تعليق سوريا
شهد محمد قيس

معرض دمشق الدولي للكتاب

 دورةٌ استثنائية وكرنفالية

18 شباط 2026

قلت للجميع إنّي لن أذهب. كانت فكرة إقامة معرض كتاب في مدينة المعارض التي تبعد عن مركز العاصمة ما يقارب 10 كيلومترات على طريق المطار، مع توفير باصات نقل مجاني، أمراً يسبّب الصداع، خصوصاً وإني وغيري من المقيمين في دمشق، نحصل على كتب ثمينة ونادرة دورياً من سوق الورّاقين، أو سوق الكتب المستعملة الذي تبعثره الحكومات المتعاقبة– اثنتان في حالة سوريا- كلما وجدت فرصة. أما الكتب الجديدة، فتأتي من لبنان بالتوصية، فما حاجتي للذهاب؟

في الحقيقة، كانت مشكلتي الأساسية مع فكرة النقل المجاني، في نوع من التعالي على فكرة «السيران». أما المشكلة الثانية، فكانت إعلام المعرض وكاتب المحتوى الذي يكتب أموراً مثل «لأول مرة يتاح للسوريين القراءة بعد سنوات من القمع». أخذت نفساً طويلاً، طويلاً جداً، وتجاوزت هذه المنشورات، فهذه ليست أول مرة يُقرَّر فيها أننا جهلة، وكفرة. قلت «كفرة» لأن عاملاً ثالثاً ضحكنا منه، أنا وآخرون على ستوريات إنستغرام الخاصة، وهو كثرة محاضرات شيوخ الدين، الأمر الذي لم يكن مفاجئاً بطبيعة الحال.

في المرة الأولى (نعم، بعد كل هذا ذهبت عدّة مرات)، عرفت أن هناك باصاً سينطلق من منطقة قريبة من سكني في ضواحي دمشق الجديدة، وهناك رأيته يمتلئ بأطفال دون عائلاتهم وينطلق إلى المعرض متجاوزاً إيانا. على تطبيق «يلا غو» تكلّف الرحلة 150 ألف ليرة سورية، أو 15 دولاراً تقريباً، وهذا الرقم سيزيد بضعة دولارات عند الوصول، ويساوي هذا مبلغ سعر كتاب فنّي أو أعمال كاملة لكاتبٍ ما. أخذت وصديقتي باصاً لمنتصف دمشق للوصول إلى باصات النقل المجاني هناك. لدينا مهمّة البحث عن كتب مسرحية لصديقتي.

أقيم معرض الكتاب في مبنيين من مباني مدينة المعارض العملاقة، كل مبنى يحتوي ثلاثة أجنحة، وحولهما مساحة شاسعة لتلعب الريح بها، وأعلام ضخمة، وممرّ مؤقت يحوي مكتب الاستعلامات تصدر منه أغانٍ مبتذلة عن الكتب، وأناشيد دينية ووطنية (انتصارية).

وأخيراً، إلى المبنى رقم واحد. في الجناح الأوّل تتوزع الكتب الدينية بأغلفتها السميكة ذات الجودة التي تحفظها إلى الأبد، بعضها مطبوع منذ عشرات السنين، مثل «همسة في أذن فتاة» الذي كان موجوداً في بعض مدارس دمشق الخاصة منذ سنوات. وهناك بالطبع بين الجموع سيتوقف رجل عجوز، بقبّعة مثقفين، يتحدث لغة البعث الإنشائية، عندما يرى شابّتين لا ترتديان الحجاب ليبدي امتعاضه من كثرة النقاب، ويلقي محاضرة عن الإقصاء، يقصي فيها بنفسه كل ما هو مختلف عنه. نختار ألا نقول له أو لكاتب المحتوى الخاص بصفحة المعرض، أن هذه الكتب موجودة دائماً في منطقة الحلبوني، وأن أولئك النساء كنّ موجودات دائماً لولا الخوف من حواجز النظام.

أما في الأجنحة الأخرى، حيث الكتب الجديدة اللامعة التي ستتحوّل إلى نسخ مصوّرة على بسطات دمشق قريباً، لم تجد صديقتي أي كتابٍ مسرحي عن المسرح العربي سوى سيرة أو اثنتين لكتّاب أُغرقنا بكل شيء عنهم مسبقاً. نغوص وسط الجموع والازدحام الرهيب حول ستاندات الروايات الرديئة بحثاً عن «منشورات الهيئة العامة للكتاب» التي كانت الشيء الوحيد الجيد الذي قامت به وزارة الثقافة في عهد بشار الأسد، بتنوع منشوراتها وترجماتها وأسعارها الزهيدة التي يعود سببها غالباً لعدم دفع أية حقوق لأية دار أجنبية أو كاتب، ومساهمات كريمة من مثقفي سوريا لمجلاتها رغم العائد المادي الذي يساوي أجرة باص.

«أهذه هي!» صُدمت صديقتي، وأنا معها، عندما رأينا بضعة كتب فقط وأعداداً قليلة من مجلات تبدو وكأنها خارجة للتو من مستودع رطب، وحولنا كل شيء يحتفي بعودة الثقافة إلى سوريا، وفرقة سعودية ترقص، وعازف عود في منتصف الجناح يتجمع حوله الناس لنشر ستوري. في النهاية وجدنا ضالتنا عند باعة الكتب المستعملة، كالعادة.

يحين بعدها دور السقوط في الإغراءات. مندوب بلهجة مصرية أو لبنانية يعرض كتباً عليها قطط جميلة، وعناوين مذهلة، ومترجمون من الدرجة الأولى، وأسعار مخصصة لسوريا عادة ما تصل حسوماتها إلى 50%، لكن يشهق الناس من ارتفاعها رغم ذلك. القط الذي أنقذ المكتبة، فرانكي القط الذي أنقذ صاحبه من الانتحار، وسلسلة «آن في البراري الخضراء»، وكل ما هو براق لمن شهد ما شهده في سوريا، دون ميزانية مناسبة. حصلت على قطة في النهاية، لا أذكر عنوان الكتاب، رغم كرهي للقطط، ودفعت سبعة دولارات مقابل قصص قصيرة مجمعة تزينها قطة برتقالية، وعيني تبحث عن دُور مثل «الآداب» و«المنظمة العربية للترجمة» اللتَيْن لم أجدهما.

عندما تخرج للتدخين في الباحة، أو شرب القهوة في المكان المخصص للمطاعم، ستجد شعب السيران، الناس الذين وجدوا فرصة للتنزه في مكان جديد بعيداً عن المساحات الخانقة المختنقة في دمشق، حاملين معهم الفواكه وبذر دوار الشمس والسندويشات من المنزل، ليمتلكوا لبضعة أيام مساحة عامة مؤقتة ومجانية للتنفس. أما الكتب، فمن يملك ثمنها؟

ذهبت مرة ثانية، وثالثة، وفي المرتين أو المرات الثلاث، رأيت طابور تفتيش النساء أضعاف طابور الرجال. يمكننا أن ننشئ عنواناً يقول: النساء أكثر اهتماماً في الكتب من الرجال. يمكننا أيضاً أن نقول: سمح الآباء لبناتهم في قضاء يوم خارج المنزل مع صديقاتهن في مكان يعلمون أنه مراقب و«ثقافي» ومؤمّن، وقد نقول «مؤمّن بتديّن».

في اليوم قبل الأخير، توجهت لجناح الطفل فقط، كان الجناح الأفضل والأكثر تنظيماً، والأكثر بيعاً، والأقل توتراً. فتيات صغيرات بتنانير حمراء تُظهر أنهنّ من مدرسة خاصة، ينتظرن دورهنّ بأدب في إحدى الفعاليات، وصبيان منظمون من معلمة صارمة. وأنا وصديقتي المتطوعة نتساءل: أين كانت كل هذه الكتب الملونة عن طفولتنا؟

لا أذكر إني رأيت معرضاً مثل هذا، ولا أظنني سأرى. هذا ليس مديحاً بالطبع، وليس ذمّاً. معرض دمشق الدولي للكتاب كان مسرحاً استعراضياً لفنون سعودية وقطرية داخل مساحات غير مخصصة، في مدينة معارض ليست للكتاب أصلاً، بينما تغلق المكتبة الوطنية ذات القاعات المخصصة للمحاضرت أبوابها.

تعدّ هذه الدورة استثنائية، والمعرض الحقيقي قادم بعد عدّة أشهر. كلمة استثنائية يمكنها أن تصف كل ما فيه من فوضى وصفّ للأشياء في مكان واحد لإثبات شيءٍ ما، والنظافة الاستثنائية، والغياب الاستثنائي لدور نشر كبرى، والسيران الاستثنائي للناس الباحثين عن مساحات عامة للتنزه.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 18/02/2026 
تعليق

معرض دمشق الدولي للكتاب

شهد محمد قيس
نوّاف سلام يبرّر ضرائبه: الـTVA تصيب الأغنياء!
17-02-2026
تحليل
نوّاف سلام يبرّر ضرائبه: الـTVA تصيب الأغنياء!
حدث اليوم - الثلاثاء 17 شباط 2026
17-02-2026
أخبار
حدث اليوم - الثلاثاء 17 شباط 2026
عائلة الضحية أسعد رستم تنتظر محاسبة «أمن الدولة»
17-02-2026
تقرير
عائلة الضحية أسعد رستم تنتظر محاسبة «أمن الدولة»
«كورال» تلاحق الناشط الحقوقي علي عبّاس
17-02-2026
تقرير
«كورال» تلاحق الناشط الحقوقي علي عبّاس