صناعة صورة المحور

منذ مقتل قاسم سليماني، شنّت مجموعاتٌ تنتمي سياسياً وفكرياً إلى محور المقاومة والممانعة حملات ضدّ من رأوا في سليماني مهندساً لـ«الثورات المضادّة» في سوريا والعراق وإيران، واتّهموهم بالتطبيع مع الإمبريالية، مستنكرين كمّ الشماتة بالموت بوصفها فعلاً غير أخلاقي وغير إنساني.

تقع هذه الحملات في صلب استراتيجية بناء صورة هذا المحور التي تتصدّى لكلّ مشكّك وناقد من خلال تقسيم السياسة إلى ثنائيات نقيضة تحدّد لنا موقعنا في العالم: أنت معنا في المقاومة ضد الإمبريالية الغربية، وإلّا تكون مع الإرهاب والاستعمار؛ أنت مع نظام الأسد وإلّا تكون مع داعش وجبهة النصرة؛ أنت معنا لأنّنا نحميكم من إسرائيل، وإلّا تكون صهيونياً وعميلاً.

في لبنان، يحاول الممانعون عبثاً إعادة إنعاش الثنائيات هذه، من خلال لائحة (check list) تحدّد أخلاقياتنا وتموقعنا في السياسة الإقليمية والعالمية، بالإضافة إلى تقييم نزاهة مواقفنا عند كلّ انتقاد للمحور. وإن فشلنا في اجتياز اختبار هذه اللائحة، نصبح بقايا 14 آذار الباكين على الأطلال مستذكرين رفيق الحريري وحتّى صدّام حسين: هل انتقدتم سياسات الحريري الأب الكارثية لإعادة الإعمار وبناء الاقتصاد؟ هل انتقدتم انتهاكات السعودية لـ«حقوق الانسان»؟ هل استذكرتم اليمن والمجاعة المفروضة من السعودية؟ ومتى كانت آخر مرّة هتفتم «سمير جعجع صهيوني» وشتمتم بشير الجميّل العميل؟ طبعاً لا يذكر الممانعون مآثر إيران ولا حتّى عهد ميشال عون، ولا مشاركة ميشال عون في الحرب الأهلية.

لا تستقيم تلك الثنائيات واللوائح المرفقة بها إلا بالكذب السياسي الذي يقود الأنظمة والقادة، بحسب حنة أرندت، إلى صنع صور عن أنفسهم تستمدّ استمراريّتها و«مصداقيّتها» من تغيير الحقيقة والواقع إلى حدّ يصدّقون معه أكاذيبهم، وتصبح في أذهانهم نسخاً مختلفة عن الواقع ومجرى الأحداث التاريخية والحالية. لعلّ أبرز الأمثلة على ذلك محاولات المحور جعل أشرس المعارضين يشكّك بما قد حصل ويحصل فعلاً في سوريا، لا سيّما المجازر الكيماوية التي وظّفوا أبواقهم “الإعلامية” لدحضها وتكذيبها. فهل حصل الكيماوي فعلاً؟ هل نحن ضحيّة أكاذيب إعلامية غربية تغالي بوصف العنف الأسدي؟ هل جميع الناجين والمنفيّين واللاجئين متآمرون على النظام والمقاومة لدرجة اختلاق مجازر بأكملها؟

خلال اعتصام أمام مصرف لبنان، أوشك شابّ على فقدان وعيه من الغضب الذي اعتراه عندما هتفت مجموعة طلابية تحيّةً للثورات العربية، موجِّهين تحيّةً لإدلب المحترقة. فما كان من الشابّ إلّا أن صرخ «ما في ثورة بسوريا! في داعش!»، ثمّ قام بالتهجّم على المجموعة ومطالبتها بالسكوت.

ذلك أنّ عالم الثنائيات هذا يهدف لبناء منظومات أخلاقية ترتكز على «المقاومة» للخارج فيما تقمع كلّ من يتجرّأ على المساءلة، من خلال بثّ خطاب «الكرامة» و«العزّة».

أضع «المقاومة» هنا بين مزدوجين لأنّ هذا المبدأ والفعل تمّ استغلاله وتوظيفه لكتم الأصوات الداخلية لصالح نشر ثقافة الموت وفعله المتمثّلة بتورّط المحور في قمع الثورة السورية، ومن ثمّ في الحرب الأهلية. بينما الواقع هو أنّنا نرى المقاومة تتجسّد كلّ يوم في كل امرأة تعاني لتستمرّ بالعيش دون معرفة متى سترى أولادها بحكم من المحكمة الجعفرية؛ تتجسّد المقاومة أيضاً بالمدنيين السوريين الذين صارعوا للبقاء قيد الحياة تحت الحصارات المهندَسة من سليماني؛ تتجسّد المقاومة أيضاً في كلّ فرد بلبنان يجرؤ على الانتقاد رغم معرفته بأنّ الردّ سيكون عبر إرسال قذارة التهديدات والتوعّدات.

لكن بعيداً من ضعف مواقف المجموعات السياسية التي تدّعي المثابرة للتحرّر والديمقراطية والعلمنة والتي خذلت الشعب السوري والعراقي مرّة تلو الأخرى، وإن أخذنا جدّياً كلام سيّد المحور في لبنان عن ولادة مجموعة رماديّة «ما بتعرف الله وين حاططها» من الصراعات الإقليمية في خطابه عن سليماني، يبقى الواقع أنّ العدالة في السياسة لا نحدّدها نحن أو محور المقاومة، بل الضحايا والناجون. لا تعلّموا الناجي ما يحقّ له أن يشعر به من سعادة وشماتة.