استوَيْنا

قلت لها أن تصبر. أجابتني بما يشبه صوت طفل يكاد ينفجر بالبكاء: استوينا…
انتهى الحديث مع هذه الكلمة…

رحت أفكّر في تضحيات النساء، ليس انتقاصًا من إنجازات الرجال، بل لأنّ تضحيات النساء غالبًا ما تمرّ بصمت، مثل الثورات الحقيقية التي غالبًا ما تحدث بعيدًا عن الإعلام.

منذ اندلاع الثورة، وأنا، كغيري من المواطنات، في السعي للتوفيق بين الشارع والعمل والمنزل والصرّاف والمصرف والمحطة والتاجر وصفحاتنا الالكترونية والمقالات والتحليلات، ومن ثمّ الشارع مرة أخرى … استنشقنا غاز سلطة ظالمة تصرف الملايين من مدخراتنا لترهبنا، وهي تعجز عن تأمين أدوية المسنّين والمرضى. شربنا مرّ الانتظار في الطوابير المتعدّدة…

واستوينا…

تقول لي صديقتي إنّها كانت تتابع دروس أبنائها «أونلاين»، بعدما تركها الحجر وحدها معهم. انتقل زوجها للعمل في الخارج سعيًا وراء دولارات سلامة الطازجة، وبقيت لوحدها، تركض إلى الباب الخلفي كل ساعة، لتتأكدّ أنّها أقفلته بإحكام.

أسمع صراخ جارتي. أعرف صوت التعب. أنهكها أطفالها وأنهكتها أمٌ ترعاها. فلم تعد تعلم أين هي، وما إذا كان هذا الضوء من كهرباء الدولة أو الاشتراك.

أقرأ عن التي تصارع للحصول على نفقة، يرفض طليقها المدعوم أن يؤمّنها، فيتلكّأ القاضي. لكن… تلك قصة ليوم آخر.

كم سعر الصرف اليوم؟ تتساءل أمرأة تريد التبضّع. تحاول أن تناور على بضعة آلاف علّها تشتري فاكهة… فقر الدمّ أنهكها.

تخبرني أستاذة جامعيّة أنها تنتظر جنح الليل لتسجّل محاضراتها وتحمد الله أنّها ترضع طفلتها، رغم أن الساحرة الصغيرة لا تجوع إلا أثناء المحاضرة. تحمد الله لأن النائبة قالت إنّ حليب الأطفال الذي لم تعد تستطيع أن تدفع ثمنه غير ضروري… يا للنائبة.

يا ليت عندي سلاح تهمس لي أخرى: أراهم يتشدّقون على الشاشات وأحلم بأنّي أحمل رشاشاً أرديهم جميعاً. ثم تضحك من نفسها بحياء. أم تبكي؟ لست أعلم… ها قد ناهزت السبعين وتريد الثأر! لم تنل في هذه البلاد الا تعويضًا لم يعد يشتري لها شيئاً.

تخبرني الطالبة التي لم يعد أهلها يستطيعون أن يؤمّنوا لها أقساط الجامعة، أنها تبحث ليلًا ونهارًا عن فرصة للعمل. وتخبرني أخرى أنّها تدّخر ما يأتيها من دولارات لتصرف على أهلها وإخوتها الذين أغلقوا متاجرهم، بعدما كسر ظهرهم ثقل الدولار.

ثم هنالك التي التقيتُها تبحث من صيدلية لأخرى عن دواء لذويها يكاد الدمع يخنقها اذا ما وجدت مرادها بعد عشرات المحاولات الفاشلة.

وهنالك طبعًا تلك التي تنزف دمًا في صفوف التظاهرات الأولى عند أسوار المجلس أو المصرف المركزي.

واستوينا…

يا للصابرات! ما أجملهنّ في صمتهنّ وفي كلامهنّ… مجموع بطولات صامتة وصاخبة، جماعية ومتراكمة، لا تنتهي بالصدام المباشر، وإن بدأت به. يا للعارفات بأن التغيير ليس دوماً طوفانًا، إنمّا مدّ وجزر…

استوينا قالتها لي وهي تستذكر عمرها الذي مرّ بين الحروب…

استوينا، ونحن نطرق رؤوسنا فوق جدران الفساد والاحتلالات الشتى…

و أنا أسمع استوينا اخرى…

استوينا في مواجهة الظلم وفي مقارباتنا المختلفة للنضال…

استوينا؟ ليس بعد. لكنّ الأمل في يومنا هذا… الأمل بحدّ ذاته انتصار.

رسالة من عواطف، إليك

أنا يا صديقي، ككثر في هذه البقعة، يصيبني القلق… وعندما يسيطر: أضحك. هل كنت تعرف أنّنا نضحك قلقاً؟ وهل تعرف أن القلق بالنسبة لعواطفنا هو كرجال الأمن بالنسبة للمتظاهرين؟ ما أن تحاول عواطف التعبير عن حضورها، حتى يكشّر القلق عن أنيابه بابتسامة أو حتى بنوبة من الضحك، تختفي العواطف قسراً

فلاش باك

لا أعرف لماذا استذكرتُ واستعرتُ جواب الحريري، لماذا عاد جوابه إلى ذهني… ربّما لأن الشبه، المعكوس، يكمن في سرعة التغيير والتدهور الصاروخيّ في الأحداث اليوميّة والانهيار الشامل الذي نعيشه