شخص من داخل السستم

لم يخطر في بال المجموعات التغييرية أنّها ستلتفّ يومًا حول شخصية عامة ﻷنها تقوم بواجبها. 

آثرنا الترفع عن التصفيق والتهليل للأشخاص، لأننا نعلم أن جوهر الأزمات هو الطابع الشخصاني غير المؤسساتي للإدارة، الذي يصل بخلاصاته المنطقية إلى سلوك تأليه الزعيم. 

تخيّلنا كل شيء، نحن الذين لا نؤمن لا بالمخلّصين ولا بـالأبطال الخارقين، إلّا أنّنا لم نتخيّل أنّ نتضامن مع قاضٍ يحقّق في جريمة مثل جريمة المرفأ. بكلام آخر، شخص من داخل السستم يقوم بعمل يؤرّق السستم نفسه.


يمكن الجزم أننا لم نعتقد، في يوم من الأيام، أن القاضي بيطار سيصل بالتحقيق إلى نهاياته، أي إلى خلاصاته القاطعة. 

حتّمت علينا التجارب النظر بعين الريبة إلى كل تحقيق، أو مسار قضائي أو قانوني، رسمي. لا لعيبٍ في القاضي بالضرورة، بل لاعتراف مضاعف بقدرة قوى النظام على التعطيل، على الاستبعاد والتصفية، أي بقدرتها الفائقة على الشرذمة، الطائفية بأقل الأحوال. 

أو لنقل بلغة أخرى، لقد كنّا على يقين أنهم لن يتركوا لا القاضي بيطار، ولا أي قاضٍ آخر يقوم بعمله لكي يصل إلى ما يقارب الحقيقة، لا أن يضع يده عليها. فهذه السلطة لم تنتج سوى سستام فتح الأبواب دون إغلاقها، سستام اللانهايات واللاخلاصات.


الأسئلة التي تتبادر إلى الذهن هي:

  • كيف يمكن لشخص من داخل السستام القديم توتير وإقلاق راحة السستام نفسه إلى هذا الحد؟
  • هل لخصالٍ ما في شخصيته على وجه التحديد؟ أم ﻷن الأشخاص هم نتيجة السياقات التي وجدوا فيها؟ 
  • أم ﻷن السستام يحوي بداخله ما يمكن أن يتمرّد عليه، بحيث نصل إلى حالة الهلع التي نشاهدها بين قواه؟ تمامًا كما هلعت عند أول مواجهة مباشرة ومفتوحة مع الشعب خلال انتفاضة 17 تشرين… 

ليس هناك من إجابة واحدة حاسمة على هذا النوع من الأسئلة. بل هي مجموعة اجابات متراكمة ومتفرّقة صودف أن اجتمعت في سياق، بعد المواجهات المتراكمة منذ سنوات، وصولًا إلى لحظة الانتفاضة

سمحت هذه التراكمات بإنتاج حالات تتخطّى حاجز الخوف، حالات لربّما كانت موجودة في السابق لكنها كانت تمارس مهامها بخوف، على مسرح تغلب عليها قلّة اهتمام دولية إضافةً إلى تفشي عفونة وإجرام قوى النظام محليًا. 

من هذه التراكمات:

  • استمرار المواجهة، وتجذّرها، ما شجّع صعود تلك الأصوات علنيًا.
  • الالتفاف الشعبي حول بيطار، مع ما يمثله من انقضاض على طبقة سياسية. 
  • دخول المجتمع الدولي على خط التحقيق، في ظل بداية اهتمام مباشر بالوضع في لبنان كجزء من الصفقة في المنطقة. 

قدّمت كلّ هذه التطوّرات سياقًا أنتج لبيطار نوعاً من الحصانة والحماية سمحتا له بالذهاب قدمًا في التحقيق وفي الاستدعاءات.


ما من عاقل يشكّ بأن النظام وقواه على مستوى غير مسبوق من القلق، لأنها على مستوى غير مسبوق من الضعف، إلا أن هذا الضعف نابع من اهترائها وخلافاتها الداخلية وليس من وجود قوة اعتراضية منتظمة تواجهها. 

حتى اللحظة، تبقى قوى التغيير عاجزة عن بداية تلمّس طريقها لتشكيل مثل هذه القوة، التي سيكون لها الأثر المباشر على آليات المواجهة، سواء من داخل النظام أو من خارجه. فعلينا، كقوى تغيير، التنبّه إلى أن عدم الانتظام وتشكيل مثل هذا النوع من القوة، سيكون له الأثر السيّئ جدًا على حالة البلد، إذ ستكون الدول ومصالحها هي اللاعب الأساس في لبنان.

فـاهتراء هذه الدولة ونظامها سمحا لما تبقى من موظفين كفُئين ونظيفي الكفّ عن لعب دور تعطيليّ من داخل السيستم. ويمكن لهم أن يلعبوا دورًا تأسيسيًا في الأيام المقبلة إن تأمّن سياق يشكّل رافعةً لهم ولعموم اللبنانيين والمقيمين. لكننا لن نوغل في التفاؤل لنصل إلى حد تصحيح مسار مقولة غرامشي التي تتكلم عن «الجديد الذي لم يولد بعد»، فهذا ترف لا نملك أيّاً من تفاصيله حتى اللحظة.

مُوظَّفان في نظام واحد

 الموظّف طارق بيطار  الموظف رياض سلامة  أحدهما تتقاطع قوى السلطة على «قبعه» وإعاقة عمله، والآخر تتكاتف السلطة وقواها لحمايته، وإن بادّعاء رفضهم له  معركة الخير والشر الأبدية  تؤدي إلى توترنا نحن قبله.

الطَّور الثاني قبل «القبع»

مذكّرة التوقيف الغيابيّة كأنّما هي قصيدةٌ أن يفعلا شيئاً للتخلّص من «هيدا القاضي» وصلت الرسالة أيضاً إلى مجلس الوزراء رسالة شفويّة كانت كافية لتقسيم زمننا إلى ثلاثة أطوار هنا تختلف التقديرات حول وسائل هذا القبع نما مجرمون قاموا بأفعالٍ كثيرة