السطوة
الحدث صادمٌ بشكله بقدر ما هو صادمٌ بمضمونه. فرقة خاصّة أميركية تختطف رئيس دولة، وتقوده إلى المحاكمة في الولايات المتحدة بتهم تجارة المخدرات. بعدها، يعلن رئيس العصابة الخاطفة أنّه قرّر الاستيلاء على نفط بلاد الرئيس المخطوف وإدارة شؤونها، بما يتماشى مع مصالح الولايات المتّحدة، وهدّد عددًا من البلدان الأخرى، بما فيها حكومات حليفة، معتبرًا أنّ ما مِن ضوابط قانونية أو سياسية أو دولية تحدّ من مصالح عصابته الحاكمة.
في المضمون، ربّما ليس هناك من جديد. فتاريخ الإمبريالية والاستعمار هو تاريخ آليات نهب الجنوب من قبل حكومات غربية. لكن في الشكل، هناك ما يستحق الوقوف عنده، في هذه الفظاظة الوقحة، الأقرب إلى عملية قرصنة تتحوّل إلى سياسة دولية. في الماضي، كان النهب يتوارى دائمًا خلف خطاباتٍ سياسية، أو يتستّر بها، من محاربة الشيوعية إلى دعم الديموقراطية أو محاربة الإرهاب، ما يجعله أقرب إلى مشروع «هيمنة» مما هو مجرّد استيلاء وسطو على موارد طبيعية. أمّا اليوم، فتخلّت الإمبريالية عن أي ادّعاء أبعد من السطوة، في ما يشبه الرغبة بتحرير العنف من أي ضوابط. فلم يحتَج ترامب إلى أيّ كلام عن حقوق الإنسان أو نشر الديموقراطية لتبرير فعلته. بات مقبولًا أن يقول «نفط»، لكي يقبل العالم بعملية الخطف.
عملية خطف مادورو ليست مجرّد استكمال لتاريخ طويل من سيطرة الغرب على موارد الجنوب، بل هي إعلان انطلاق إمبريالية متفلّتة من أي ضوابط، سواء كانت خطابية أو سياسية أو قانونية، لترفع السطوة كمبدأ للعلاقات الدولية.
الاستخراج
هذا «التبسيط» في السياسة، وإرجاعها إلى طابعها كعملية قرصنة، لا ينحصر في الشكل وحسب، بل بات يمتدّ إلى المنطق الاقتصادي الذي يحرّك «الإمبريالية الانعزالية» الراهنة. فالسطوة وسيلة سيطرة نظام إمبريالي بات ملتبسًا حيال العالم، فاقدًا لقدرته على إعادة هيكلته، لكنّه بحاجة إلى موارده. فبعد عقود من الكلام عن العولمة وضرورة تطوير وتشبيك الأسواق ببعضها بعضاً، عاد الكلام عن الاستحواذ على الموارد الطبيعية في ما يشبه التبسيط للاقتصاد وتلخيصه بعملية استخراج قسريّة للموارد. لسنا مثل بوش… سنحتفظ بالنفط هذه المرّة، صرّح الرئيس الأميركي، قبل أن يؤكّد أنّه سيتمّ بيع هذا النفط بسعر السوق، وسيتمّ الاحتفاظ بالأموال تحت سيطرتي.
السطوة في السياسة الدولية، والاستخراج القسريّ للموارد في الاقتصاد، باتا ميزتَيْ نمط الإمبريالية الانعزالية الحاكمة، والتي باتت تفتقد إلى أي خطاب خارج صراخ العنف والقوة.
الطور المأزوم
من المتوقّع أن تمتدّ عملية السطو إلى دول أخرى، من كولومبيا وكوبا والمكسيك، إلى جزيرة غرينلاند، وصولًا إلى إيران وربّما الصين بعد عزلها. السطو يأخذ أشكالًا مختلفة، لكنّه بات المحرّك الأساسي لسياسة دولية، سيطر ترامب على إيقاعها. بيد أنّ وراء هذه القوة الظاهرة، مشروع مأزوم، يحاول تعويض الضعف الاقتصادي بمغامرات استخراجية مجهولة الأفق. أمّا أحادية سياسة ترامب، فليست دلالة عن قوة، بل إشارة لفقدان الغطاء الدولي الذي أمّن منذ النصف الثاني للقرن العشرين أسُس مشروع «هيمنة» الولايات المتّحدة. فبدل ترسانة الغطاء الدولي، من تحالفات عسكرية ومؤسسات دولية ومصالح مشتركة وخطاب جامع، اعتبر ترامب أنّ «أخلاقه» كفيلة بضبط سياسة حكومته الخارجية. أضف إلى ذلك أزمة ترامب الداخلية التي سوف تتفاقم مع اقتراب انتخابات منتصف ولايته.
مظاهر القوّة الأميركية لا تخفي الأزمات البنيوية التي تواجه الولايات المتّحدة، بل هي محاولة للتعويض عنها، في ما يشبه عملية سطو واستخراج بلا أفق.
الطريق إلى كاراكاس
الطريق إلى كاراكاس ليس محصورًا بعلاقات ترامب بمادورو ومحاولة الإدارة الأميركية السيطرة على الأميركيتين. الطريق تعبّد منذ سنوات مع ضرب نظام المؤسسات السياسية الناظمة، والتي شكّلت إبادة غزة مرحلة أساسية في مسار إضعافها، إن لم يكن تدميرها. بدايةً بمنظومة القانون الدولي، وفي وسطها الأمم المتّحدة التي كانت وما زالت هدفاً لإدارة ترامب. ومن ثمّ، شبكة العلاقات بين الدول الغربية، ومن بينها «حلف شمال الأطلسي» الذي عمل ترامب أيضًا على إضعافه وإخضاعه لإرادته. أما داخليًا، فعمل ترامب على إضعاف المؤسسات السياسية، في محاولة لحصر السلطات التنفيذية بيده، وتسخير القضاء كأداة لسياسته. ويأتي هذا الإضعاف للمؤسسات الناظمة في لحظة غياب أي قطب دولي قد يشكّل رادعًا لمغامرات واشنطن. لكنّ كلّ هذا لم يبدأ من مخيلة ترامب للعلاقات الدولية، بل كان مختبره في كيفية إدارة الإبادة في غزة، أكان في ما اقتضته من تجاهل وإضعاف وتدمير للقانون الدولي ومؤسساته، أو من خلال إرساء العنف كالناظم الوحيد للسياسة، أو بتطبيع سياسة استخراجية بلا أي قناع.
مغامرة فنزويلا نموذج عمّا قد تتحوّل إليه العلاقات الدولية في عالم الإبادة، أي في عالمٍ فقدَ أيّ أيمان أو وهمٍ بالمؤسسات الناظمة للحياة المشتركة، ليرقّي العنف إلى المعيار الوحيد في السياسية.
الترامبيّون العرب
نحن لسنا بمنأىً عمّا يجري في أميركا الجنوبية. فالمغامرة الامبريالية الأخيرة تطورت بعض معالمها في منطقتنا، وستصل بعض نتائجها إليها. تجد هذه الامبريالية الفظة نسختها العربية في التحالف الأميركي- الإسرائيلي- الإماراتي الذي بات يقسّم المنطقة بقوة السلاح إلى مناطق عازلة، ومصادر استخراج للموارد، ونقاط سيطرة استراتيجية تقدّم لحكّام هذا التحالف السيطرة من فوق على شعوب المنطقة ومواردهم. وبات لنا في لبنان فرع لهذه الرغبة في السطوة، يتمثل بمجموعة سياسيين وبنكرجيّين تربط بينهم وبين حكّام هذا الحلف شبكات مصالح، باتوا ينظرون إلى أنفسهم كحكام البلاد «ما بعد التطبيع».
في شبكة الدول التي باتت ساحات لسياسة السطوة والاستخراج، تقع منطقتنا التي شكّل مخطط إعادة رسم معالمها مسودةً للنظام الجديد.
اهتراء الامبرياليّة ومناهضتها
تبسيط السياسة وتلخيصها إلى نوع من الامبريالية الفجّة يرافقه اهتراء لخطاب مناهضتها على أيدي الأنظمة التي تشكّل اليوم فريستها. فقد استُعمِل خطاب مناهضة الإمبريالية كعُذر وغطاء لارتكاب أبشع الجرائم بحق شعوب شكّلت ضحيةً مزدوجة للإمبريالية وأعدائها. فما سمح أيضًا بمغامرةٍ كعملية كاراكاس، هو انهيار أي خطاب جدّي لمناهضة عمليات سطوة كهذه، وكذلك انهيار الجسم السياسي الذي كان من الممكن أن يشكّل رادعاً. ينطبق هذا الكلام على نظام فنزويلا المهترئ والقامع، كما على النظام الإيراني القامع لمجتمعه والمتورّط بمجازر في دول الجوار، ومن بينها سوريا. فإذا كان ترامب هو كاريكاتور الامبريالية، فإنّ معارضيه باتوا كاريكاتور مناهضة الامبريالية. وهذا ما يجب أن يشكّل حافزًا لإعادة ابتكار خطاب سياسي يناهض رغبة حكّام العالم بالاستيلاء على موارد الشعوب، من دون التضحية بهذه الشعوب على مذبح الشعارات الفارغة.
تُظهر عملية كاراكاس اهتراء خطاب الامبريالية الجديدة وخطاب مناهضتها، الذي ضحى بالشعوب بإسم الدفاع عنها. وهذا ما يتطلب إعادة ابتكار خطاب سياسي جديد، لا يفاضل بين الدفاع عن سيادة الشعوب وبين حقوقهم.