السلطة والبحر

يا ما صلّيت وطلّيت عالبحر قدامي
حتى شوفك صوب البيت راجع بالسلامة

مراكبنا ع المينا- الأخوين رحباني

في العقود الأخيرة، ازداد ليل بحرنا عتمةً. انطفأت مصابيح مراكب الصيّادين الواحدة تلو الأخرى. لم تكن تلك حال البحر عندما وعيت عليه منذ أربعة عقود. حينها كان لا يزال مزنَّراً بأضواء برتقاليّة، تكسر حدّة الظلام لتصنع للأفق معالم. استخدم الصيادون أضواء مصابيحهم للتواصل. أمّا نحن، أهل اليابسة، فاتّكأنا على أضوائها الدافئة للحلم.

نُزِع السحر عن بحرنا في العقود الأخيرة. ازداد تلوّثه وتضاءلت حياته. انقرضت بعض ثماره كالتوتياء، وقلّت أسماكه. لم تسلم ثقافاتنا البحريّة من تلك التحوّلات التي من الصعب وقفها أو عكس مسارها. فأفُلت صناعة السفن الخشبيّة التي حمل أهل الحرفة أسرارها وتناقلوها جيلاً بعد جيل. حينها، أصبحت سلاحف صور البحريّة المهدّدة بالانقراض إحدى إشارات الحياة القليلة التي تظهر بين حين وآخر لتعيد للبحر بعضاً من سحره. ذكّرت السلاحف ببحر كان يوماً على قيد الحياة. كان ذلك قبل أن يتحوّل إلى مستنقع مياه آسنة تختلط فيه المجارير بالمواد الكيماويّة، بينما تزاحم فيه قناديل البحر السامّة البلاستيك على أنواعه.

أصابت كلّ تلك التحوّلات المميتة أيضاً ما كُتب عن البحر وثقافاته التي أصبح بالإمكان نقلها مع أدبيّات «لبنان الأخضر» إلى فرع علوم الآثار. ترد إلينا أغانيه الآن، من فيروز إلى مارسيل خليفة، كصدىً خافت من عالم قديم اندثر.


ما حصل لبحرنا وشواطئنا لم يكن قضاءً وقدراً.

حوّل النظام أجزاء من الشاطئ إلى مطامر للنفايات ومصارف للمجارير. فازدهرت المستعمرات البكتيريّة وانتشرت نفاياته المحليّة حتى وصلت إلى اللاذقية وقبرص واليونان. هدّد ذلك التنوّع الحيوي وحوّل السباحة في البحر في أكثر من منطقة، من ممارسة بديهيّة إلى ما يشبه المجازفة. وحتّى من أراد ذلك صعّب النظام عليه المهمّة. إذ ترافقت سياسات تقويض الحياة البحريّة مع سياسات الاستيلاء على الشواطئ التي أكملت عمليّات السطو على الأملاك العامّة وتحويلها إلى مرافق خاصّة تدرّ أرباحاً على أصحابها.

خنقت السلطة البحر وسُبُل الوصول إليه. وبعدما قسّمت شواطئه ما بين مكبّات ومستثمرين، منتصرةً مرّة أخرى على كلّ ما يتعلّق بالمصلحة العامّة، ظهرت إمكانيّة السطو على غاز محتمل في جوفه، فسال لعابها، قبل أن يخيب أملها… مؤقّتاً.


لشهر أيلول مكانة خاصّة عند أهل البحر. تنكسر فيه حدّة لهيب آب. تنسحب فيه القناديل السامّة عن الشواطئ. تهدأ فيه الأمواج لتصبح مياه البحر «متل الزيت». أتى أيلول هذه السنة مختلفاً. حمل معه مآسي التيه البحري والموت. جاء ليؤكّد انضمام مياهنا إلى مقابر المتوسّط التي تبتلع منذ سنوات فقراء الجنوب الحالمين بحياة أفضل على ضفافه الشماليّة.

في خيال النظام، بحرنا حقلٌ نفطيّ يدرّ مالاً بات نادراً، بينما يتحوّل في الواقع إلى فرصة النجاة الأخيرة لفقراء جعل نظام القتل والنهب حياتهم مستحيلة في بلادهم. باعوا كلّ ما يملكونه، وهو قليل، من أجل حجز مكان لهم على مراكب الهروب من البلاد. مَن يستمع إلى الشهادات الحارقة للناجين منهم، يدرك مباشرةً المعادلة البسيطة التي دفعت بهم إلى المخاطرة بحياتهم وحياة أولادهم من أجل الخروج: البقاء في البلد يساوي الموت. الذين سلموا من الموت أُعيدوا إلى الأرض التي بذلوا المستحيل للهروب منها. لكنها لم تكن عودة طوعيّة ونهائيّة إلى بيوتهم وموطنهم بعد تيه. إذ ما لبث أن عبّر البعض عن رغبتهم في محاولة الهروب إلى البحر مجدّداً. لا سلام على هذه الأرض.


عندما أطلق رئيس الجمهوريّة عبارته «طبعاً عجهنّم» التي ستلازمه كظلّه من الآن فصاعداً، لم يكن يتنبّأ بمستقل قريب، أو يحذّر منه. فمنذ أكثر من أسبوعين، قال أحد الهاربين في البحر: نحن هون بلبنان ميتين، ميتين. انت عايش عذاب القبر هون. انت ميت، ميت. ما عنا شي نخسره. لكنّ الرئيس الذي دعا شعبه بعد شهر على 17 تشرين إلى الهجرة، لم يتنبّه على الأرجح إلى أنّ الهروب إلى البحر أصبح الملاذ الأخير لمواطنين يأملون الخلاص من جهنّم صنعها نظام هو أحد أركانه.

الـ«ليبانيز إكويليبريوم» للبطالة والتهجير

يوميّات الانهيارتهجيراً - وإمّا بقاءً بين العمل أو البطالةالجورة المُسمّاة لبنان«ليبانيز إكويليبريوم»رايح كفّي ماسترز برّاالجحيم

العنف اليوميّ العاديّ الخفيّ الحتميّ

العنف الواضح / العنف الخفيّ محلات السوبرماركت وفي المستشفيات والصيدليات ومحطات الوقود وهو عنف مزدوج من يهاجر لن ينجو من عنف النظام الخفي