تحليل إمبرياليّة واستعمار
خالد صاغيّة

الإمبراطور الجريح

12 كانون الثاني 2026

عن أيّ إمبرياليّة نتحدّث؟

بعد العدوان الأميركي الذي أطاح بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، يرتسم مشهد لا يتوافق تماماً مع التصوّرات التقليديّة للإمبرياليّة، تلك التصوّرات التي تربط بشكل أو بآخر بين الحروب ومحاولات السيطرة التي تقودها الدول العظمى وبين مصالح شركاتها الكبرى، وكأنّ تلك الحروب ناجمة عن تحريض تلك الشركات.

فبعد ساعات على إزاحة مادورو، أعلن ترامب، الأحد في الرابع من كانون الثاني الجاري، أنّ بلاده ستستثمر بالنفط وتزيد إنتاجه وتبيعه: ستدخل شركاتنا النفطية العملاقة، وهي الأكبر في العالم، وتنفق مليارات الدولارات، تُصلح البنية التحتية المهترئة، البنية التحتية النفطية، وستبدأ بجني الأموال. لكن بعد أربعة أيّام، أي الخميس في الثامن من الشهر الجاري، أدلى وزير الخزانة الأميركية، سكوت بيسنت، بتصريح مختلف تماماً، إذ قال إنّ بلاده قد تلجأ إلى شركات النفط الصغرى، بدلاً من الشركات الكبرى، للاستثمار في فنزويلا، ذلك أنّ شركات النفط الكبرى غير مهتمّة بالأمر. وبالفعل، هذا ما أبلغه الرؤساء التنفيذيّون لتلك الشركات للرئيس ترامب نفسه بعد الاجتماع معه يوم الجمعة الماضي. فبالنسبة إليهم، لا يمكن ضخّ استثمارات ضخمة في فنزويلا، قدّرها ترامب بمئة مليار دولار، من دون إجراء تغييرات كبرى في البلاد تضمن الحصول على عائدات تلك الاستثمارات على المدى الطويل. وقد وصف المدير التنفيذي لـ«إكسون موبيل» فنزويلا بأنّها بلد غير قابل للاستثمار في وضعه الحالي.

تُخالف الترامبية أيضاً الأدبيّات التي صعدت قبيل حرب العراق وبعدها، والتي ربطت بين الإمبريالية والنيوليبرالية بوصفها نموذجاً لتراكم رأسمالي بواسطة النهب. فترامب ليس معنياً بما روّجت له النيوليبرالية، ولا هو معجب بالتجارة الحرّة، ولا بالمؤسسات العالمية التي كانت تُستخدَم لإخضاع أسواق دول العالم الثالث، كمنظمة التجارة العالمية، أو لتأديب تلك الدول، كصندوق النقد الدولي. وهو، بالتأكيد، مستغنٍ تماماً عن أيّ غطاء أيديولوجيّ يتوسّل حقوق الإنسان أو الديموقراطيّة لتبرير تدخّلاته. وقد سارع، بعد إزاحة مادورو، للتأكيد أنّه ليس بصدد تغيير النظام في فنزويلا أو مساعدة المعارضة لتولّي الحُكم، بل يتطلّع إلى التعاون مع نائبة مادورو التي كال لها المديح. 

تقول لنا فنزويلا، إذاً، إنّنا لسنا أمام مشروع إمبرياليّ معتاد. وعلى الجهة الأخرى، قد تساعدنا غرينلاند على إدراك طبيعة هذا المشروع. فترامب يجاهر برغبته بضمّ غرينلاند، في سلوك مغاير لكلّ التدخّلات والحروب الإمبريالية في العقود الأخيرة، والتي لم تكن مشاريع «الضَمّ» على جدول أعمالها. والأدهى أنّ ترامب يفعل ذلك رغم وجود قاعدة عسكريّة أميركية في غرينلاند. لكنّ هذا الأداء الاستعراضي، المعطوف على المغامرة بمستقبل الناتو، بات يشكّل جزءاً لا يتجزّأ من المشروع الترامبي حيث لا سعيَ نحو العولمة ولا مراعاةَ للأحلاف، بل سيطرة مباشرة على الموارد الأساسية لتعزيز وحماية المصالح القوميّة.


الأمن القومي الأميركيّ

لمزيدٍ من التمعُّن في هذا المشروع، لا بدّ من إلقاء نظرة على وثيقة «استراتيجية الأمن القومي الأميركي» التي صدرت قبل شهر على نهاية العام 2025.

تتبرّأ الوثيقة من العولمة ومن طموحات السيطرة الأميركية على العالم. فتحدّد أنّ ما يعنيها من شؤون الدول الأخرى هو ألا تهدّد أفعالُها المصالحَ الأميركية. وبناءً عليه، فإنّ ما يعني الولايات المتحدة من العالم هو، بشكل أساسيّ، الآتي:

  1. الجزء الغربيّ من الكرة الأرضيّة، ومنع أيّ قوّة خارجيّة من اكتساب نفوذ فيه أو السيطرة على أصوله الأساسيّة.
  2. الشرق الأوسط، ومنع أيّ قوّة معادية من السيطرة عليه وعلى نفطه وغازه وطرق الإمداد.
  3. مراقبة وضمان الوصول إلى الموادّ وسلاسل التوريد ذات الأهمية البالغة، أي تلك التي توفّر الموادّ الأوليّة أو القِطَع أو المنتجات الضرورية للاقتصاد أو للقطاعات العسكريّة.
  4. استعادة السيطرة الأميركيّة في مجال الطاقة (النفط، الغاز، الفحم، والنووي) لا لضمان التفوّق التكنولوجي الأميركي وحسب، بل أيضاً لإحياء قطاع الصناعة الذي خسرت أميركا موقعها فيه لصالح الصين.

لهذه الأسباب، حين سئل ترامب عن عملية فنزويلا وكيف تندرج ضمن استراتيجية «أميركا أوّلاً»، أجاب: لأنّنا نريد أن نحيط أنفسنا بجيران جيّدين. نريد أن نحيط أنفسنا بالاستقرار. نريد أن نحيط أنفسنا بمصادر الطاقة. توجد طاقة هائلة في ذاك البلد. من المهم للغاية أن نحميها. نحتاج ذلك من أجل أنفسنا. نحتاجه من أجل العالم، ونريد أن نتأكّد أنّنا قادرون على حمايتها. في إجابته هذه، يجعل ترامب من فنزويلا تمريناً تطبيقيّاً أوّل لما ورد في الوثيقة حول الجزء الغربيّ من الكرة الأرضية وحماية مصادر الطاقة.


الشبح الصينيّ

في خضمّ هذا السعي لتحقيق المصالح القوميّة الأميركيّة، يُظهر ترامب عدائيّةً وتنمُّراً على مستوى عالميّ، وهذان من سمات النرجسيّة الجريحة. فما الذي جرح نرجسيّة رئيس أقوى دولة في العالم؟

يدرك ترامب وفريقه أنّ الولايات المتحدة خسرت موقعها المتفوِّق في كثير من الميادين، كالتصنيع مثلاً، وأنّها تعاني من مؤشرات اقتصادية مقلقة، كالعجز التجاري مثلاً، لذلك بُنيت حملات ترامب الانتخابية على جعل أميركا عظيمة «مرّةً أخرى»، أي إعادة العظمة إليها بعدما فقدت الكثير من سماتها. ويدرك ترامب أنّه رغم التراجع الأميركي، فإنّ ميدان التفوّق الأوّل والمستمرّ هو التفوّق العسكريّ الذي سيُستثمَر فيه (تقترح موازنة 2027 زيادة الإنفاق العسكري الأميركي بنسبة 66٪ ليبلغ 1,500 مليار دولار) وسيُعتمَد عليه في تنفيذ مشروع العَظَمة الأميركي، وإن كانت الأفضلية لاستخدام القوّة والتلويح بها من دون الاضطرار لشنّ حروب. وفي صلب كلّ الهواجس والمخاوف، تقبع قارّةٌ عملاقةٌ تدعى الصين.

في نهاية شهر تشرين الأول الماضي، خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب من اجتماعه مع الرئيس الصيني شي جين بينغ ليؤكّد أنّهما متّفقان تقريباً على كلّ شيء، وأنّ ما جرى يصبّ في مصلحة الولايات المتحدة الأميركية. لكنّ ترامب ووزراءه كانوا يعرفون أنّ ما حدث حقاً هو هزيمة أميركية نوعيّة في حرب التعرفات الجمركية التي شنّتها الولايات المتحدة على الصين. فقد تراجع ترامب عن معظم إجراءاته بحقّ الصين، واضطرّ لعقد هدنة تجارية، كما وصفتها الفايننشال تايمز، لمدّة عام. 

لكن لماذا اضطرّ ترامب للتراجع والانحناء أمام العاصفة الصينيّة؟
حين شنّ ترامب حربه الجمركية، أراد إخضاع الصين لعقد محادثات تجارية معها تجبرها على إجراء تغييرات بنيوية في اقتصادها، تغييرات تستفيد منها الولايات المتحدة من خلال تخلي الصين عمّا تعتبره أميركا منافسة غير مشروعة. لكنّ ما حصل فعلاً هو أنّ الصين ردّت بسلسلة إجراءات مقابلة دفعت ترامب للتراجع. ومن هذه الإجراءات رفعٌ موازٍ للتعرفات على البضائع الأميركية، التوقف عن شراء بعض السلع الأميركية كفول الصويا، لكنّ الأهمّ من كلّ ذلك هو منع تصدير المعادن النادرة إلى الولايات المتحدة.

تسبّبت الإجراءات الصينيّة بصدمةٍ أميركيّة. فما غفل عنه ترامب حين رفع التعرفات الجمركية في وجه الصين هو التحوّل الهائل الذي طال الصادرات الصينيّة في العقدين الأخيرين. فالمسألة ما عادت تتعلّق بسلع استهلاكية رخيصة، بل باتت تتعلّق أساساً بالمعادن النادرة التي لا غنى عنها في عدد من الصناعات التكنولوجية الأميركية. حين قال الزعيم الصينيّ شي: لا نريد حرب رسوم جمركية، لكنّنا لسنا خائفين منها، كان يعرف أنّه يملك سلاحاً ثميناً في حرب كهذه: المعادن النادرة المستخدَمة في صناعة الأجهزة الخلوية، السيارات الكهربائية، الطاقة المتجدّدة، لكن أيضاً الصناعات العسكرية. فإذا كانت الولايات المتحدة قد خسرت منذ عقود طويلة تفوّقها في مجال الإنتاج لصالح الصين التي باتت القوّة الإنتاجية العظمى الوحيدة في العالم، فإنّ التفوّق العسكريّ الأميركيّ نفسه بات يعتمد في صناعاته على واردات المعادن النادرة من الصين.

سيعود ترامب للقاء شي في نيسان. ولا بدّ له أن يذهب هذه المرّة إلى الاجتماع وفي يده عناصر قوّة إضافية، على رأسها طبعاً السيطرة على منابع للمعادن النادرة في العالم (فنزويلا وغرينلاند مثالاً)، لكن أيضاً السيطرة على سلاسل التوريد لمصادر الطاقة في العالم، كالنفط والغاز. فالمطلوب أميركياً أمر مزدوج: التحرّر من الابتزاز الصيني بالمعادن، ومحاصرة الصين بمصادر الطاقة حتى لا تجرؤ على ابتزاز الولايات المتحدة. أثناء كتابة هذه السطور، يُعقد اجتماع لوزراء ماليّة مجموعة دول السبع والاتحاد الأوروبي وأستراليا والهند وكوريا الجنوبيّة والمكسيك. في هذا الاجتماع، يرفع وزير الخزانة الأميركي مطلباً واحداً: أوقِفوا اعتمادكم على المعادن النادرة الصينيّة.


بعد فنزويلا، ستتوالى التدخّلات الأميركية بما يتناسب مع أهداف استراتيجية الأمن القومي الأميركي. سنسمع أسماء دول كثيرة، وستتأثّر كلّ منها بتلك التدخّلات وفقاً لظروفها. وفيما يحرّك الأمبراطور أساطيله العسكريّة حول العالم، فإنّ عينه الاقتصاديّة تبقى على دولة واحدة: الصين.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
حدث اليوم - الإثنين 12 كانون الثاني 2026
إضراب موظّفي القطاع العام: هذه مطالبهم
12-01-2026
تقرير
إضراب موظّفي القطاع العام: هذه مطالبهم
4,616.14 دولار سعر أونصة الذهب في أعلى مستوى مسجّل له
انتفاضة إيران: الداخل والخارج يحاصران النظام 
12-01-2026
تقرير
انتفاضة إيران: الداخل والخارج يحاصران النظام 
نقابة الأطباء البيطريين تتدخل لحماية كلاب طرابلس
تعليق

ما بعد فضيحة إبستين

سيلفانا الخوري