموت ولا المذلة» ليرفعوه في وجه آلة القمع الأسدية التي أرادت أن تفرض عليهم هذه المعادلة الصفرية: أنْ لا حياة متاحة في سوريا سوى حياة المذلّة الأسدية، وأن لا خيار أمامهم سوى الموت إن هم تجرّأوا وطالبوا بالكرامة والحرية.
شعار «الموت ولا المذلة»، الذي رُفع بدايةً في درعا مهد الثورة قبل أن يتلقّفه المتظاهرون في ما بعد في كل الأرجاء المعمورة السورية، لم يكن دعوةً للموت بقدر ما هو تمسّك وجودي بالحياة الحرّة الكريمة إلى حد تفضيل الموت إذا أراد الطاغية وحاشيته حرمان الإنسان منها، لأن لا معنى للحياة من دون كرامة ومن دون حرّية.
هذا الشعار لم يعش طويلاً على أرض الواقع وإن بقي حيّاً في وجدان السوريين، وسرعان ما تمّت الاستعاضة عنه مع عسكرة وأسلمة الثورة، بالشعارات التي ترصّ الصفوف طائفياً ومذهبياً وتكفّر الخصوم وتحضّ على الجهاد في سبيل الله.
ربما نكون اليوم، بعد السقوط المدوّي للنظام الأسدي ودخول البلاد في مرحلة انتقالية مدّتها خمس سنوات، بعيدين عن حَدَّي هذه المعادلة الصفرية بقطبَيها المتعارضَين، الموت أو المذلّة، ليس فقط لأنّ الخوف غيَّرَ من وجهته، ولكن لأنّ الناس التي شبّت على الطوق وكسرت أسوار مملكة الصمت وتحرّرت من سنوات القمع المديد، لن تسمح بسهولة أن يُفرض عليها من جديد مثل هكذا معادلة صفرية قاتلة.
رغم ذلك، عاد شبح المذلّة، المادّية والمعنوية، ليحوم من جديد فوق رؤوس السوريين الذين شبّوا ذات يوم على الطوق ودفعوا من أجل ذلك أفدح الأثمان. فها هم يخرجون اليوم من جديد إلى الشوارع في مختلف أرجاء سوريا متظاهرين، احتجاجاً على رفع أسعار البنزين والمازوت، بنسب تتراوح بين 26 بالمئة و40 بالمئة، محذّرين الحكومة والسلطة الانتقالية من عواقب هذه القرارات الاعتباطية. لكن مع ذلك لا تزال مثل هكذا قرارات مصيرية تُتَّخذ في الغرف المظلمة بعيداً عن الحدّ الأدنى من الشفافية والنقاش الوطني العام والمشاركة السياسية.
المذلّة المادية
نعم شبح المذلّة المادّية لا يزال يحوم فوق الشعب السوري الذي يعيش الكثير من أبنائه في مخيّمات اللجوء و90 بالمئة من أفراده تحت خط الفقر الدولي وفقاً لأحدث التقارير الصادرة عن هيئات الأمم المتّحدة—بما فيها برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي (UNDP) وصندوق الأمم المتّحدة للسكّان حيث سجّلت معدّلات الفقر بين صفوفه معدّلات قياسية، وبات أكثر من ربع السكّان (نحو 25% إلى 33%) يعيش ضمن فئة الفقر المدقع (الذين يعيشون بأقل من 2,15 دولاراً يومياً). ومع ذلك أو رغم ذلك، لم تتردّد الحكومة في رفع أسعار الكهرباء ومن ثمّ الوقود والمحروقات بنسب عالية جدّاً تجعلها الأغلى في المنطقة مقارنةً بدخل الفرد.
نعم شبح المذلّة المادّية بات يطوّق أعناق مئات ألوف الموظّفين والموظّفات، المتقاعدين والمتقاعدات، الذين لم تعد رواتبهم تكفي لسداد قوتهم اليومي، وبات الكثير منهم يعتمدون على المساعدات الإغاثية أو على تحويلات أهاليهم في الخارج لسدّ رمق العيش. وتبيّن تقارير الأمم المتّحدة أنّ ما يزيد عن ثلاثة من بين كل أربعة أشخاص داخل سوريا (نحو 75%) يعتمدون بشكل مباشر على المساعدات الإنسانية والإغاثية لتأمين المتطلّبات الأساسية للعيش.
نعم المذلّة المادّية في أن تتدافع شركات المقاولة والبناء لاقتناص الفرص السخّية لبناء مجمعات سكنية مترفة ومحروسة بأسوار ضخمة، في الوقت الذي تتلكّأ فيه السلطات في إيجاد حلول مستدامة لإعادة بناء الأحياء والمدن المدمّرة بمشاركة الأهالي لا غصباً عنهم كما هو الحال في جوبر والقابون وبساتين المزة.
نعم المذلّة المادّية في أن ترى بأم عينك وللمرّة الأولى سيّارات الرولز رويس الفارهة يتبختر فيها الأثرياء الجدد في العاصمة دمشق في الوقت الذي ينام فيه مئات المشرّدين، الحفاة العراة في شوارعها وبطونهم خاوية. المذلّة المادّية في أن تجول مواكب سيّارات المسؤولين رباعية الدفع الأميركية بزجاجها المفيّم شوارع المدن السورية في الوقت الذي يتفكّك فيه آخر ما تبقّى من وسائل نقل جماعية في البلاد.
نعم شبح المذلّة المادّية والمعنوية تراهما مجتمعَين معاً، حين يشير الرئيس أحمد الشرع في حواره الأخير في منتدى الإعلام العربي غداة مظاهرات الاحتجاج على الوقود إلى أن سوريا هي بحسب قوله:
محطّة غذائية مهمّة ولديها قدرة الآن بدون تقنيات زراعية لإطعام 70 إلى 75 مليون إنسان ففيها أمن غذائي. وهي عدد سكانها 25 إلى 30 مليون تقريباً وعندها فائض في الغذاء وفيما إذا توفّرت تقنيات زراعية حديثة ربما تصل قدرتها على الإطعام إلى مئة مليون إنسان وهي تشكّل إحدى سلّات الأمن الغذائي في المنطقة والخليج وهي من ضمن المستهدفات في الاستثمار ويمكن الاستفادة من سلّة الغذاء السورية لتلبية احتياجات الخليج والمنطقة.
هذا في الوقت الذي تشير فيه أرقام الأمم المتحدة بوضوح وبالحرف إلى انعدام الأمن الغذائي وتفصح التقديرات الأممية أنّ ملايين السوريين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحادّ، وتكافح الغالبية العظمى لتوفير قوت يومها الأساسي نتيجة الارتفاع الهائل في الأسعار والتضخّم المستمر.
المذلّة المعنوية
الأكيد أنّ لا شيء يوازي المذلّة المادّية في أن يقع المرء فريسة العوز والفقر والجوع من دون أن يجد ما يسدّ به كفاف قوته اليومي ومن دون أن يكون قادراً على التأثير والتغيير، اللهم سوى اختبار قدرته على سماع الوعود المعسولة من جهة وتحمّل وزر القرارات الاقتصادية المرتجلة من جهة أخرى، التي لا تطعم جائعاً ولا تكسو عارياً ولا تؤوي مشرّداً.
عدا أنّ هذا يجب أن لا ينسينا كذلك حجم المذلّة المعنوية التي بات السوريون والسوريات يتقاسمونها صباحاً مساءً، منذ أن تمّت مصادرة ثورتهم، ثورة الحرية والكرامة، التي دفعوا في سبيلها أفدح الأثمان لصالح فئة ضيّقة تحت شعار «من يحرّر يقرّر». وما نجم عن ذلك من مصادرة الإرادة الحرّة للشعب السوري بحجّة المحافظة على الاستقرار وعبور المرحلة الانتقالية، بدءاً من مؤتمر النصر إلى مؤتمر الحوار الوطني إلى الإعلان الدستوري المؤقّت إلى تعيين مجلس الشعب وأعضاء المحكمة الدستورية والمحافظين ورؤساء النقابات من الأعلى إلى الأسفل بعيداً عن الانتخابات الحرّة والتمثيل الشعبي الحقيقي والتعددية السياسية والحزبية التي هي أساس كل حياة سياسية سليمة وصمّام الأمان الحقيقي لعبور المرحلة الانتقالية بأقلّ قدر من الخسائر.
نعم المذلّة المعنوية عندما نرى سورية، الخارجة من ثورة دفع السوريات والسوريون في سبيلها أفدح الأثمان للخلاص من حكم آل الأسد، تُدار بعقلية الرجل الواحد الذي يجمع في شخصه كل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ويعيّن أعضاء لجنة كتابة الإعلان الدستوري ويعيّن أعضاء مجلس الإفتاء ويعيّن الوزراء ويرأس مجلس الوزراء إذا اجتمع ونادراً ما يجتمع. ويرأس مجلس الأمن القومي ويعيّن أعضاءه، كما يعيّن أعضاء مجلس الشعب مباشرةً أو من خلال تعيين لجان انتخابية ويعيّن أعضاء المحكمة الدستورية العليا ويصدر المراسيم والقوانين ويعيّن رئيس وأعضاء مجلس إدارة الصندوق السيادي السوري.
نعم المذلّة المعنوية في أن نرى من تحت قبّة البرلمان التي شهدت لحظات مصيرية من تاريخ سورية، وعبر من تحتها نساء ورجال يتمتّعون بمصداقية شعبية وانتخابية وسياسية، عضواً في مجلس الشعب عيّنه الرئيس الشرع على قائمته الشخصية واسمه محمد إبراهيم الزعبي يجادل ويحتج على ارتفاع نسبة النساء مقارنةً بالرجال ضمن الكوادر التعليمية في المدارس الرسمية السورية، معتبراً أنّ غلبة المعلمات على العملية التعليمية تركت، من وجهة نظره، آثاراً سلبية على شخصية التلاميذ، وليربط ذلك بما وصفه بتراجع «الهيبة» في المدرسة وضعف شخصية الطفل.
المذلّة المعنوية في أن نرى من تحت قبّة البرلمان العريق في ذات الجلسة، عضواً آخر اسمه أحمد إسماعيل انتخبته لعضوية المجلس اللجان التي عيّنها الرئيس الشرع، يطالب بإعادة السماح بالضرب في المدارس كواسطة تربوية لأن قضية منع الضرب بحسب رأيه تحكمها نظريات غربية بينما تُجيز الرؤى العربية والإسلامية استخدامه للتأديب استناداً لحديث نبوي ضعيف أورده في مداخلته.
نعم المذلّة المعنوية ليس فقط في إلهاء الناس في النقاشات العقيمة حول منع الحفلات الموسيقية من عدمه، وفي منع استيراد الأدوات الموسيقية من عدمه، وفي منع المشروبات الكحولية من عدمه، وفي منع المعارض الفنّية من عدمه، وفي منع الاختلاط بين الذكور والإناث في ما تبقّى من مدارس رسمية مختلطة من عدمه، وفي تأنيث التعليم من عدمه، وفي وجوب الضرب في المدارس من عدمه. لا بل المذلّة المعنوية الكبرى التي تفتّقت بها عقول القائمين على إدارة صرح الجامع الأموي الكبير في دمشق ليس فقط في منع الاختلاط بين الإناث والذكور في صحن الجامع الكبير لأوّل مرة منذ 14 قرناً، وهو الأمر الذي لم يطبّق حتى في الحرم المكي الشريف، ولكن في السماح به من دون الناس جميعاً للوفود الرسمية ولأصحاب النفوذ وللذوات ومرافقيهم، ولأجل ذلك تم استبدال السور المعدني الثابت الذي حاولوا من خلاله في البداية فصل صحن الجامع إلى باحتَين، بواحدٍ ضخم ومتحرّك بعجلات بحيث يسمح لهم بطَيّه والسماح من جديد بالاختلاط عندما يستحلّون ذلك كما في زيارة وفد مجلس الأمن إلى سوريا وكذلك زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون والوفد الرسمي المرافق، ووصولاً إلى زيارة السفير التركي في العاصمة السورية برفقة ابنته الشابة.
ماذا بعد؟
مَن يصغي لأصوات وشعارات المتظاهرين الذين نزلوا إلى الشوارع في مختلف أرجاء سوريا للاحتجاج على رفع أسعار المحروقات، سيدرك جيّداً أن الناس لم تعد تريد لا الموت ولا المذلّة، بل الحياة الحرّة الكريمة، وأنّ أساس الاستعصاء السوري هو سياسي لا اقتصادي، وأنّ معضلة السلطة الحالية، كما كانت معضلة السلطة التي سبقتها ترتبط أساساً بتغليب الحلول الاقتصادية الآنيّة على الحلول السياسية المستدامة، وأنّ جوهر المشكلة يكمن في انعدام المشروعية الشعبية القائمة على دستور منبثق من جمعية تأسيسية منتخبة وعلى الانتخابات الحرّة وصندوق الاقتراع والتعدّدية السياسية وحرية الأحزاب.
هذه الاستحقاقات ليست ثانوية وبالتالي يمكن تأجيلها في بلد مثل سوريا، خارج لتوّه من ثورة دامية ومن سنين طويلة من الحرب المدمّرة. هذه قضايا مصيرية ولن تقوم سوريا إذا لم توضع على رأس جدول الأعمال لأيّ سلطة سياسية ويجري العمل على إدراجها في صلب برنامج حقيقي للانتقال السياسي قائم على المشاركة السياسية والعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.