نقد استشراق
وضاح شرارة

من إسخيلوس إلى كيسنجر

المستشرق الثرثار و«الشرقي» الأخرس

6 نيسان 2024

... ينطوي السعي الغربي في صوغ تاريخ كلّي يحوط بفهم مجتمعات دارسة وبعيدة، على الإخفاق، حتماً وجذرياً (...). ويقوم مثال تصور التاريخ الغربي على افتراض أن ما فهم الأشوريون معناه، من مجتمعهم، في وسعنا فهمه، من غير بقية ولا نقص. وهذا يقيناً، مستحيل (...) فما (ينبغي أن) يهمنا من التاريخ هو غيريتنا الأصيلة، أي ممكنات الإنسان الأخرى وفرادتها المطلقة. والحق أن هذه الفرادة تتبدّد، بالضرورة، حال محاولتنا تناولها وإدراكها...

كورنيليوس كاستورياديس (1922- 1997)
الإيجاب التخييلي للمجتمع، 1975، باريس، دار سوي، ص247 (ط.1999)

وقف إدوارد سعيد (1935- 2003)، عشية وفاته قبل عشرين سنة، وغداة اجتياح تحالف دولي على رأسه الولايات المتحدة الأميركية «ديكتاتورية (العراق) المحطمة»، على ربع القرن الذي كان قد انقضى على صدور كتابه العَلَم، الاستشراق (1978)، وحوادثه العربية والإسلامية الجسيمة وأقربها الغزو الأميركي. فوصف مشهداً حاضراً لا يقل عنفاً وفظاظة عن عنف التاريخ الطويل الذي تصدى لوصفه والتنديد به في كتابه، وخص فصله الأخير، منذ حملة بونابرت (1798- 1801) إلى الحروب العربية- الإسرائيلية القريبة (يومها)، بالصدارة والمعالجة الدقيقة.

ورأى وجوه شبه قوية بين ما قبل كتابه وربع القرن المنقضي مذذاك. فالمسرح واحد، والواقعة أو الحادثة هي هي، والأبطال («الغربيون») تغيّرت أسماؤهم وبقيت أدوارهم على حالها. فالحرب على العراق حرب إمبريالية خطط لها فريق من المسؤولين الأميركيين «غير المنتخبين» وشنّوها لأسباب أيديولوجية هي فرع على أصل السيطرة على العالم، والسعي في الرقابة الأمنية عليه ومصادرة موارد نادرة. ولا تنفصل «الكارثة التاريخية» هذه، وجهها السياسي والعسكري، عن وجهها الفكري.

واضطلع بها، إلى المسؤولين المباشرين- غير المنتخبين، على ما يشدد القول المواطن الأميركي و«الوطني الدستوري»، وإن الفلسطيني المنشأ والجذور، إدوارد وديع سعيد- مستشرقون «خانوا مهمتهم (كـ)باحثين». ويخص منهم سعيد بالذكر برنارد لويس وفؤاد عجمي. وينسب إليهم تأثيراً كبيراً في البنتاغون ومجلس الأمن القومي ومستشاري جورج دبليو بوش. وهؤلاء وأمثالهم (في معرض آخر يذكر الكتابُ كنعان مكية «أحد مريدي لويس وتلامذته») كرروا على مسامع «أرباب» السلطة أفكاراً كاريكاتورية، استشراقية طبعاً، مثل «الروح العربية» و«أفول الإسلام الزمني» و«المؤامرة الإسلامية» إلخ.

وإلى البنيان السياسي والعسكري والاقتصادي، أي هيكل السلطة الأميركية الإمبريالي، وحلقات المستشارين الأقربين المولودين من مراكز البحوث والجامعات، تضطلع أجهزة الإعلام المرئي والمكتوب (قبل الرقمي بسنوات قليلة)، على شاكلة «فوكس نيوز» و«سي إن إن» وإذاعات إنجيلية ومحافظة، جوهر المعتقد أو «الدوغما» الاستشراقية. وملخصها أن هذه الأقوام البعيدة ليست «مثلنا»، وقيمها غير «قيمنا».

ويرى سعيد أن الحرب «ما كانت لتُشنّ لولا هذا الانطباع» وانتشاره. فهي نتاج زواج مصالح التوسُّع الإمبريالي والسيطرة على العالم، وكليشيهات نمط من المستشرقين والباحثين الذين نقَّلوا دراستهم من اللغويات وفقهها إلى اجتماعيات البلدان غير الغربية. وهذا دور يدور، أو حلقة مفرغة: فالتوسع يترتب على الإمبريالية ومصالحها، وعلى هذه تترتب النظرة الاستعلائية والإقصائية التي تقضي بالتسلُّط على من ينبغي أن ينقصوا عن البشر الأسوياء، ويُنفوا من الإنسانية، كي يسوغ التسلّط بالقوة عليهم، واسترقاقهم واستغلالهم، بعد ازدرائهم واحتقارهم.

إمبريالية

ولا يشك الناقد الأدبي والعليم بالموسيقى (موزيكولوغ وهو ما كانه سعيد من حيث الحرفة) في تحدّر «جيش المقاولين» في العراق المحتل، والموكول إليهم كتابة الدستور وتنظيم الحياة السياسية والصناعة النفطية، من أصلاب وأنساب ترجع بهم إلى فاتحي ماليزيا وأندونيسيا الهولنديين، والجيوش البريطانية في الهند وما بين النهرين ومصر وغرب أفريقيا، وإلى القوات الفرنسية في الهند الصينية وشمال القارة السوداء.

ولا تتفق مراحل التوسع الإمبراطوري أو الإمبريالي التاريخية، على ما يرى في التأريخ الملحمي «الأسود» (على مثال الطوبى السوداء، أو ديستوبيا) هذا، مع مراحل الاستشراق. فابتداءُ هذا كان، على قول سعيد، من حملة بونابرت الفرنسي على مصر، وأثمرت صفة مصر في 38 جزءاً ضخماً، ثم مع فتح الجزائر في 1830 من بعدها. وسبقتها بنحو قرن ونصف القرن الفتوح الهولندية والبرتغالية في الشرق، وبنحو نصف قرن قبلها فتح العالم الجديد. والتفاوت هذا لا يستوقف الكاتب.

وهو ينبّه، من غير شك، إلى تعقيد علاقة الاستشراق (الذي «خلق» أو «أحدث»، في لغة الكلام الإسلامي، الشرق، على قول وسم الكتاب الكامل) بالإمبرياليات. فلا يدري القارئ إذا خلا الزمن الإمبريالي الذي سبق فتح مصر، وهو طال ثلاثة قرون عاملة منذ 1491، من استشراق، أم سبق الاستشراقَ الأدبي والجمالي والبحثي استشراقٌ آخر، من صنف إداري ربما.

ويزيد الغموض اطراح «المؤرخ» من بحثه مدارس استشراقية وطنية، غير البريطانية والفرنسية والأميركية. ويعلل الكاتب تركه الاستشراق الألماني جانبًا بعلل تاريخية (تأخر التوسع الاستعماري الألماني) و«أدبية» (غلبة الفقه اللغوي على المدرسة الألمانية). ويستنكف عن تعليل تركه الأعمال الإسبانية والإيطالية والبرتغالية. ويسكت عن إغفال المدارس الروسية والعثمانية واليابانية والصينية من غير كلمة، ومن غير تسميتها بهذا الاسم أو إقرار بجواز هذه التسمية. وبعض تيارات الدراسات الما بعد الكولونيالية، وسعيد من روادها طبعاً، ينكر حمل روسيا وتركيا والصين، على وجه الدقة والحصر، على الإمبريالية (غاياتري شاكرافورتي سبيفاك: القومية والمخيلة، 2010).

والحق أن التناول التاريخي للاستشراق يعاقب بين منهاجين مختلفين:

  • أولهما مقالِيّ («ديسكورسيف»)، يعالج ما يفترض أنه أبنية عميقة توجب قسمةً بين الكلمات والأشياء، وأنماطاً من المعارف والموضوعات والعلاقات، تجيز أو تبيح ما يقال وما يفهم وتمنع ما يُحجب عن القول والفهم، وذلك على مثال لا يتماسك في ضوء مرجع أو نصاب خارجي (مثل «العقل» أو «الطبيعة» أو «الاحتياجات» المادية)، وتأتلف عناصره ائتلافاً فعلياً أو إنِّياً، على نحو ما يقدّم ميشيل فوكو لكتابه الكلمات والأشياء (1966، باريس).
  • وثانيهما تاريخيّ واجتماعيّ يتناول المضامين الفكرية والأحكام المعيارية، ويرتّبها على درجاتها من العمومية الإنسانوية، ومن القرب منها أو البعد.

تفريق كياني

يترجّح إدوار سعيد بعض الوقت بين المنهاجَيْن، ويقتصر الترجّح على المطارحة النظرية في المدخل، فيحمل المنهاج المقاليّ على معالجة الاستشراق على وجه باب علم، أو «صناعة»، شديد التماسك، مكّن الثقافة الأوروبية من أن تدبر (على معنى الإدارة)، بل من أن «تصنع» و«تنتج» الشرق على وجوه السياسة والاجتماع والحرب والأيديولوجيا والعلم، «المتخيَّلة»، طوال الحقبة التي أعقبت «الأنوار». ويخلص من التعريف الهجين والتجريبي هذا إلى القول إن مكانة الاستشراق ودالته، وهما نظير «السلطة» المفترضة، تقيّدان كلّ من يكتب ويفكر ويفعل في الشرق بحدود أو بقيود على الفكر والعمل لا مناص منها لـ«من» يكتب أو يفكر إلخ. وليس لـ«ما» يُكتب أو يُفكَّر... على ما يذهب إليه ميشال فوكو، النزول على حكمه وضبطه.

وفي الصفحات الأخيرة من المدخل، يتحفظ سعيد عن «جبرية» تناول الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي أعمال الكُتّاب، وحمله إياها على مترتبات بنية المقالات الغفل، ونفيه عنها التأثير المتبادل والظرفي، على نحو ما حصل لعمل إ.و.لاين في آداب المصريين المحدثين وعاداتهم. وإذا عاد إلى معنى المقالات، في الفصل الأخير من الكتاب (قبل أن يلحق به، في 1994، ذيلاً جديداً)، عرفها بالتحجّر على تقرير واحد وبالتوالد من نفسها، على ما ذهب إليه رولان بارت.

ولكن دليل معالجة سعيد الفعلية، وموضوعها، هو «الأساطير الأيديولوجية». وهذه، في مسألة الاستشراق، منحى أو أسلوب في التفكير يقوم على تفريق كياني ومعرفي بين «الشرق» و(غالباً) «الغرب»، ويحمل «الشرق» على الاستبداد والفخامة والقساوة والحسية والعنف والحط من النساء واللاعقلانية إلخ، من غير احتكام إلى مادة البحث، وقبل وصف هذه المادة.

واستقر هذا التفريق وتعاظم، ومعه «أفكاره المتعارَفة»- على قول الفرنسية وقاموس فلوبير فيها، و«مواضع (القول) المشتركة»، على تنويه غرامشي (1891- 1937) في ركن الهيمنة الأيديولوجية التي يرجوها سعيد لنقده الأحكام الاستشراقية- جراء التوسّع الإمبريالي الغربي، وإنشائه الهيئات والمؤسسات الأكاديمية، وإلحاقها بالمؤسسة الجامعية المهيبة، وذات الدالة العلمية والمعنوية الكبيرة. وأسبغ هذا الإلحاق، ويراه الناقد الغاضب ذروة التعسف والاعتباط، على ترهات برنارد لويس وهارولد لاسويل وأ. شوي وفون غرينباوم ومورو بيرغير، وعشرات غيرهم من المجهولين والمشهورين، صفة «الخبرة» غير المستحقة. ودرّ عليها تمويلاً سخياً من مصادر عربية، وعسكرية محلية.

كشكلة

يجمع الكاتب في صعيد واحد منتخبات من «أفكار» الخبراء أو من يصنّفهم كلهم وعلى قدم المساواة خبراء ويُدخل أعمالهم كلها في باب «الخبرة»- سواء أكانت بحثاً تاريخياً موثقاً أم مقالاً ظرفياً وتحريضياً- إلى أعمال أدبية وفكرية مثل أعمال شاتوبريان وفلوبير وفكتور هوغو وغوته وشليغل، وبعض كبار اليونانيين القدماء، مثل هوميروس (القرن التاسع ق.م.) وأول المسرحيين إسخيلوس (525 ق.م.- 456).

ويكذب تناوله المادة المترامية التي يتناولها وحدة الصعيد المدعاة، والإدراج في باب جامع بين الاستشراق (صفحاته في روايات فلوبير أو في أعمال لوي ماسينيون)، والبيان الدعائي الحزبي والظرفي (صفحاته في خبراء البنتاغون). وعلى هذا، فالكتاب عمل جامعي يحذو من وجه، على حذو جامعيين يجلهم الكاتب، من أمثال إريك أويرباخ، وهو، من وجه آخر، آلة سجال مع مقتطفات فقيرة، لا يتورّع صاحبها، أي سعيد، عن محاكاتها.

وتصدر هذه «الكشكلة» (من مثال الكشكول) عن إرادة الكاتب تقويض الجهاز السياسي والأمني والعسكري (الفكري) الذي انحط إليه الاستشراق الجامعي والفقهي اللغوي الأول، على رغم التباسه منذ بداياته ولكن على نحو يخالف تواطؤه البوليسي. وهو ينسب إلى الخبراء، وإلى تغلغلهم في التدريس والبحث والنشر والإعلام، نفوذاً راجحاً خوّلهم، على رأيه في غزو العراق في 2003، قرار الحرب، أو شطراً وازناً منه. ودليله على هذا يقتصر على موافقات ومتوازيات، وليس على سلاسل سببية وخبرية، على ما هو متاح في بعض السياسة الأميركية.

ولا ينكر سعيد أن من أغراض دعوته وعمله، وهي كثيرة على ما مرّ، مكافحة الاستشراق في حواضره الإمبريالية، وفي مستعمراته وأطرافه «الشرقية»، وتحرير الثقافة، و«الأناسة» (الأنتروبولوجيا) على قوله، من أحكامه وأفكاره. ويطمح التحرير والمكافحة هذان إلى قطع حبل السرّة بين سياسة التوسّع والقهر والكذب الإمبريالية، الغربية، وبين تسويغها بل تحفيزها وحقنها عن يد صناعة رخيصة وهزيلة، يعزلها الكاتب عما يعاصرها ويعظّم أحجامها ودلالاتها، تتقنع بقناع تقاليد ثقافية وجامعية عريقة، يكنّ لها الكاتب الفلسطيني- الأميركي احتراماً محافظاً و«شريفاً» (أريستوقراطياً).

وقد يكون هذا سبباً في الأصداء البالغة والقوية التي استقبلت الكتاب في أوساط المتعلمين والمثقفين العرب عموماً، من وجه، وفي عقم هذه الأصداء، على ما لاحظ سعيد نفسه، من وجه آخر. فالإطناب المزمن والرتيب في مديح الكتاب، وتوحيد الكتاب في الكاتب أو «الرجل»، على قول المحدّثين (نقله الحديث النبوي) والمخبرين في «علم الرجال»، وإغفال مسوغات المديح والثناء، والاقتصار على إحصاء الأعمال الصادرة في الكاتب، والمباراة في ترشيحه إلى كبرى الجوائز العالمية- هذا كله ماشى نازعاً في الكتاب إلى المبالغة في تقويم دور المثقفين «الخبراء»، أو «التقنيين»، على ما سمى غرامشي وجهاً من وجوه دورهم في الهيمنة البورجوازية، وفي هيمنة «فلسفة العمل» وحزبها وطبقتها العاملة.

ويوحي الكتاب، من طرفٍ منه وعلى نحو يعوزه البيان، بأن في وسع «نقد» «الأساطير الأيديولوجية» الاستشراقية- على مثاله هو، وحملِه كل أسطورة من هذا الصنف على «استشراق» من غير ضفاف ولا تخصيص- تقويض الاستشراق، وربما شل أثره، وردع أصحابه والحؤول دون بث سمومهم في السياسة والحرب والثقافة، وبرنامج هذا العمل هو تسمية مواضع الاستشراق ومكامنه مباشرة ومن غير لف ودوران، وردها من أقصر طريق إلى مجموعة من الأحكام القَبْلية الشائعة والجاهزة.

الزيف وحده

ومثل هذا الإيحاء- ويصاحبه على الدوام استدراك كثير الوجوه يشدد على أن الكاتب لا يقابل بين شرق زائف ومُستشرَق وبين شرق حقيقي، ولا يزعم علماً بحقيقة هذا الشرق، ولا يحمل الاستشراق على افتعال عامل، ويكرر أن غرضه هو دحض التبويبات المتعسفة في مناحي الفكر والعبارة كلها...- يلاقي نازعاً قوياً إلى إجابة سؤال لينين التاريخي والتقليدي «ما العمل؟»، بجواب صاحبه الثاني: «بناء التنظيم الطليعي والثوري». وقوامه المثقفون، الثوريون المحترفون والمسلحون بنقد الاستشراق، في معرضنا العربي والإسلامي النهضوي، والإحيائي، والصحوي، بديلاً من نقد الاقتصاد السياسي الرأسمالي والبورجوازي.

وبعض القرينة (وليس البرهان) على الزعم المتقدّم يقرأ في الذيل (الملحق) الذي ذيّل به سعيد، في آذار 1994، طبعة جديدة من كتابه. ففي الفصل الثاني من القسم الجديد يتناول الكاتب ظروف الإقبال السياسي و«الأدبي» العارم والمتجدد على الشرق (=الإسلام)، و«غرق» الصحافة والإعلام الأميركيين في لجة هذا الإقبال. فيرسم جدارية عريضة لحال العالم و«سمات عصرنا»، على ما كانت مؤتمرات الأحزاب الشيوعية تقول. ويتناول الاتحاد السوفياتي، غداة ثلاثة أعوام على انهياره، فيقول إنه «جُزّئ» و«قُطّعت أوصاله»، في صيغة المجهول. وهذا يفترض مجزِّئاً من غيره، ويبرئ «داخله»، وهو دواخل، من تجزئته.

والجنوب، وبعضه شرق، وقع في فخ الدّين. وتوارى عدم الانحياز وقادته. ولا تزال الولايات المتحدة القوة المسيطرة. فكانت الردود على هذه الحال تفشي الأصولية (الدينية) ونظائرها الدنيوية الزمنية، والعصبيات القومية، وتمييز الثقافات، على مثال صنيع صمويل هِنتينتون. وتتصدر أسطورة «الحضارة الغربية»، الغائمة والمتشاوفة والمُدِلَّة بحفنة من القيم والأفكار التي لا دلالة مهمة لها خارج تاريخ الفتوحات والهجرات والأفكار وخليط السكان، التي منحت الأمم الغربية هويتها المبعثرة الحالية.

قطيعة معرفية

ثمّ يذكّر سعيد بأن إحدى مقالات الاستشراق المضمرة ذهبت إلى أنّ فرضَ (الغرب واستشراقه) على الشعوب والثقافات أبواب التصنيف العرقي أو النوعي عنوةً يبرز الرابطة الضمنية بين فهم المشكلات والقضايا فهماً منحرفاً وكاذباً، وبين مفهومات تتوسل بالتصنيف المعياري، على شاكلة «الشرق» و«الغرب»، إلى فهم المشكلات المعقدة والكبيرة.

وفي ختام هذا التشخيص، في ضوء مقالة كتابه، وبرهانها الساطع على بطلان تصنيف الثقافات والحضارات ومواد البحث، لم يفتأ ص.هنتينتون، صاحب صدام الحضارات (993)، وف. فوكوياما، صاحب تمام التاريخ (1992)، على رغم ذلك (أي على رغم مقالة الكتاب) يحتفظان بسطوتهما على الرأي العام. فما يستوقف إ. سعيد، صاحب الاستشراق، والمقالة المنددة بالتصنيف وبثمرته الفجّة، شرق الاستشراق، ويثير دهشته وسخطه أن أفكاراً غربية، من غير دلالة ولا قوة، لا تنفك تتجدد وتتناسل وتنبت لها رؤوس وأذرع، على شاكلة التنّين، بعد أن جند لها الـ«مار» الفارس.

ومثل الدهشة والسخط هذين يشبهان القول بـ«القطيعة المعرفية» العتيدة، وحمل «علم التاريخ» الماركسي الألتوسيري، والنسبة إلى لوي(س) ألتوسير (1918- 1990) الفرنسي، عليها. وهي تقضي بسقوط القول بالإنسانوية، وبفعل فاعلين أفراد في التاريخ، في «ما قبل الماركسية» وعلمها، والتيه في الأيديولوجيا (وتعريفها هو نصبها الفرد الأنسي ذاتاً). ويترتب على «القطيعة» وعلى علمها على الخصوص، إنشاء حزب القطيعة، وهو حزب مركزي لأنّ «العلم» يفكر على نحو واحد من أي موضع فكري وإن أبطن مرجعاً أو مرشداً أعلى.

ولا يقلق الانفراد بالهداية، وتتمّته أو مقدّمته هي الانفراد بالتبديع والتضليل (الحكم بالضلال)، صنو الحمل على الاستشراق- الناقدَ المنكر الكلامَ من موضع ونسبة وتاريخ تقيّده وتعرفه. فهو «خارج» المواضع والأنساب والتواريخ، على قوله لاحقاً في سيرته، وفي مواضع كثيرة من كتابه. ومن «خارج» هذا- إذ لا يصحّ القول: «من هذا الخارج»- يدين الكاتب أهل المواضع، ويضبطهم متلبّسين بالاستشراق، على معانيه كلها: من معنى التصنيف والتمثيل «الموضوعيّين»، على شاكلة اليوناني إسخيلوس، إلى معنى الخرافات والتخيُّلات الأيديولوجية التي تربط «الثورة»، على سبيل المثل، بالاضطراب والهياج العصبي والجنسي، متذرّعة بالشروح المعجمية اللغوية القديمة.

التمثيل

على هذا الضوء يتناول سعيد، في القسم الثالث من المدخل الذي يصرفه إلى مواد منهجية، مسرحية إسخيلوس الفرس. وتمثل المسرحية على أصل استخرجه أستاذ الأدب المقارن ويقضي بنهوض الاستشراق، عند منعطف القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد وعلى يد يوناني كانت الأناضول والضفة الجنوبية الشرقية من البحر الأسود في دائرة فضائه الاجتماعي والثقافي والسياسي، على «البرانية». وعلى هذا، فغرض المستشرق إسخيلوس هو الدلالة على أنه خارج الشرق، وجودياً وأخلاقياً. وسند هذه الدلالة هو التمثيل (على ما يروي أو ينقل أو يسترجع) والتصور، على معنى تجديد- الإحضار (ري- بريزينتيشين).

وحين يوكل المسرحي اليوناني إلى جوق نساء فارسيات، أي آسيويات شرقيات (على ترجمة سعيد) البكاء على قتلاهن في واحدة من الحروب التي صد فيها اتحاد المدن اليونانية ملك الملوك الفارسي في وقته، وجيشه العرمرم (نحو 70 ألفاً إلى 300 ألف نظير نحو 7 آلاف يوناني)، يشخص الكاتب استشراقاً. والجوق في المسرح اليوناني القديم هو لسان الجماعة ومداولاتها، على ما ذهب إليه نيتشه في ولادة المأساة اليونانية (1872). وفن المأساة سعي في تغليب أبولون، إله التناغم والتناسب والشكل والنهار، على ديونيسيوس، إله النشوة والفوضى المدمرة والأخوة الرحمية (وليس الرحمانية، على خلاف تأويل جاك بيرك، في «نقله معاني» القرآن إلى الفرنسية، وحمله «الرحمن» على الرحمي) والليل.

فحين يوكل الكاتب المسرحي إلى جوق فارسي تأبين صرعى الفرس، لا يعدو التمثيل على الانقسام العميق بين الآلهة وبين البشر، بين الأقدار وبين الإرادات، بين القانون والحدود وبين الأرحام والأهواء... والتجديد اليوناني (والغربي من بعد؟)، وإشهاره الانقسامات وإدارته عليها الفعل والعقل الإنسانيين، يراها «اللامستشرق» تستّراً على واقعية معيبة (الصفة منّي) هي أن جمهوراً يشاهد إخراجاً مصطنعاً لما جعله «غيرُ شرقي»- هو اليوناني الهجين، والغارق إلى أذنيه في الأسرار والطرق والتسليك وفي فن السياسة والحرب «الشرقية»- رمزاً للشرق كله. والبكاء الفارسي على الأهل تثبيت للفارسيات، وتحجير لهن على صورة الثكل والموت.

وعلى هذا، فالمسرح اليوناني كله استشراق في استشراق، على معنى يحمل الاستشراق على قول الانقسامات كلها، النفسية والاجتماعية والفكرية. فثلاثية إسخيلوس الأورستية، تروي الثارات والخيانات والانقسامات التي تعصف بأسرة الأتريديين، ملوك اليونان، في عودتهم من حرب طروادة، وقيام بعضهم على بعض، ومن ورائهم مكائد الآلهة، وميولهم وقضاياهم. فيدور التمثيل- تجديد الحضور على صورة تنفي أو تعلق توهمه والاستغراق في توهمه- على الترجّح بين إله الحضور المولَّد، غير الخام وغير المستغرق، وبين الوعد المميت باستغراق بدئي. ويسمي سعيد «هذا»، وهو لا ينتبه إليه ولا يبصره، تقنيات الغرب التي تستحضر الشرق «هنا» (أترك جانباً «ترجمة» الكاتب نقدَ ج. دريدا، بعد هايدغر، افتراض «الميتافيزيقا الغربية» الحضورَ ابتداءً أول، وسابقاً الفرقَ والإرجاء والقدوم من الآتي).

ويجرد تناول الكاتب السريع الموضع اليوناني هذا من ملابسات التاريخ الفارسي- اليوناني. فموقعتا تيرموبيل (480 ق.م.) وماراتون (470 ق.م.)، معالم على ولادة المدينة اليونانية من مجابهة «الملك الكبير»، على ما سمى اليونانيون سلطان الفرس و«طاغيتهم» (على وصف العرب أباطرة الروم)، وموت المدينة، حاضنة اجتماع «الحيوان السياسي» و«الحيوان الناطق»- اليوناني.

ومن مثَّلوا على احتمال موت المدينة، أي قوروش (530 ق.م.) وأولاده وأحفاده الملوك الذين حاربهم اليونانيون، كانوا الأعداء، من وجه، ومن وجه آخر كانوا مثالاً سياسياً كبيراً ومشتبهاً، على خلاف تصوير سعيد التمثل اليوناني.

فكتب إكزونوفون (431 ق.م.- حوالى 370؟) تربية قوروش، هو «الديموقراطي» الأثيني وتلميذ سقراط، ومثَّل بالطاغية والفاتح «الكبير» على الحكومة الفاضلة و«السقراطية». فالمثالات، حتى السياسية منها وهي في الثقافة اليونانية معيار تمييز «المدني» من «البربري»، تقبل التهجين والتعهيد أو التنقيل، إذا تناولتها مقالات أدبية وفلسفية «حقيقية». ولم تغفل تقاليد إمبراطورية يونانية (مقدونية) ورومانية عما سمّاه أرنالدو موميليانو «حكمة العلوج» (1987)، كناية عن «أجانب» الإمبراطوريتين نسباً ولغة وديناً ومجتمعاً.

وعلى هذا، فإقحام دعوة الغير والعدو الفارسي، في صورة جوق النساء اللائي يبكين قتلاهن، إلى المسرح، في باب استشراق (حيث لا شرق ولا غرب بعد) جامع ومانع يتسع للتصنيف البراني والتشييئي المفترضين على أنواعهما- هو فرز متعسف، ومعياره إيجاب سعيد مثاله الأدبي والمعرفي المضمر «فكرة» تنظم من وراء الأفق المقال والحال أو المقالات والأحوال.

خطيئة أصليّة

وتعقبُ الكاتب الحريص والمدقّق خُلفَ الاستشراق الأول أو خطيئته الأصلية، وهي وقوعه الرتيب على ما سبق له أن «عرفه» وأيقن به قبل أن يرى (عموماً ومن غير تخصيص)، لا يدعوه إلى محاكمة مَن يمسكهم الكاتب متلبّسين بالخطيئة، مع ما تقوم به المحاكمة من قانون أو شريعة، ودعوى، ومُتَقاضين، وشهود، ومحكمين أو حكومة، وقرائن، من غير استبعاد العرّافين ومُؤوِّلي الآيات وقرّاء العلامات (شرط ألا تكون المحاكمة سوفياتية أو أسدية...). فلا يمثل في قفص سعيد إلا المتهمون المذنبون. واقتصار مقالة نقد الاستشراق على استجواب المستشرقين هو أصل منهجي.

وصاحب المقالة ينفي، في طول كتابه وعرضه، »تهمة» معارضة شرق المستشرقين المصطنع والمُحدث من (لا) مادة، بشرق «حقيقي» لا يزعم، متواضعاً وأميناً لأوائل نهجه، علماً به. وهذا من مقتضيات البحث في «الأبنية المقالية» التي يرفع الكاتب لواءها، ثم يرقع خروقه، ويقترح بعض التقويمات و«التصحيحات» على ألوانه وقماشته، ويخلص إلى طيّه من غير التخفّف من قصده البعيد: جلاء الاستشراق في صورة باب («قاطيغوري»، في ترجمة أرسطو «السريانية») من أبواب الوجود غير الأصيل، والوجود الغفل والتقني.

ويقوده اختصار المحاكمة، واستبعاد أصحاب الادعاء الشخصي أو المدني- فادعاء الحق العام، ويمثله سعيد، وحده مقبول- إلى تنحية مصدر استشراق آخر، غير براني، هو الاستشراق الداخلي. فلاحظ الروائي الإسباني، خوان غويتيسولو (1931- 2017)، في الأخبار الشرقية (1985) أن مصدر الألوان التي لوّنها المملوك الإسباني الأصل، الشرق إنما هو ألف ليلة وليلة، وغيرها من الأخيلة الشرقية والاستشراقية، على قوله. وتحتفظ الملاحظة هذه بمعنى الاستشراق السعيدي. فالاستشراق الداخلي، مصدراً عيناً ومعنى، شأن الخارجي، يروي الشرق في صور وصيغ الخيالات، والتهويمات، والسحر، والرغبات، والشهوات، والثارات، والإرادات السلطانية والملكية والأميرية، والمراوغات، والأقنعة… 

ورواية ألف ليلة وليلة شرقها، واستشراقها إياه من «داخل»، على مقابل البرانية  التي يعزوها صاحبنا إلى بنية المقالة وهوية أصحابها، لا يحول، ولم يحل، دون قراءتها على وجه «تأنيث العالم»، على قول مالك شبل في الحكايات العربية (-الهندية).

ففي سعيه تخصيص الشرق ببعث الغرب والغربيين والمقتفين على خطاهم من «الأهالي» وأولاد الناس، عزف الرجل عن فحص علاقة الاستشراق ومقالاته بالمقالات المعاصرة في الجماعات الدونية (او جماعات «البدون»، على قول الكويتيين في جماعتهم المنبوذة). وهذه الجماعات، مثل أهل البدع والشّيع، وأهل الذمّة، والموالي، والرقيق، والملونين، والمجانين، والنساء، والفقراء، والمسجونين، والأطفال، والمثليين، والبدائيين، والبدو، والغجر (أُحصي من لا يجوز جمعهم ولا يشتركون في أبواب متصلة، عمداً)، هؤلاء خالط التسلطُ عليهم وسوسهم، «معرفتهم» وتقصي أحوالهم.

فكانت معرفتهم، أو العلم بأحوالهم، وتدبير أو إدارة هذه الأحوال على طرائق وتقنيات منتظمة ومتماسكة، يتولاها طاقم بعينه، في أماكن مخصصة- وجهاً من التدبير والإدارة، أو هي ركن هذين، و«فعل الخياط الذي يسوي في الثوب»، على قول ماركس. ولما تناول ميشيل فوكو تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي (1963)، بين منتصف القرن السابع عشر وأوائل التاسع عشر، قَرَن تناوله محل الجنون من «الأنا أفكر» الديكارتي، وملازمةَ التفكر وجودَ الفكر في الجنون، بإنشاء ملجأ المدخولين أو المجانين (1 في المئة من سكان باريس في العقد السادس من القرن السابع عشر إبان جردة «الحَبس الكبير»). فاستدرج دوام الموجود الفكري في قلب الانحراف، على زعم مقالة ديكارت (1596- 1650)، إلى حضانة هذه البقية، وتخصيصها، ورعايتها، وذلك في إطار هيكلة جديدة للمعارف، وللعلاقات الاجتماعية.

وتاريخ «علم الجنون» (علم الأمراض العقلية، أو علم الأمراض العصبية، أو علم النفس المرضي، إلخ) ومقالاته، على هذا، هو تاريخ المحابس والملاجئ والمستشفيات والعيادات، والمعالجات والأنظمة الداخلية والطواقم والتقارير والأدوات التي حضنتها المباني والأماكن في الأثناء. فجدد هذا النهج في التأريخ ما عُرف من قبل بتاريخ الأفكار. ونهض هذا على تعقّب آثار العصر في الأعمال الفكرية والأدبية والفنية، وحياة صاحب العمل في عمله، من وجه أول. وفتش، من وجه آخر متصل، عن تلاقح الأعمال، وتأثيرها بعضها في بعض، وتأثير أصحابها بعضهم في بعض، على نحو ما «جدّد» إدوار سعيد نهج المؤرخ الفرنسي.

«السلطة- المعرفة»

وعلى خلاف «المعرفة- السلطة» المتداولة في معظم كتاباتنا، وفي استشراق سعيد، يدرج صاحب النهج والمفهوم موضوعاته في صلب تاريخ أطوار البنى العميقة للمجتمعات. ويدعوه هذا إلى تاريخ الانتقال العريض، في أثناء القرون الأربعة الغربية «الحديثة» من برانية السلطة والمعرفة والسياسة والحرب والتربية واللغة والصحة... إلى «جوانية» تُخرج الفوقي من التحتي، وتشرك التحتي في النظام العام، وترسي النظام العام هذا على مقاومته وانتهاكه اللذين يبعثهما ويستدرج إليهما.

وفي ضوء التذكير الموجز هذا، يبدو مفهوم «المعرفة- السلطة»، ونهج إعماله في التأريخ والنصوص، مقحماً على موضوع الاستشراق إقحاماً متعنتاً ومتعسفاً. وتدل بعض القرائن الثانوية والذاوية إلى إدراك سعيد المسألة. فهو يرسم برنامج دراسته موضوعه على مثال يلحظ، قولاً، الأبنية الشاملة التي تتناول الشرق بمقالات وأفعال أو مواقف، وبتعليم وإدارة وحكومة وأسلوب في السيطرة على الشرق. والحق أنه لا أثر لما يصدق هذا البرنامج غير الشواهد من الأحكام العامة. ويبقى الكلام على التعليم والإدارة والحكومة، وهذه الموضوعات جزء قليل من الحقول المفترضة في «المعرفة- السلطة»، معلقاً.

ولا يصدّق قولَ سعيد المفاجئ، في مطلع القسم الثاني من مقدمته، إن الشرق استُشرق، على مثال القرن التاسع عشر النمطي، جراء قابليته لأن يُستشرق، مصدّقٌ أو دليل. فهذا الرأي الذي سبق لمالك بن نبي (1905- 1973) أن أدلى به على عواهنه، وفي موقف خطابي يشتق النتائج (بعضها) من مقدمات على صورة النتائج- هذا الرأي لا تترتّب عليه معالجة تتطرّق إلى القابلية. فهذه القابلية هي صنو الداخل ومرادفه. ولا يتكتم سعيد، على ما مر، على انصرافه عن الداخل، أو الجوانية، إلى خارج الاستشراق المضاعف: خارج المصدر الإمبريالي، وخارج الكلام الموجِب والقَبْلي.

وهو يذهب، في موضع قريب من الأول، إلى أن استراتيجية الاستشراق الثابتة، أي مفارقته المتعالية، تَبَع لموقع أوروبا وصدارتها «المدهشة» بين عصر النهضة وبين اليوم. فوسع «العالِم»، والمبشّر المرسل، والتاجر، والجندي، الإشراف من علو على شرقهم من غير قلق، واستشراقه تالياً في مقالاتهم، لأنهم «لم يلقوا مقاومة» مصدرها الشرق (الحقيقي، إذن؟). ولا يقع قارئ كتاب سعيد، إلا لماماً وعلى نحو شديد الإجمال (مثل اختلاف رأيين صادرين في العرب عن رجل واحد غداة 1967 ثم غداة 1973، أو في الصين بين الحربين ثم اليوم...)، على تظاهرات هذه المقاومة أو وقائعها، وأثرها في مقالات الخارج الإمبريالي «منذ العصر الهوميري»، أو في مقالات الداخل.

ويعزو سعيد الاستشراق، في صيغة التعدي (استشرقه: حمله عنوةً على شرقية مفترضة ومزعومة ومحدثة)، إلى زعم المستشرقين القيام مقام الشرق أو الشرقيين، والكلام «محلهم» وعوضاً عنهم، بسبب سكوتهم وعجزهم عن الكلام بالأصالة عن أنفسهم. والسكوت، بل الخرس الشرقي هذا يدعو المستشرقين إلى ثرثرة مستفيضة. ويتحرى سعيد عن مثال هذه العلاقة في رسائل غوستاف فلوبير الشرقية، والمصرية على الخصوص، وروايته مضاجعته كوتشوك هانم، المومس «الشرقية». فلا يدري القارئ (الكاتب) إذا كان تقرير سعيد الواقعة التي يرويها فلوبير بحرفها تقريباً، نقداً من غير موضوع ولا علة ظرفية، أم هو تثنية تقوِّل فلوبير رأياً لا يدفعه. وفي رد على ناقد روايته سالامبو (1862)، سانت بوف، أخذ على فلوبير إجراءه على لسان المرأة كلاماً لا يناسب نفسيتها، قال فلوبير: ليس في وسع أحد منا التكهن بما يدور في نفس امرأة لا تفصح عن نفسها، كانت الأميرة القرطاجية أم المومس المصرية العثمانية.

فمَنْ أو ما يكبح هذه الثرثرة؟ إما مقاومة من داخل، يعزف سعيد عن استقصائها واستحكائها، ويكاد ينفي وجودها، وإما «عِلْم» محايث يستبطن مادته الحية، ومتحرر من أجهزة السلطان الإمبريالي، وصنيعتها الداخلية والكومبرادورية (الوسيطة). ويتردد الكاتب على عتبة حمل تأسيس مثل هذا العلم على نفسه وعمله. فيكتب، في مطلع تذييله طبعة 1994، أن الاستشراق صار في الأثناء، أي غداة عقد ونصف العقد على طبعته الأولى، «عملاً جماعياً يتخطى كاتبه».

وفي ضوء تتمة الذيل، يعني القول هذا أن الكتاب صار لبنة مركزية في مبنى الدراسات المابعد (أو ما بعد) الكولونيالية. وهذا صحيح من غير شك، ويرجّح الشق الثاني من المسألة وجوابها، أي شق العلم والمعلم والشيخ العلامة، وربما الإمام المرجع. ولا تتطاول المرجعية إلى الداخل، العربي والإسلامي. فحصاد الداخل هذا عقيم. ولا يقر «المعلم» بأن الحصاد يكاد يقتصر على حمل الاستشراق على شتيمة، ومجتمعات أهله وأصحابه ودولهم على أعداء يجب قتلهم وإذلالهم، على خلاف حضّه على فهم هذه المجتمعات. ولكنه، في هذا المعرض كذلك، تترجّح مقالته بين أضداد تأتلف من غير عسر في احتجاجه.

داخل ومقاومة

ويمثل سعيد على مقاومة الداخل الكتابية والفكرية، في موضع فريد من كتابه، بالمقابلة والمعارضة بين صفة مصر، العمل المتخلف عن الحملة الفرنسية البونابرتية على مصر المملوكية والعثمانية، وبين تاريخ الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار (1822). ولكنه ما أن يدون المعارضة حتى يطويها ويصرفها، فيكتب أن الأول، ثمرة الغزو الفرنسي، «يسحق شهادة عبد الرحمن الجبرتي». ويعلل السحق المزعوم بـ«موضوعية» الرواية البونابرتية، وتناولها مصر من «وجهة نظر رجل ذي سلطان». أما رواية الجبرتي، فصاحبها رجل «سدد الجزية المفروضة على الأسرى المغلوبين». والتعريفان لا علاقة لهما بالعملين، ولا يفيدان شيئاً عنهما.

وبعد تقرير «السحق»، يذهب سعيد إلى أن العملين «معاً، تجربة تاريخية»، ودراستها، المرجأة لا إلى أجل، تقتضي جهداً يفوق اجترار التنميطات المكررة على شاكلة «نزاع الشرق والغرب». وفي موضع سابق آخر، نعى الناقد الأدبي على عمل البعثة الفرنسية «تحنيط» مصر في أبواب إحصائية، ورسوم ميتة، ليس في مستطاعها النفاذ إلى المعاني المصرية.

وافتراض المقارنة، آلت إلى السحق أم قصّرت عنه، هو من باب الرجم في عماية، على قول عربي قديم، أي التخمين من غير قرينة أو دليل، وكلام يُلقى على عواهنه. فشيخ رواق الجبرتية، ومؤرخ وقائع المصريين، بقضّهم وقضيضهم، قبل الحملة الغازية وفي أثنائها وبعدها، منذ استيلاء محمد علي باشا الأرناؤوطي (الألباني) على الولاية وحملته على الحجاز إلى مساندته السلطنة في اليونان- هو «مؤرخ اللحظة» (التاريخية)، على قول ألبير كامو في صحافة ما بعد الحرب الثانية. ويومياته وحولياته تاريخ سياسي واجتماعي محيط بالنزاعات، والانقسامات، والجماعات الكثيرة، ومسارح أفعالها.

والقول إن عجائب... الجبرتي لا تقتصر على أخبار أهل القوة، على ما سمى فقهاء «العصر العباسي» الحكام والولاة، وأفاضت في رواية أخبار أهل الضعف، مثل طوائف الحرف، وطرق التصوّف، وأهل الأسواق، وسواقط الجماعات المسلحة، والعربان، وفي أخبار الجماعات الوسيطة مثل علماء الأزهر ومدرّسيه، على اختلاف منازعهم- هذا القول لا يفي الرجل حقه.

فهو لا يدوّن البعثرة وحدها، بل يُسلك الحوادث المتفرقة، من غير أن يغفل مسرحتها نفسَها، وإخراجها الوقائع في حلل مزركشة، في جُمل سياسية متماسكة. فيروي النزاع بين عمر مكرم، الشيخ الأزهري والعامي (من العامة والعوام) الكبير، وبين محمد علي، العسكري العثماني والمرتزق الماهر، على نحو يشرِّع التاريخ على كثرة الاحتمالات، وتعدد الآفاق. ومن هذا الوجه يخرج تاريخه من «المقابلة الأبدية بين الغرب والشرق»، على قول سعيد العام وغير المعلل. ويروي تصدي أهل رشيد، المرفأ المصري، للفرقة الإنكليزية، وانتصارهم عليها، وتكذيبهم، موقتاً للأسف، زعم محمد علي أن الحرب اختصاص الولاة وما على الرعية إلا أداء «الجامكية» (الفريضة).

أي أن تاريخ الجبرتي هو تاريخ «بضمير الأنا»، على قول الفرنسي جورج بوليتزير (1903- 1942) في التحليل الفرويدي، مادحاً، أو بضمير نحن كثيرة ومنقسمة وفاعلة ومتحرية وقائلة. وهو فرصة للخروج من إثنينية فقيرة وخانقة، ليس من طريق المعارضة بينه وبين صفة مصر، على ما يحسب سعيد المتحجر على (نقد) الاستشراق، بل من طريق استئناف نظر الشيخ الأزهري وموقعه من أخباره وعجائبها، ومن بلده ومجتمعه و«شعبه».

والحق أن عزوف سعيد عن انتهاز فرصة الجبرتي، وربما غيرها من الفرص، عَرَضٌ من أعراض نهجه في تناول ما يسميه الاستشراق، وحمله موضوعه على «أبنية مقالية»، وترجّحه بين تعقب المقالات النقدي، والقليل الصيد والثمرة، وبين نقد الأيديولوجيا، و«فضح» زيفها وتبعيتها المباشرة والفظة لسلطة لا قيد عليها في «أرض سيبة»، أو أرض قتل حر، على قول عسكري أميركي وروسي وإسرائيلي وسوري وداعشي...

وعلى شاكلة مديحه الجبرتي، ومرِّه به مرَّ الكرام، يمدح «عدوّ» الاستشراق أنور عبد الملك (1924- 2012)، وعبدالله العروي وبعض الفرنسيين المعاصرين، مثل مكسيم رودنسون وجاك بيرك. ولكنه لا يمدح عبد الملك المصري على كتابه في الناصرية، مصر مجتمعاً عسكرياً (1962)، أو على كتابه الآخر في نشوء الدولة الوطنية المصرية، أوائل القرن التاسع عشر، الأيديولوجيا والنهضة الوطنية (1969)، ولا يمدح العربي على تاريخ المغرب (1981)، أو كتابه الآخر في تاريخ الحركة الوطنية في المغرب. ويحصر مديحه بتحفّظ الكاتبين عن الاستشراق، في مقالتين ثانويتين، قياساً على أعمالهما التي تناولت تاريخ البلدين والمجتمعين واجتماعياتهما، وكتابتهما في ضوء أحوال مجتمعيهما، وخبرتهما بها. وهذا جزء من تصدّي «الشرق» للكلام. أي هو يمدحهما على تمهيدهما الطريق لزحف إدوارد سعيد على القلعة الاستشراقية وحصارها، ودكّها، وتركها خاوية على (أنقاض) عروشها، وتنعق غربان كثيرة على أسوارها.

آخر الأخبار

تعليق

الموتوسيكل في وجه «الدولة»

سامر فرنجية
الاحتلال يستهدف زوارق الصيادين في رفح
سيناتور أميركي يستدرك: سوف تلاحقنا المحكمة بعد إسرائيل
اتّهام المخابرات المصرية بإفشال المفاوضات بعد خداعها إسرائيل وأميركا
إيرلندا والنرويج واسبانيا تعترف رسمياً بدولة فلسطين
النرويج: سوف نعتقل نتنياهو وغالانت إن صدرت مذكّرات التوقيف