الوباء بعد الثورة

الشوارع شبه خالية من الحياة إلّا من بعض شباب الديليڤري وكمّاماتهم. هم آخر إشارة إلى أنّ حياةً كانت يوماً ما في هذه المدينة. لم تعد الكمّامة علامة الثائر الذي يواجه الغاز المسيل للدموع، بل أصبحت خط الدفاع الأخير والعقيم أمام الوباء المنتشر. سقطت الدفاعات أمامه، وأقفلت أكثرية المؤسسات ما عدا المصارف التي عادت إلى طبيعتها الهادئة. فلم يعد أحد يأبه بأوراق نقدية قد لا تنفع بعد انتهاء المرض. انتقلت نقاط التجمّع للسوبرماركت، ومعها جنون تموين الغذاء وورق التواليت. أما في الساحة الفارغة، فتكاد قبضة الثورة المرفوعة تُخلي مكانها لصور غسل اليدَيْن والتوبيخ الطبّي الذي يرافقها.

استولى الوباء على المدينة، وباتت الثورة مسألة شخصية.

تبدو تجمّعات الشهر الفائت ذكرياتٍ من ماضٍ قديم، ماضي ما قبل صدور حكم «الابتعاد الاجتماعي» وفصله بين الأفراد وسعالهم المعدي. ذوّبت الثورة الفرد في ملحمة سياسية جامعة، فعاد وانتقم مع الوباء الذي أدلج الفصل بين الأفراد. أعاد المرضُ الكائنات إلى طبيعتها البيولوجية، وقدّم عدوًّا مشتركًا يمكن إعلان الحرب عليه، ورفع الأفراد المعزولين إلى صفة الفاعل السياسي. أما من عزل نفسه، فهو الفاعل الأخلاقي بحدّ ذاته، مصدر الرقابة الذاتية، وركن المجتمع القادم.

نجح الوباء بإرساء المجتمع الذي فشلت الليبرالية بفرضه.

فالمرض لا يفرّق بين دين أو عرق، ولكنّه يأخذ لون الأيديولوجية المسيطرة. وإذا بات مدخلًا لتمجيد السياسات الفوقية في الصين، تحوّل عندنا إلى أساس لـ«وطنية بيولوجية» جديدة، تلغي الفروقات الاجتماعية باسم المشترك البيولوجي.
فبعد استكشاف الفروقات الطبقية مع الثورة وانقسامات المجتمع الهرمية، عاد الوباء ليخيط هذه الجروح ويعيد ربطنا بخيط العدوى المتنقلة. لم يتحمّل المجتمع كثيرًا فضيحة الانقسام الاجتماعي، فقدّم له الوباء المخرج منها.
تناسى المجتمع الموبوء أنّ شباب الديليڤري سوريّون ليس لهم خيار إلا التجوّل لكي يستمرّوا قيد الحياة، وأنّ العزل التلقائي خيار غير متاح لأكثرية الشعب، وأنّ سبب الأزمة الأساسي هو غياب أي نظام رعاية صحية. كلنا كائنات بيولوجية أمام الوباء، لا داعي لتفرقة لم يعترف بها الوباء نفسه.

لم يعد العرص هو المصرفي الذي هرّب أمواله، بل بات الغريبَ الذي لم يغسل يديه.

لكنّ للقلق لغته، وسرعان ما تحوّل البيولوجي إلى طائفي. فأعلنت شاشة «أم. تي. في»، في افتتاحية نشرة أخبارها، عن «حالة طوارئ»، داعيةً «لتطبيق قانون البقاء» لنحافظ على «جنسنا» ونعيد بناء «لبناننا بعد الطوفان». الطوفان، حسب المحطة، آتٍ من إيران من خلال مسلك الطائفة الشيعية وحزبها. فلا مكان في الإجماع البيولوجي الجديد لطائفة موبوءة، وبدأت تزداد المطالب لعزلها وحجرها والابتعاد عنها. لكن الطائفية البيولوجية مرحلة ستزول مع إعلان أوّل إصابة في مخيم للاجئين السوريين ليتحوّل الوباء إلى عنصرية، قد تقتل أكثر من المرض.

يمكن غسل اليدين من دماء السوريّين، لكن لا يمكن غسلهما من الوباء.

سقط حزب الله أمام الوباء، ولكنّ النظام عاد من بابه البيولوجي ومعه أبواقه. فبعد إعلان وفاة دولته وإفلاسها، عاد البروفيسور ليكشف عن أوّل إنجاز وهو أن «لبنان من أوّل الدول التي اتّخذت إجراءات في موضوع ​فيروس كورونا​». لم يعد أحد يتذكّر أنه أعلن إفلاس الدولة قبل بضعة أيام، أو أنّه كانت هناك بوادر معركة مع القطاع المصرفي.
وفي بيوتهم المعزولة، ضحك بعض وزراء التيار الوطني الحر لكون مَن طردهم من الشوارع بات يشاركهم مصيرهم. حتى إعلاميّوهم الذين طُردوا من الساحات، عادوا إليها بصفتهم المتكلمين الرسميين باسم مار شربل، وهذا في وسط مستشفى «رفيق الحريري».

اللعاب بات مدخل الوباء وعودة النظام في آن.

جاء الوباء وسيزول. لكن إن كان العالم سيعود إلى ما يشبه حياته الطبيعية قبل الوباء، سنبقى نحن في المجتمع ذاته، نواجه الأزمة ذاتها التي وضعناها بعض الوقت جانبًا ريثما نغسل أيدينا. وهنا قد يكون الرعب الفعلي، في هذا الإدراك بأننا سنعود إلى ما كنّا عليه، إن لم يكن أسوأ. فالشوارع ستبقى خالية، والإفلاس لن يزول، والأزمة لن تختفي لمجرّد بقائنا بالبيت لمدة أسبوعين. أمام هذه الأزمة، لن يصلح أيّ حَجْر.

طلّاب

العالم، هذا العالم أًصبح أكثر وضوحًا. حذف الجمل الإنشائية والجمالية من نصوصه. كشَّر عن أنيابه. أزال طبقة التحضُّر المزيف عن وجهه. فتح باب قاعِه على مصراعيه. وقذف السيستم المتهالك بالطلاب نحو القاع... قاعه، وابتلعهم

النار والعار في تصريف الموت اللبناني

في إماتتها الحياة السياسية متفاخراً بقدرته الفحولية وتماثيل الطغاة أو حول موائد عامرة يجيز هذا الوزير المختال بنفسه وبرقصاته يمارسها أصحاب الامتيازات