تعليق دونالد ترامب
طارق أبي سمرا

ترامب المُذهِل

المهرّج الذي يصنع المعجزات

13 كانون الثاني 2026

تقلبات ترامب

لا يكفّ ترامب عن إلقاء الكلام على عواهنه، ولكنّه يفعل أحياناً ما يقول إنّه سيفعله– وحتّى ما يبدو مستبعَداً جدّاً أن يفعله. يُهدِّد بضرب إيران، فيضربها. يَعِد بترحيل المهاجرين غير الشرعيين، فيحشرهم في الطائرات ويرميهم في سجون دول العالم الثالث. يُعلِن أنّه سيرفع الرسوم الجمركيّة، فيرفعها ويكاد يُشعل حرباً اقتصاديّة. يؤكِّد أنّه سيفكّك «الدولة العميقة»، فيطرد عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين.

لا يعني هذا إطلاقاً أنّه رجل خارق يحقّق كلّ ما يعقد العزم عليه. فالحقيقة أنّه يفشل أكثر ممّا ينجح بكثير، غير أنّ الانطباع الذي يخلّفه هو نقيض ذلك تماماً. ذاك أنّه يرمي الأفكار والمشاريع عشوائيّاً، يوماً تلو يوم، وبكميّة مهولة، أفكاراً ومشاريعَ تتبخّر غالبيّتها العظمى سريعاً، فتنمحي من أذهاننا– ومن ذهن ترامب أيضاً، على الأرجح– ولا نعود نتذكّر سوى تلك التي نجح في تحقيقها.

ترامب مزاجيّ ومتقلّب، تحكمه نزواته الآنيّة، فيبدّل آراءه باستمرار ويقول الشيء ونقيضه، ويستحيل بالتالي التكهّن بسلوكه. لذلك يؤخَذ كلامه، في الغالب، على أنّه مجرّد كلام: هواء، استعراض، تبجُّج. إلّا أنّه يُقدِم أحياناً على ما يقول إنّه سيقدِم عليه، وما لم يصدِّق أحدٌ أنّه سيُقدِم عليه. مثلاً: اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. صحيحٌ أنّه لم يقل إنّه سيختطفه ولا ألمح إلى ذلك، ولكنّه لم يتوقّف عن تهديده ووعيده خلال الأشهر الماضية. ومع ذلك، لم يكن أحدٌ ليعتقد أنّه سيفعل أكثر من الاستمرار في استهداف السفن الفنزويلية، وربّما شنّ بعض الضربات الجويّة المحدودة على كراكاس. غير أنّه «ألقى القبض» عليه واقتاده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهم الإتجار بالمخدّرات، فكان الذهول: ذهول الأميركيين والعالم برمّته.


ذهول من حوله

ما سبب هذا الذهول؟ لماذا نُصدَم في كلّ مرّة يفي فيها ترامب بما وعد به مراراً؟ هل فقط لأنّه يخرق بذلك جميع الأعراف السياسيّة، وأحياناً القوانينَ المحليّة والدوليّة؟ أليس السبب بالأحرى أنّنا لم نَعْتَد رؤية السياسيين يفعلون ما يقولون إنّهم سيفعلونه؟ فالسياسة، بامتياز، هي الحيّز الذي تُطلق فيه وعود كُبرى لا يُوفى بها. للتبسيط، ثمّة من جهة زعماء العالم الثالث الذين يهدّدون ويتوعّدون الغرب بل والبشريّة برمّتها فيما يعلم الجميع أنّهم مجرّد مهرّجين، ومن جهة أخرى، زعماء الديمقراطيّات الليبراليّة الذين يتقنون فنّ الالتزام، في برامجهم الانتخابيّة، بإصلاحات اقتصاديّة واجتماعيّة بالكاد يُنفَّذ منها شيء. 

أمّا ترامب، فيشذّ عن هذين النموذجين معاً– أو هكذا على الأقل هي الصورة التي يرسمها في مخيّلاتنا. فعلى عكس زعماء مثل خامنئي أو مادورو، يوجّه الرئيس الأميركي أحياناً ضربات مؤلمة لأعدائه الذين لا يكفّ عن تهديدهم، وعلى عكس معظم القادة الأوروبيين، يفي أحياناً ببعض وعوده الانتخابية الأكثر جموحاً وجنوناً. إنّه السياسيّ الذي تتحوّل أقواله، أحياناً، إلى أفعالٍ في عالم الواقع، وهو أمرٌ نادر جداً حتّى ليبدو لنا كأنّه ضرب من السحر.


الذهول سلاحٌ

لكنّ ما يجعل هذا السحر أقرب إلى معجزة يصعُب تصديقها هو أنّ الساحر ليس سوى ترامب نفسه: سياسيّ شعبويّ ديماغوجيّ نرجسيّ فظّ، لا يَفقه في معظم الأحيان معنى الكلام الذي يتدفّق من فمه بلا أيّ ترابط أو منطق، كأنّه يهذي. كيف يمكن، إذاً، لمثل هذا البهلوان المفتون بصورته، والذي يحوّل كل شيء إلى عرض ترفيهي، أن يفعل ما يقول، فيما تكاد السياسة تقتصر عموماً على رمي الأقوال في الهواء؟ هذا التناقض الذي تنطوي عليه صورة ترامب هو تحديداً ما يُثير الذهول، فيحيل أفعاله معجزاتٍ لا نعتادها مهما تكرّرت. إنّه المهرّج البرتقاليّ المعتوه الذي لا يتوقّف عن إدهاشنا في كلّ مرّة يُقدِم فيها على ما لا يجرؤ عليه الآخرون.

ولعلّ ترامب يدرك أنّ أفعاله المُذهِلة إنمّا هي سلاحٌ سياسيٌّ ووسيلةُ هيمنة. فالذهول يتحوّل افتتاناً لدى مناصريه، فيزيدهم تعصّباً في مناصرته. أمّا خصومه وأعداؤه في الداخل والخارج، فيوقعهم الذهول في الحيرة والإرباك، ويصبحون عاجزين عن تحديد ما ينبغي فعله. هذا ما حصل، مثلاً، لمعظم القادة الأوروبيين إثر اختطاف مادورو: أُصيبوا بالشلل، فلم تصدر عنهم سوى تصريحات غائمة تخلو من أيّ إدانة، بالرغم من أنّ ترامب ما لبث أنّ هدّد بالاستيلاء على غرينلاند. الإذهال، إذاً، بوصفه أداة حرب نفسيّة.

ولربّما اكتشف ترامب هذا السلاح قبل أن يصبح رئيساً، أي خلال حملته الانتخابية في عام 2016. إذ لم يكن أحد– ولا حتّى هو نفسه– يتوقّع فوز المهرّج آنذاك، فأتى الفوزُ صاعقاً أشبه بالمعجزة، وكان الذهول: ذهول الجميع، وذهول ترامب نفسه. عمّ الإرباك والحيرة الولايات المتّحدة والكوكب برمّته، ولعلّ ترامب أدرك حينها مدى السلطة الناجمة عن أداء دور المهرّج الذي يصنع المعجزات، فاختار أن يواصل إذهال العالم.


زعيم من العالم الثالث يرأس بلداً من العالم الأوّل

يمكن تلخيص ظاهرة ترامب بالقول إنّه زعيم من العالم الثالث يرأس بلداً من العالم الأوّل. فما يميّز دول العالم الأوّل سياسيّاً بشكل خاصّ هو مؤسّساتها الدستوريّة التقليديّة التي استغرق إنشاؤها وترسيخها أكثر من قرنين، وهي مؤسّسات تجعل الزمن السياسي، زمن الإصلاح والتغيير، بطيئاً بطيئاً من جهة، وتوفّر حماية مُعتَبرة من النزعات السلطوية والدكتاتوريّة، من جهة ثانيّة. هذه المؤسّسات هي العدوّ الأوّل لترامب، إذ يسعى حثيثاً إلى تقويضها لا بل تدميرها منهجيّاً، ولعلّ المثال الأبرز على ذلك رفضه الاعتراف بنتائج الانتخابات الرئاسيّة لعام 2020، ممّا دفعه إلى تحريض مناصريه على اقتحام الكابيتول في 6 كانون الثاني 2021.

إحدى الأدوات الرئيسيّة التي يستخدمها لمحاربة تلك المؤسّسات وتدميرها هي الإذهال تحديداً. فالمؤسّسات هذه لا تقوم على قوانين صريحة وحسب، بل أيضاً على أعراف وتقاليد غير مكتوبة تؤطِّر العمل السياسيّ وأساليب الحكم وتوجّههما وتضبطهما. ترامب يضرب عرض الحائط بهذه الأعراف والتقاليد. يهزأ بها في أقواله وأفعاله ويدوس عليها بشكل شبه يوميّ، ممّا يكشف عن حقيقة قلّما تؤخذ في الحسبان: أنّ الأنظمة السياسيّة ومؤسساتها الدستوريّة تقوم على أسس، مثل الأعراف والتقاليد، ذات طبيعة افتراضيّة أو مُتخيّلة، إذا جاز التعبير. إنّها أسسٌ لا فاعليّة لها ولا استمراريّة إلّا إذا احترمها السياسيون وتصرّفوا كما لو أنّها ليست افتراضيّة أو متخيّلة، وإنّما محفورة في الصخر. ترامب يفضح هشاشتها، وهو ما يثير الذهول والهلع. يُزيل ترامب الحجاب عن حقيقة أنّ الأنظمة الديموقراطيّة العريقة يمكن أن تنهار ببضع سنوات، فيصدم خصومه ويرعبهم ويوقعهم في حيرة وإرباك يصعب الخروج منهما. إذّاك تصبح معركتهم ضدّ ترامب وجوديّة لا سياسيّة فحسب، ويتحوّل ترامب من خصم سياسي إلى عدوّ. هو يتصرّف معهم بوصفهم أعداءً لا خصوماً، وهم، نتيجة شدّة ذهولهم وعجزهم عن تصديق ما يحصل، لا يستطيعون النظر إليه سوى كعدوّ أيضاً، عدوّ لا يدرون كيف يحاربونه.

ما يُفاقم هذا الذهول أنّ ترامب، فضلاً عن تنفيذه بعضاً من أفكاره الجامحة والمجنونة، لا يكفّ عن رمي أفكار عجائبيّة، مثل الترشّح لولاية رئاسيّة ثالثة أو ضمّ كندا لتصبح الولاية الواحدة والخمسين لبلاده. المُذهِل أنّ هذه الأفكار تبدو كمزحة، لكنّها قد تكون جادّة، إذ سبق لترامب أنّ نفّذ بعضاً منها. لذلك لا يدري خصومه ما إذا كان عليهم مواجهتها أم تجاهلها بوصفها مجرّد هذر وهذيان، وهو ما يستغلّه الرئيس الأميركي، فيقذف بمزيد من الأفكار ويخوض جميع المعارك السياسيّة الممكنة في آن واحد، وهميّةً كانت أم حقيقيّة، ويُدخِل الولايات المتحدة في ما يُشبه حالة طوارئ دائمة.

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الإذهال، بوصفه أداة حكم، إنّما هو استراتيجيّة سياسيّة فاشيّة بامتياز. فعلى غرار ترامب، كان هتلر وموسوليني يذهلان مناصريهما وأعداءهما على حدّ سواء، بإقدامهما على ما لا يجرؤ عليه الآخرون، وبرميهما كمّاً هائلاً من الأفكار الجامحة والغرائبيّة، في حرب سياسيّة مفتوحة على كلّ الجبهات التي يمكن تخيّلها. وعلى غرار ترامب أيضاً، كانا مهرّجَين مُخضرمَين، يُتقنان صناعة العجائب. ولعلّ الفارق الوحيد أنّ المؤسّسات الدستوريّة الأميركيّة، على عكس تلك الألمانية والإيطاليّة آنذاك، لا تزال صامدةً حتّى الآن، وإن بعُسر.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
المقاطعة تُسقِط «أسبوع الكتّاب في أديلايد» بعد استبعاد الكاتبة الفلسطينية-الأسترالية رندا عبد الفتّاح
تعليق

ترامب المُذهِل

طارق أبي سمرا
 الشيخ حكمت الهجري ليديعوت أحرونوت: «هذه حكومة داعش» ومستقبل سوريا هو التقسيم
كيف يواصل سد المسيلحة إلحاق الضرر بالمزارعين؟
13-01-2026
أخبار
كيف يواصل سد المسيلحة إلحاق الضرر بالمزارعين؟
مظاهرات في مدارس الأونروا بلبنان لحذفها «فلسطين» من الكتب
مذكّرة إلقاء قبض بحق رياض سلامة