تعليق ميديا
روي ديب

إحذروا وقاحة الإعلام

20 أيار 2022

كنتُ، لسنوات، قد امتنعتُ عن مشاهدة البرامج الحوارية السياسية على التلفزيون لتفاهتها. لكن بدأت تصلني أمس رسائل تسألني إن كنت أشاهد حلقة الـMTV. وليتني لم أشاهدها.

لم أستطع أن أتابع الحلقة من أوّلها، لكنّني شاهدت تقريباً ساعتين منها. فاتني مشهد الدخول والورود، ولم أسمع إبراهيم منيمنة ينطق بكلمة واحدة. انتهت الحلقة وألقيت نظرة على فايسبوك وتويتر. فكانت جميع التعليقات تطال هذه الحلقة، وترتبط بصوابية المشاركة في برنامج كهذا مع إعلاميّ كهذا.

وسوف أبدأ من هذه النقطة.


هل كان عليهم المشاركة؟

صحيح أنّ هناك، في دائرتي الاجتماعية والافتراضية الصغرى، امتعاضاً كبيراً من مارسيل غانم وما يمثّله، امتعاض يصل أحيانًا إلى مقاطعة برنامجه. لكنّ دائرتي تبقى أقليّة. عائلتي تشاهد مارسيل غانم، والناخبون الذين سعينا لإقناعهم بـ«المرشّحين التغييريّين»، والذين جعلوهم نواباً، يشاهدون مارسيل غانم. وأنا شاهدته بالأمس.  

فهي منصّة إعلامية مثل مثيلاتها، وتبقى كذلك حتى لو اعتقدت المحطة ومعدّو البرنامج ومقدّمه أنها أكثر من ذلك. وحتى لو استُخدِمت لتلميع صورة البلاط والمصرفيين، إلّا أنها تستمدّ قوّتها وحجمها وأثرها علينا، منّا نحن المشاهدين، وعلينا أن نبقى نقديّين ومسائلين.  

لا مفرّ من المشاركة في برامج كهذه على تفاهتها، ولكن على النائبة دوماً محاولة فرض خطابها ولغتها. وذلك ينطبق على أي إطلالة إعلاميّة. إذ إنّ الإعلام المرئي غدّار، بإمكان أي ضيف الحديث لساعات، لكنّ لحظةً أو كلمةً واحدة كفيلة بإيقاعه واختصار كل ما قاله بهذه اللحظة. والحقّ أنه بالرغم من الهفوات البسيطة، نجح هؤلاء النواب في عبور هذا الامتحان بأقل خسائر ممكنة. وحين دعت الحاجة، قال إلياس جرادي لمهرّج «صار الوقت» غير القابل لأيّ نقد: ضيّعتلّي وقتي ووقت العالم (بتصرّف)، ثم مال بجسده وشمّ وردته البيضاء. 

بأقل الخسائر نعم، لأنّ الإعلام المرئيّ في لبنان حقل ألغام، يعتاش على أجندات مموّليه (المتبدلة) وفضائح ضيوفه. مسخ مفترس. قالها زياد الرحباني لجيزيل خوري في «حوار العمر» منذ زمن طويل: كل ما ينزل سمير جعجع درجة تحت الأرض، بتطلع الـLBC قمر بالسما.  تلك المحطة التي خُلقت لتكون لسان سمير جعجع، أصبحت تعتاش على التهامه، وهو المجرم بالطبع، ولكن ليس لهذا السبب، بل لأن الإعلام المرئي في لبنان المموّل من السلطة بطبيعته مسخ متقلب مع مموّله. 

إعلام استطاع أن يقنعنا، من «لمّا كان الليل دموع.. شرقت شمس الـLBC» إلى «لعيونك»، حتى أصبحت الـmtv الناطق بإسم المجتمع المسيحي، وصولاً إلى التناتش على صوت الثورة وصورتها. 

أصبحنا بحاجة إليهم ونسينا أنهم بحاجة إلينا. ونحن نعلم أنهم أقوياء بمالهم وعلاقاتهم وقدرة وصولهم إلى داخل كل بيت في لبنان وفي الإغتراب. وبدل كل رافض منا، يجد فريق الإعداد عشرات الراغبين بالظهور على الشاشة.

قال لي مرّة إعلاميّ صديق: لا يخدعك إهتمام الإعلام المموّل من السلطة بتغطية المظاهرات والإحتجاجات والثورات، إذ كل ما زاد الإهتمام بك، كلما إرتفع السعر الذي سوف يقبضه لكي يطفئ كاميراته عنك.

لا أقول كل ذلك لشيطنة الإعلام، فأنا لا أؤمن بالإعلام الرسالة والإعلام الهادف لكي أشيطنه، ولكن أجد فيه وسيلةً مثل أي وسيلة أخرى يمكن استخدامها لخدمتنا كما يمكن أن تُستخدَم ضدّنا. ولست مهتمّاً في مناقشة المحطة أو معديّ ومقدّم البرنامج، ولكن أتوجّه إلينا نحن المشاهدين، نحن الشعب، نحن الذين انتخبنا هؤلاء النواب لتمثيلنا، وأقول هنا: فلنحذر وقاحة الإعلام. 


لمَ أتكلّم عن الوقاحة هنا؟

هناك الكثير من النقاط الإشكالية التي يمكن التوقف عندها في تلك الحلقة الشهيرة، ولكنّ لحظةً أساسيةً استوقفتْني مع الإعلامي جان نخول، وهو إعلامي آخر فخور بانتمائه لعائلة الـMTV! 

ما هذه البدعة «العائلة الإعلامية»؟ لماذا لا ننفكّ نبحث عن «عائلات» دينيّة وحزبيّة ووظيفيّة نذوب داخلها دون أي نقد… أهو نقص عاطفيّ جماعيّ في هذه البقعة من الأرض؟. 

من على منبره التلفزيونيّ، أصرّ نخول على اقتراح محطّته «الأُمّ». تي. في، أن يصوّت النواب على الانتساب إلى كتلة محطته ومستشاريها ومديرها. طالبهم، وانتظر التصويت. بثقة واقتناع شديدين، نظر إليهم وسألهم، هم من انتخبوا من قِبل الآلاف، هم من قال عنهم علي مراد إنهم ترشّحوا على مقاعد مناطقيّة وطائفيّة بسبب قانون أعوج، أمّا اليوم فأصبح كلٌّ منهم ممثّلاً للأمّة كاملة، نعم هؤلاء هم المطلوب منهم أن يصوّتوا على الهواء لاقتراح نخول. 

تلك الثقة والإصرار وقحان. فلأكُن واضحاً، ليس الإعلامي جان نخول بالوقح، بل هو ضحية مجتهدة ضمن «عائلته». وقاحة وثقة وإصرار هذا الإعلاميّ تولّدت ونمَتْ في ظلّ عناصر عدّة: 

عالمياً، هناك موجة قوة الإعلام المرئي المتعاظمة منذ سنين والتي تنطوي على موضة الإعلاميّ النجم، ولكن في واقعنا المحلي هناك أيضاً ضعف الدولة بمؤسساتها/ غياب منطق المحاسبة/ ركاكة الأحزاب والمجموعات الديمقراطية التشاركية المعارضة وضعف أدواتها/ الحاجة لمحاربة السلطة بأيّ وسيلة ممكنة في غياب الموارد القويّة في يد التغييريّين… 

لستُ أنكر هنا الدور الذي لعبته المحطات التلفزيونية خلال الثورة، وصولاً إلى الإنتخابات، حيث لا يخفى على أحد أنّ من ظهر على الشاشات تزايدت حظوظه بالخرق، وأنّ تلك المحطات ساهمت في خلق الجوّ العامّ الشعبيّ الملتفّ حول القوى التغييرية. لكن تضخّمَ هذا الدور، أمس، وتجرّأ بوقاحة أن يجري إستفتاءً على الهواء يكرّس سطوة محطة تلفزيونية على نوّاب انتخبهم الشعب. 

السياسة لا تدار داخل مكاتب الإعلام، وشؤون وهموم الأمّة وقوانينها أكبر بكثير من مكاتبكم ومستشاريكم. لقد صدّقتم كذبتكم بأنكم صوت الناس، وصورة الثورة. إهدأوا، واعقلوا. ما من محطة إعلاميّة- خاصة المرئية منها- تستطيع اختزال التمثيل الشعبي لنوّاب منتخبين من آلاف اللبنانيين، بكل تنوّعاتهم واختلافاتهم. إلعبوا دوركم في إيصال صوت الناس وفي المساءلة… فقط. وربما تبدأون أوّلاً بالتوقّف عن قول كلمة «بسرعة» قبل إعطاء الميكروفون لضيوفكم. بسرعة ماذا؟ بسرعة الإنهيار الذي نعيشه؟ 

يطول الحديث عن خطورة وقاحة المسخ الإعلاميّ، غير القابل للنقد، والذي يريد تدجين الغضب وتسخيف الحقّ وإلغاء الفروقات الدقيقة حتى بين المتحالفين (تلك الفروقات التي تصنع الفكر والعمل)، وتحويلها إلى لون واحد باهت ومسطّح ومفرّغ من المعنى. علينا نحن أن نعيد الإعلام المرئي إلى مكانه، وحجمه وتحديد دوره. 

سوف أختم باقتباس للمخرج السينمائي جان لوك غودار: السينما تصنع الذاكرة. أما التلفاز، فيصنع النسيان. فعلاً، التلفاز بتدفّقه وسرعته وتفاهته يصنع النسيان، إحذروه. وكنت أودّ أن أطلب من النوّاب التغييريّين أن يصنعوا فنّاً وليس فقط سينما، ولكن أكتفي الآن بمطالبتهم بصناعة الذاكرة.  

آخر الأخبار

مقابلة هادي مطر مع ذا نيويورك بوست
بعد إحراقها على يد زوجها هناء خضر تَنضَمّ إلى ضحايا العنف الأُسَري 
متغيّرات الأسعار مع اعتماد الدولار الجمركي 20,000 ليرة لبنانية 
ميقاتي يعِد بحماية الأهراءات بعد حرقها
ملف اللاجئين - النظام السوري يكذب والحكومة اللبنانيّة تصدّق
المودع بسّام الشيخ حسين إلى الحرية وتخوّف من خطف إنجازه