مقاربة الـ«صفر عجز»
كما كان متوقّعاً، أقرّ مجلس النوّاب مشروع قانون موازنة 2026. لم يكن مشروع قانون الموازنة كما أعدّته وزارة الماليّة، ثم أقرّه مجلس الوزراء، سوى استكمال لأنماط الموازنة التي شهدها لبنان سابقاً. كان هندسةً محاسبيّة حرصت على إنتاج «صفر عجز»، بمعزل عن واقعيّة التقديرات، أو نتائج السياسات التقشّفية المعتمدة، أو حتّى الإطار الأوسع للإصلاح الضريبي.
باتت موازنات الحكومات في لبنان محكومة بمبدأ واحد، وهو تصفير العجز، ما يعني سباقاً دائماً بين زيادة الواردات وتقليص النفقات، على حساب أي رؤية اقتصادية أو دور تنموي.
تقشّف لمصلحة الأكثر ثراءً
رفعت الحكومة حجم النفقات المرصودة في مشروعها إلى 5.97 مليار دولار، أي بما يزيد بنحو مليار دولار مقارنة بموازنة العام 2025. ومع ذلك، ظلّ حجم هذا الإنفاق يقل عن ثلث حجم الإنفاق العام قبل 2019، ما يعني الانخفاض لدور القطاع العام في المجتمع، بما يشمل أولاً شبكات الحماية الاجتماعيّة والاستثمار. ومقابل هذا الانحسار لدور الدولة، برز عاملان باتا جزءاً من السياسة الماليّة للدولة منذ العام 2019.
- استمرار السياسة التقشفيّة الحادّة التي تمتنع عن استعمال الأموال التي تجري جبايتها بالفعل. وهذا ما أدّى إلى ارتفاع ودائع القطاع العام في مصرف لبنان إلى أكثر من 8.86 مليار دولار في منتصف هذا الشهر، مقارنة بـ4.31 مليار دولار قبل قرابة السنتين، ما يعني أنّ الدولة حصّلت 4.55 مليار دولار من الأموال غير المُستخدمة. وباتت هذه السياسة تسمح بإعادة رسملة القطاع المالي اللبناني، وإنما على حساب الأموال العامّة.
- عدم قيام الدولة منذ بدء الأزمة بالإصلاحات الضريبيّة اللازمة لإعادة رفع مستويات الجباية الضريبيّة إلى سابق عهدها. وهذا ما كان يفترض أن يتمّ من خلال تعديل النظام الضريبي نفسه، وتفعيل الإدارة الضريبيّة التي تعاني من الشغور وقلّة الإمكانات، وتطوير أدوات مكافحة التهرّب الضريبي في بيئة يسيطر عليها الاقتصاد النقدي. وبالتأكيد، صبّ انخفاض معدّلات الجباية الضريبيّة في مصلحة الفئات الأكثر ثراءً، التي كان يفترض أن تسدّد ضرائب الربح والدخل بالتناسب مع حجم مداخيلها.
وفي مقابل كل هذه الثغرات، تبقى الثغرة الأهمّ إقرار هذه الموازنة من دون إقرار قطع للحساب، ما يكرّس فكرة الإنفاق من دون محاسبة لاحقة. لا بل لم يتم حتّى تضمين النص بنداً يعيد التأكيد على ضرورة إجراء قطع الحساب في المستقبل. وبهذا الشكل، قرّر المجلس النيابي تثبيت قاعدة الإنفاق من دون محاسبة، كممارسة متكرّرة لا يُشار إليها كاستثناء.
التقشّف ليس عملية حسابية حيادية، هي سياسة مالية باتت تصبّ في مصلحة المصارف التي تحتاج إلى رسملة ومصلحة الأكثر ثراءً الذين لا يحتاجون إلى دور الدولة الرعائي.
منطق حسابيّ ذو أبعاد طبقيّة
بات التقشّف أقرب إلى أيديولوجيا تتلطّى وراء عمليات حسابية لتمرير مصالح طبقية. بعد ستّ سنوات من بداية الأزمة، ما زالت السياسة الماليّة للدولة تُدار بمنطق حسابيّ، حيث المُستهدف هو هذا التوازن بين النفقات والإيرادات. وما يغيب عن تلك الموازنة، هو المطلوب بديهياً من السياسة الماليّة للدولة، خلال أزمة كالتي يمرّ بها لبنان: أن تندرج هذه السياسة ضمن خطّة إنقاذ اقتصادي واسعة وطويلة الأجل، لضمان توزيع خسائر الانهيار بشكلٍ عادل، وبأقلّ أثر على الفئات الاجتماعيّة الأكثر هشاشة.
تفاخر وزير المال ياسين جابر خلال مناقشة الموازنة بتمكّن الدولة من تحقيق فائض خيالي، يوازي 4 بالمئة من حجم الناتج المحلّي اللبناني، أو 25 بالمئة من إجمالي حجم الموازنة نفسها. لكنّه لم يسأل عن ثمن تحقيق هذا الفائض، عن التقديمات الاجتماعية التي لم تُقدَّم وعن المعاشات التي لم تتماشَ مع التضخّم وعن النفقات الأساسية التي ما زال يضّحى بها. دولة تراكم فائضاً في الوقت ذاته الذي يزداد فيها الفقر، هي دولة تختبئ وراء عمليات حسابية لتستكمل حربها الطبقية.
التلطّي وراء عملية حسابية والتباهي بفائض في الميزانية ليسا إلّا الوجه التقني لحرب طبقية، باتت تفضّل هدف تصفير العجز على مطلب حماية الفقراء.
لوبيات المال في البرلمان
لكنّ هذا لم يكفِ لوبيات المال، التي بدأت تتحرك لتضمن مصالحها، مع بدء نقاش المشروع في لجنة المال والموازنة. وكان أعضاء اللجنة، كما هي العادة، حاضرين لتنفيذ الأدوار المطلوبة منهم.
على هذا النحو، وبحسب تعديلات اللجنة، باتت الضريبة الاستثنائيّة على أرباح المستفيدين من منصّة صيرفة تقتصر على العمليّات التي تجاوزت قيمتها الـ100 ألف دولار. مع الإشارة إلى أنّ هذه الضريبة كان يفترض أن تُطبّق، قبل التعديل، على العمليّات التي تجاوزت قيمتها الـ15 ألف دولار. وبهذا الشكل، قرّر النوّاب إعفاء شرائح واسعة من المستفيدين من تلك العمليّات من الضريبة، من دون أي مبرّر أو جدوى اقتصاديّة واضحة.
وبمبادرة من النائب آلان عون، اقتنعت لجنة المال والموازنة بإضافة تعديل يسمح لتجّار العقارات بتسديد الرسوم المفروضة عليهم بسعر الصرف الرسمي القديم، أي 1,500 ليرة للدولار، بالنسبة للعمليّات المُسجّلة قبل العام 2020. وبذلك، سيكون بإمكان تجّار العقارات تسديد رسومهم بسعر رمزي، عند احتساب قيمة هذه الرسوم بالدولار اليوم.
ثم كان النائب علي حسن خليل حاضراً لخدمة مصالح مستوردي السيّارات. حيث تمكّن من إقناع أعضاء اللجنة بإضافة تعديل يُعفي مستوردي السيّارات الهجينة، التي تعمل بالبنزين والكهرباء معاً، من رسوم التسجيل و80 بالمئة من الرسم الجمركي. وجاء هذا المقترح بذريعة تشجيع المستهلكين على استخدام السيّارات الصديقة للبيئة، رغم علم النوّاب بعدم وجود بنية تحتيّة تسمح باستعمال السيارات على الكهرباء، ما يحتّم استخدامها بالبنزين.
ومن ضمن المقترحات الإشكاليّة التي أقرّتها اللجنة، بدفع من النائب علي حسن خليل أيضاً، كان تمديد المهلة الممنوحة للمستثمرين العقاريين الأجانب، لتشييد الأبنية على عقاراتهم، وبواقع خمس سنوات جديدة. وتجدر الإشارة إلى أنّ القانون كان يفرض على هذه الفئة من المستثمرين تشييد الأبنية خلال مهلة خمس سنوات، تحت طائلة سقوط حق الإنشاء وبيع العقار واستيفاء الربح لمصلحة الدولة اللبنانيّة.
أمّا النقطة التي تقاطعت عندها اللجنة مع مشروع القانون المُقدّم من الحكومة، فكانت عدم لحظ المبالغ المتوجّبة على مالكي الكسّارات والمقالع، جرّاء الرسوم والضرائب والتعويضات غير المُسدّدة من قبلهم. ومن المعلوم أن قيمة هذه المبالغ، التي يفترض أن تستفيد منها الدولة اللبنانيّة، تتجاوز الـ2 مليار دولار.
رغم هدف الصفر عجز، ما زالت الموازنة تلحظ مصالح بعض لوبيات المال لتؤكّد الطابع الطبقي للعملية الحسابية.
ضحايا الموازنة
خارج مجلس النوّاب، كانت نتائج هذه السياسة الماليّة واضحة. فقد طوّقت الاحتجاجات جلسة الموازنة، من موظّفي القطاع العام، إلى أساتذة التعليم الرسمي والجامعة اللبنانيّة، ومتقاعدي الأسلاك الأمنيّة والعسكريّة. التقاء جميع هذه الشرائح كان خير تعبير عن الفئات التي سحقتها الأزمة، بعدما مضت ست سنوات على الانهيار، من دون أن يُقَرّ تصحيح شامل للأجور. والسجال الذي دار داخل مجلس النوّاب، عند التصويت على مشروع الموازنة، عبّر عن التخبّط السائد إزاء هذه الأزمة.