تمارين في الحفاظ على العلاقات

سنلتقي مجدّداً يوماً ما. وكل شيء سيكون كما يجب أن يكون. 1
* تُسمَع قهقهة من بعيد، ذلك أنّ لا شيء سيكون يوماً كما يجب أن يكون *

جاهدتُ لربط هذا النَص بيوميّات الانهيار، قبل أن أُلاحظ أنّ خيار النثر بعد نصوصٍ في السياسة والاجتماع، آتٍ بنفسه من تبِعات الانهيار، من حاجةٍ لعصر الكلمات، علّنا ننقذ ما بقيَ قيد الحياة فينا. وقد لا يكون من داعٍ لنشر المقال، سوى أرشفة أفكارٍ مرّت بذهني – وربّما أذهاننا – في ما يتعلّق بسؤال المحافظة على العلاقات في زمن الانهيار.

وقد يكون ذلك بالمعنى الواسع للعلاقات:

كعلاقة الوالدة القلِقة بابنها الذي ما عاد يأكل بحجّة أنّه أكل في الخارج غير أنّه ما عاد يأكل لشدّة ما حفَر الاكتئاب في أمعائه الغليظة،
أو علاقة الصحافي بالمعالِجة التي اختار أن يقصدها بعدما طافت في مدينته غيمةٌ بلَون الأرجوان والبرتقال والموت ثمّ ارتأى أن ينصح زميله بأن يخطوَ الخطوةَ ذاتها،
أو علاقة شابٍ عشريني بقطّه بعدما خاضا سباقاً لمعرفة من منهما يلعق جسده أسرع حتّى يختفي عن أعيُن المُراقبين.

وقد يكون ذلك بالمعنى الضيّق للعلاقات:

كمَثَلِ علاقةٍ لم تُحدَّد سوى بأنّها حمَلَت أوقاتٍ سعيدةً وابتساماتٍ متبادلة، ربّما في تَظاهرةٍ وربّما على شاطئٍ صخريّ وربّما في قريةٍ نائيةٍ في الجنوب، بينما كان كلّ شيءٍ يتهاوى. كل شيءٍ. كل شيء.

على كلٍّ، أنا حذّرتُ المُحرّر، أخبرته أنّني سأكتب شي هيك، عادي، شوي شخصي يمكن، بعيد عن السياسة. أو يمكن كتير سياسي حسب مفهومنا نحن للسياسة. خخ.

– اذاً، لماذا المقال؟
– لأنني أستطيع أن أقول فيه وأن أفعل فيه ما لا أستطيع قوله أو فعله خارج المقال. 2

كأن أقول أنّ ما جاهدنا لنبنيه أعتى من الانهيار والعلاقات العابرة والمُنَوِّمات.
أو لأكرّر ما قلته مسبقاً.
كأن أقول أنّ في قرار عدم اللقاء ضرباً من الغباء والمُكابرة. وأنّني حاولت، وسطَ الانهيار، أن أقوم بما أعجز عن القيام به في السَويّ من الأيّام. وأنَّ لِخيبتي هذه طعم المرارة، مرارة من سيفتح – من جديد – دُرجَ الخيبات ليزرك كل ما في داخله، مفسحاً المجال لإضافةِ خيبةٍ جديدة.

«دُرج الخيبات»، ماذا نعرف عنه، سوى أنّ مساحته لامتناهية؟

ثم أتى اقتراحٌ، يقول بأن نؤجّل كل العلاقات إلى ما بعد الانهيار. هاك، جدّياً، هكذا أفضل لكلَينا. غير أنّ صديقاً لي أخبرني أنّنا بحاجة كحدٍّ أدنى لسبع سنوات بعد الانهيار كَي نتعافى، كَي تنتظم دورة الاقتصاد – هذا إن تصرَّف الحكّام بنيّةٍ حسنة. حسناً، فلننجز حساباتنا: حينها، سنكون قد أصبحنا في مطلع الثلاثين.

قبلتُ الاقتراح، على مَضَض، بحيرةِ المتردّد من ألّا يكون شغف اللقاء في الثلاثين كما هو عليه اليوم، حين يقرع أحدنا الباب وبيَده قطعتا حلوى، ونحن ما زلنا في العشرين. تذكّرتُ نصّاً غبياً كتبتهُ قبل الانهيار، يقول أننا سنعيش العشرين كما نريد. ايه احّا، هاهاها. احّا يا سمير. كنتُ منتشياً من مفاعيلِ ليلةٍ لم أكن أعرف أنّها ستنتهي كمثلها من الليالي، بخيبةٍ.

لن نعيش العشرين كما نريد، انظر حولك، انّه الجحيم. الدني آخر وقت، تكرّر صديقتي، يعني أنّ القيامة اقتربت. لن نعيش العشرين كما نريد. أردّدها وأكتبها مرّة ومرّة ومرّة بعد، لأتقبّل الواقع كما هو. لن نعيش العشرين كما نريد، وسنمضي الأيّام نعدّ الأيام التي تفصل بين اللقاءَين؛ لقاؤنا الأخير الذي ما أدركنا بعد أنّه كان الأخير، ولقاءٌ قد لا يأتي.

وقد يأتي. قد يأتي اللقاءُ في الحلمِ، أو يأتي الحلمُ في اللقاء.

وسأرتَبك عند الإجابة، لأنّني قايضتُ ساعةً من وقتنا بساعةٍ لكتابة هذا المقال، لأكسب لاحقاً ساعاتيَ اللامتناهية من اللقاء، نفس اللقاء الذي قد لا يأتي، أو الذي سيأتي في الحلمِ، أو الذي سيأتي الحلمُ فيه. الخ…

وإن أتى، سنضحك أوّلاً. سنضحك لسخرية القدر ولسذاجتنا وللمقامَرة التي ارتكبناها يومَ قبِلنا ذاك الاقتراح الغبي. «ماشي، منحكي بالموضوع»، قلنا. وسنضحك، لشدّة ما أصاب درويش في حديثه عن الانتظار. وسنضحك، قبل أن نبكي، وبعد.

سنبكي للأيام التي لم نعشها، وللكؤوس التي لم نشربها بسبب عراكٍ كان يمكن تفاديه، وللعناق الذي لم يكن. ولا بأس إذا جعلنا نبكي، بين الحينِ والآخر، لأسبابٍ تافهة، أو بلا سبب. هكذا تبكي، لأنَّكَ أصبحتَ العبءَ الّذي ستحمله طيلة العمر على كتفَيك. أو لأنّكَ أحببتَ ولا تقوى على العيش لأجل من تحبّ، لشدّة ما أوهَنكَ التعب، لشدّة ما لاشاكَ وبدَّدك وغَيَّبك وجعلكَ ركاماً. 3

وكان يكفي لحُفنتَي الركام أن تتلامسا، بطرف الأصابع، كان يكفي أن أحاول حبسَ إبهامِك بابهامي، لتعود الشمس، فلا أكون الرجل الذي صار ظلّه، ولا تصبحين ظلّاً بين الظلال.


1  Yarn, Takahisa Zeze (2021)
2  أنا الموقّع أدناه محمود درويش، محمود درويش (1991)
3  مجرَّد تعب، بسّام حجّار (1993)
مــــــلــــــف
سجلّ الانهيار

يحاول ملف «سجل الانهيار» أن يلتقط معالم ومعيش حالة انهيارنا الحالية. كل أسبوع، كلمة أو ممارسة أو مكان أو عادة أو فكرة، يتناولها كاتب أو كاتبة، لكي يـ/تصف تحوّلاتها أو التغييرات بمعانيها. على مدار الأسابيع والنصوص، نطمح إلى بناء أرشيف مفتوح أو قاموس متعدّد الأصوات لحالة الانهيار، علّنا نجد فيه بعضًا من الثبات في تشارك التجارب والمعاني. الدعوة مفتوحة للمساهة في هذا الملف، من خلال اختيار كلمة (قد تكون ممارسة أو إحساس أو عادة أو مكان…) ومحاولة وصف مآلاتها بعد أكثر من سنة من التحوّلات.


رسالة من عواطف، إليك

أنا يا صديقي، ككثر في هذه البقعة، يصيبني القلق… وعندما يسيطر: أضحك. هل كنت تعرف أنّنا نضحك قلقاً؟ وهل تعرف أن القلق بالنسبة لعواطفنا هو كرجال الأمن بالنسبة للمتظاهرين؟ ما أن تحاول عواطف التعبير عن حضورها، حتى يكشّر القلق عن أنيابه بابتسامة أو حتى بنوبة من الضحك، تختفي العواطف قسراً

استوَيْنا

تركها الحجر وحدها معهمصراخ جارتيتصارع للحصول على نفقةفقر الدمّ أنهكهاتحمد الله أنّها ترضع طفلتهاها قد ناهزت السبعين وتريد الثأرتدّخر ما يأتيها من دولارات