السعادة

نضحك. ليس لأنّنا سعداء. لكنّنا نضحك.
أمس، سألني الأصدقاء لِمَ كنتُ حزينًا. حينها لم أكن حزينًا. ولكنني لم أضحك.
اليوم أضحك، ونضحك. لكنّنا حطامًا.


أشاهد وثائقيًا عن صيد الأسماك. يذكّرني بوثائقي آخر عن تربية المواشي. وأضحك.

لقد أخفقنا كثيرًا. قطعنا مرحلة اللاعودة بأشواط. أصبحنا بعيدين جدًا عن أي خلاص. نلتهي بمشاكلنا الصغيرة، لأنّ لا أمل لنا بحل المشاكل الأكبر. الأرض تفنى، لا سبيل لإنقاذها. بالأحرى هنالك سبيل لإنقاذها، لكنّنا لا نريد.

تسريحة شعر غادة عون لا تعنيني.
جشع الأخوين غانم لا يعنيني.
الغرف الصامتة على «الكلوب هَوس» لا تعنيني.
القشرة في رأسي لا تعنيني.

ألتقي برفاقي سرًّا. نخاف جميعًا أن يُخبر بعضُنا بعضاً أنّنا التقينا أمس برفاقٍ آخرين. نتحدّث. نستعيد ذكريات. نعيد جمع معلومات عن فايزر وسبوتنيك وأسترازينيكا وجونسون أند جونسون وموديرنا. نسعد لخبرِ موعدٍ ناله أحد أهالينا لتلقّي الجرعة الأولى من اللقاح. نشعر بأنّ قضبان الحبس بدأت تتكسّر.

نخاف، ثم نضحك. ليس لأنّنا سعداء. لكنّنا نضحك.


كنتُ أبحث عن رواياتٍ جديدةٍ أقرؤها.

نصحني صديقي بقراءة رواية «يوم الجمعة، يوم الأحد» لخالد زيادة. صدرت الطبعة الأولى عن دار النهار عام 1994، ثم طبعة ثانية عام 1996، وثالثة عام 2008.

بحثت عن الرواية في المكتبات، ولكن لم أجدها. وإذ، صادف حديثي عن تلك الرواية أمام صديقةٍ، فقالت لي عن صداقتها بابن خالد زيادة الطرابلسي. وعدها بإحضار الكتاب لكن لم يستحصل سوى على الجزأين الأخيرَين من الثلاثية: «حارات الأهل جادات اللهو» (1995) و«بوابات المدينة والسور الوهمي» (1997).

زادت رغبتي في اقتناء الجزء الأول.

أبحثُ عنه مجددًا، لأجد نسخةً واحدةً متوفّرةً في مكتبة «أنطوان» في سن الفيل. يبحث الموظف على كمبيوتره ليتأكّد. ما زالت بسعرها القديم: ثلاثة عشرة ألف ليرة. يسعد هو وأسعد معه. إرتفع سعر الكتب في لبنان، فأصبح معدّل سعر الرواية العربية أربعين ألف ليرة، و«بخسارة» يقول لي صاحب مكتبة الفُرات.

أتذكّر مقولة «القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ».

أضحك، ليس لأنّني سعيد. لكنّني أضحك.

أخرج من المكتبة وفي يدي النسخة الأخيرة لرواية «يوم الجمعة، يوم الأحد». لم أقرأها بعد، سوف أقرؤها.


الأرض في طور الفناء. هكذا يقول العلماء في الوثائقيات التي شاهدتها.

بعضٌ منها قادر على إصلاح ذاته إذا سارع البشر وقف ما يفعلونه. والبعض الآخر، بات وضعه أسوأ ممّا نتصوّر، نحن المنشغلون بمشاكلنا الصغيرة.

كيف تمكنوا من إقناعنا أن استعمال القشّة للشرب هي إحدى الأسباب الرئيسية لتلوث المحيطات؟ (إيموجي يذرف دموعًا من الضحك) واقتنعنا. توقفنا عن استعمالها. قمنا بحملات توعية. صرفنا أموالًا ومجهودًا ووقتًا فرديًّا وجماعيًّا لكي نقنع الجميع بأنّ التوقف عن استعمال القشّة سوف ينقذ الكوكب، بينما استمرّوا هم برمي شباكهم الصناعية العملاقة في البحار، في عمليّات تصحير قعر المحيطات، وهم يضحكون علينا قائلين : قشّة!


أشياء صغيرة تسعدني.

تكتب سحر مندور على الفايسبوك عن مقطع من أغنية «حارة السقّايين» لشريفة فاضل. لم يشأ أن يغنيّه محمد منير. أدندنه وأنا أقرؤه سيبك من البحر اللي إنتَ / غرقته نار ودموع. أعود إلى يوتيوب لأسمعها كاملة، فأجد في التعليقات اللي بيسمعها في 2021 يدوس لايك. كمّ أحب تلك السعادة البسيطة في هذا التعليق المتكرّر في مجتمع اليوتيوبيين.

أمس، في جلسة سُمر مع صديقة ذكرت عبارة «بعد مقتل لقمان سليم»، ارتعبت من لفظ الجملة. صحيح، لقد قتلوا لقمان سليم. كدت أنسى. كيف لي ذلك؟ بالكاد مرّ وقت على مقتله، وأنا كنت هناك يوم دفنه، وتحدثت إلى مونيكا ورشا. كيف لنا بهذه السهولة أن ننسى؟

قشّة هي مشاكلنا وأوهامنا وأحلامنا. تقديس لمدنّس عبر نقل المومياء، وتدنيس المقدس عبر منع مسلسل الملك أحمس. كفانا تقديسًا، ألا يكفي؟ الأرض إلى زوال، قريبًا، ليس بعد آلاف السنين، ولا مئات السنين، هنا قريبًا، ندمرها بأيدينا.

بمَ ينفع التقديس؟ فلندنّس تاريخنا وذكرياتنا. عملية تدنيس صغيرة لمقدس هنا أو هنالك، تتفلّت من تلك الرقابة الأبوية العقيمة. في هذه العملية سعادة صغيرة، كصوت الشتيمة في العلن. كيف لنا أن نصحى كل يوم ونعيد تكرار أشيائنا التافهة والعفِنة بلا تدنيس؟ نحن الذين لم نمت في 4 آب.

نسعد للقاء بعضنا.
نسعد لتفاصيل صغيرة. نعلم أنها فانية.
لكن جميعنا يعلم أنّنا حطامٌ ومدمّرين.
فقدنا جزءاً كبيرًا من الأمل بأيّ إصلاح ممكن في هذا البلد.
نعيش يومنا بيومنا، في انتظار شيء ما.

هذا البلد محطّم للآمال والأحلام والطموحات، تقول لي صديقة لبنانية تعيش منذ سنوات في باريس. وذلك ليس بجديد. إنه فعل متكرّر على مرّ تاريخه. عني، عن هذا الكائن المحطّم، أكتب اليوم فيلمي الطويل الثاني. فردٌ في ظلّ حطامه يحاول أن يسعد قليلًا. يحاول أن يسعد في التفاصيل.

ضرب من الجنون أن أحاول كتابة فيلم سينمائي طويل اليوم، وأن أحاول أن أجد إنتاجاً له. لكنه فعلٌ يسعدني.


أحاول أن أصف شعوري وانشغالي. أجده أحيانًا قريبًا من العدمية، ولكنّه ليس كذلك. الرغبة في سعادة صغيرة تأتي من أشياء صغيرة ليست تخليًا عن المستقبل. في مخيلتي ما زلت أريد إنقاذ كوكب الأرض، ولكنني أطلب مهلة. أطلب فرصة استراحة لسذاجة بسيطة، أسعد فيها بالتفاصيل وأنسى المستقبل والقضايا الكبرى.

فقط الآن، ولمدة لن تطول، إذ أعلم أنني أرغبها قصيرة.

هل فعلاً حصد كورونا عدداً أكبر من البشر، أم أصبحنا نشارك نعواتنا أكثر على الفايسبوك؟ حمدالله على نعمة الإيموجي. أصبحت أزرع القلوب الحمراء أينما كان، لا حاجة للكلام. أفضّل تكرار القلوب على تكرار جمل وعبارات فارغة. أترك هاتفي جانبًا كلما آلمني إبهامي، وأشرد في اللاشيء. صرت أشرد كثيرًا دون إحساس بالذنب.

سوف أقوم وأعيد ترتيب زهوري. لقد مضى ثلاثة أيام ولم أغيّر لها الماء في الإناء. تتفتح وتتبدل، وتسقط واحدة تلو الأخرى. جميلة، وتسعدني، سعادة لحظة، كافية لأكمل نهاري.

مــــــلــــــف
سجلّ الانهيار

يحاول ملف «سجل الانهيار» أن يلتقط معالم ومعيش حالة انهيارنا الحالية. كل أسبوع، كلمة أو ممارسة أو مكان أو عادة أو فكرة، يتناولها كاتب أو كاتبة، لكي يـ/تصف تحوّلاتها أو التغييرات بمعانيها. على مدار الأسابيع والنصوص، نطمح إلى بناء أرشيف مفتوح أو قاموس متعدّد الأصوات لحالة الانهيار، علّنا نجد فيه بعضًا من الثبات في تشارك التجارب والمعاني. الدعوة مفتوحة للمساهة في هذا الملف، من خلال اختيار كلمة (قد تكون ممارسة أو إحساس أو عادة أو مكان…) ومحاولة وصف مآلاتها بعد أكثر من سنة من التحوّلات.


رسالة من عواطف، إليك

أنا يا صديقي، ككثر في هذه البقعة، يصيبني القلق… وعندما يسيطر: أضحك. هل كنت تعرف أنّنا نضحك قلقاً؟ وهل تعرف أن القلق بالنسبة لعواطفنا هو كرجال الأمن بالنسبة للمتظاهرين؟ ما أن تحاول عواطف التعبير عن حضورها، حتى يكشّر القلق عن أنيابه بابتسامة أو حتى بنوبة من الضحك، تختفي العواطف قسراً

الشلل

دينامية تشبه دولابًا في قفص، يعدو فيه «الهامستر» حتى يصل إلى إعياء ناتج عن حركة دائرية تنطلق من نقطة لتعود إليها ذاتها دون أي تجديد