في المنفى ركاكة

مهداة إلى زينة بالي شريكتي في اجتراح المعاني في المنفى

أستشيط رفضاً لكلمة منفى.

فهو مفهوم يرتكز على القطيعة التي تحل بين الناس عندما يرحل بعض الأبناء بحثاً عن ملاذ من العنف.
وهو مفهوم يفضّل الذات المنفية على من يبقى قابعاً في البلد.
مفهوم يضرب نشوة ذوباننا في الجماعة والشعور بالانتماء الذي تولّد بعد الثورة.
إذا كانت ثورتنا قد فشلت، ففشلها يتركز بتخلينا عن شعور أننا أفراد في جماعة: جماعة تشترك في توصيفها للنظام السياسي ورفضه بالكامل.

منذ أن تركت لبنان بعد إثنتي عشرة ساعة من انفجار المرفأ، وأنا مهووسة بطريقة أتخطّى بها قطيعة المنفى وأرمّم أوصال إحساس الانتماء الذي لم أختبره قط قبل اندلاع الثورة في لبنان. يسعفني في سعيي هذا أنّ قطيعة النفي لا تكتمل عند أبناء جيلي كما كانت في السابق. كثيرون منّا يثابرون على تخطّي المنفى من خلال علاقات نبنيها لنعزز التواصل مع من تركْنا وراءنا في البلاد. نرسل مالاً بانتظام، ونتواصل مع الأصدقاء يومياً في السوشال ميديا. نحاول تجاوز المنفى، وتجاوز انقطاع صلتنا بأحبابنا. لا أعرف إذا ما كان رفضي لأن أنتفي لينجح بدون الاستعانة بالسوشال ميديا وركاكاتها المريرة.

لا شيء يعوّض خسارة رائحة الحبيبة وخسارة لمساتها.

ولكنّ الثرثرة معها يومياً ترمّم التشظّي في قلبي. تشتاق إليّ كما أشتاق إليها، والتعبير المتواصل عن هذا الاشتياق يجترح علاقة عن بعد، تشبه العلاقة التي دأبت أبنيها مع البلاد. تفصلني الأميال والتواقيت المختلفة عنها، ولكن الكلام اليومي يربطنا، والاشتياق يغذّي عزيمتنا في التمعّن في الركاكات الغرامية.

إذا كان لا بدّ من كلمة منفى، فمعناها لا يكتمل إلا شراكةً: ما هي حال الحبيبة اليوم بعد الهجران؟ وكيف تعوّض هي خسارتها عندما خسرت أنا المكان؟ كيف سأرمّم هذا الشرخ الذي حدث عندما اضطررت (وكان لي القدرة) على مغادرة المكان؟ كيف سأصف للحبيبة أنّ هناك ما يجمعنا حتى عن بعد؟ هل يكفي أن أردّد أنني أحبها؟ ماذا عن الأصدقاء والزملاء؟ كيف سأقنعهم أنني لم أهجرهم حقاً، وأنني ما زلت متمسكة بأغلى ما قدمت الثورة في لبنان لي- الشعور بالانتماء؟

نقايض حبيبتي وأنا المكان بالزمان.

نشطره زمانين متوازيين: زمن التعويض عن الفراق والزمن المرتبط بالبيئة المسكونة. زمانان لا يلتقيان إلا في ذواتنا المتصدّعة والمنفلقة على نفسها. ننفصم. يحدّد الطب النفسي الفصام بتصدّع قدرة الأنا على فهم إحداثيات المكان والزمان. نعيش في العلاقة عن بعد الانفلاق الزمني كانفلاق مكاني. أوسلو للحبيبة هي موقع الحميمية اليومية معي. تتخيلها منفذاً للروح. وبيروت لي… أعجز عن الإفصاح عما تكون مدينتي لي.

يعترف أتباع فرويد بالعجز عن فهم الفصام لأنه حالة عصية على السرد. وهو كذلك لي، حاجتي للكتابة عن فصام التشرّد تضنيني. أغصّ بكلمات في لغات مختلفة، أحاول أن أجد مترادفات تلحظ الخسارة المشتركة التي تجمعنا. أستعين بغوغل فأجد نفسي أمام مفاهيم عصية على الترجمة.

أستعين بالمعاجم العربية والانكليزية وأنبش في كل المفردات التي أعرفها (وأتعرّف إليها) لكلمة يطابق معناها حالتي.

أجهد في التفتيش عن كلمة أستبدل المنفى بها.

أذهب إلى كلمة هجرة فأجد في معناها الثاني الابتعاد عن ملامسة الحبيبة والإعراض عن التغلغل في جسدها. أقرأ في جريدة محلية مقالة عن hjemmelengsel أو الحنين إلى الموطن الأول (كيف نترجم home إلى العربية). لو وجدت مرادفة مغايرة للمنفى بالإنكليزية، قد أهتدي إلى مقابل لها لم أفكر به في العربية. يعطيني قاموس أكسفورد كلمة errant فتأخذني ذاكرتي اللغوية إلى سيرفانتس وفارسه الدونكي خوتي. أجد الكتاب على النت وأفلفش صفحاته متذكرةً أول مرة قرأت في هذا النص منذ عشرات السنوات. أتأمّل بسفر هذا الفارس الحمار؟ أدرك أننا قد أصبحنا سانشو بانزا بعينه، ممسوخين على سخريةٍ من سيّد يغامر في أرواحنا ولا يضحكنا أبداً. سيّد يستغلّ خدمه ويكاد يهلكهم جميعاً. أترجم المفردة ضالّة وأقرأ معناها المطوّل في قواميس العرب.

نتحرّك في ضَلال، لا نعرف إن كنا فعلاً قادرتَين على قساوة الحبّ عن بعد. لا نعرف كيف سنستردّ حقوقنا السياسية. وطأة تشرذم قدرتنا على الفعل السياسي لا تحتمل. نضِلُّ السبيل إلى التغيير إبان همود الثورة. نرسل المال إلى أهالينا في لبنان، ونعرف أنه مال تستغلّه السلطة في كل عملية مالية يقوم الأهل بها. هذا مالنا، لحمنا الحيّ نرسله لكي يتبخر في لبنان. حتى في المنفى، لا ينتفي فعل الاستغلال الذي نتعرّض له.

هل أجد ضالّتي اللغوية إذا ما تمعّنت أكثر في سبب ترحالي؟

أفتّش عن معنى كلمة استغلال في الإنكليزية، فأجد تبجُّحاً ذكورياً ظافراً؛ سطحياً مقارنةً بعمق المرادفة العربية. معنى جذرها يرتكز إلى العطش. وكما يقول ابن سيده، نقول غليلاً للتعبير عن حرارة الحب والحزن- وأيضاً الثورة لو عرفها هذا اللغوي الأندلسي العتيق. ولذلك نسحبها على الأغلال مجازاً، فالعبيد ليس لهم تجرُّع الماء على هواهم. ومن يقطع الماء (والكهرباء) عن العبد يُعرف بالغليل أي الغشاش والحاقد والخائن والمُرتشي، غول يغُلّ في عباد الله. يسمى استغلالاً لأن فاعله يقبض على حساب إنسان آخر. عبيدٌ أمسَينا لأسياد غليلة. لا مسافة اجترحها بيني وبين هؤلاء الغولة تحررني من إغلالهم بكرامتنا. يدركونني باستغلالهم حتى هنا في أوسلو، في المنفى.

يجادل ياسين الحاج صالح بأنّ تجربة المنفى قد تكون محرِّرة إذا اعترفنا بوجودنا فيه وقبلناه. علينا أن نقبل بالانفصال والمضيّ قدماً نحو حرية مضطربة، أرِقة كلازمة لحياتنا الجديدة. نجد منفيّين مثلنا نصاحبهم. أنا لا أعترض على هذه الفكرة، ولكنّ غليل عشقي من سيسقيه؟ شفاه الحبيبة بعيدة بعيدة وعطشها لي يكرسح الحلقوم.

مــــــلــــــف
الهجرة الجديدة

يطرح هذا الملفّ جوانب مختلفة من موسم الهجرة الحالية، هجرة آتية بعد سنة من الثورة والانهيار والانفجار. ترسم مقالات المشاركين عالماً مسلوخاً بين الـ«هنا» والـ«هناك»، وهجرةً من دون عودة تؤمّن خلاصها.

الهجرة الجديدة، الهجرة الأخيرة سامر فرنجيّة
يوميّات مغترب جديد جوناثان داغر
المساحة بين هنا وهناك: عن الهجرة والذاكرة سنا التنوري كرم
إلى أن ينبت العشب من تحت الزفت ريان ماجد
في المنفى ركاكة رنا عيسى
الهجرة هجرتَيْن ألفة السعداوي
شجرة الثأر تانيا الخوري
انفجار جديد، انهيار آخر: المتاهة المتجدّدة فادي بردويل

تم نشر الملف في 13 آذار 2021.


الهجرة هجرتَيْن

لماذا لبنان؟ أنّني هنا على الأقل لن أضطرّ أن أتكلّم لغة هجينة ركيكة، وأنّ عربيّتي حتّى وإن تبلّدت ستسعفني كلّ يوم في حياتي فيما لا يشبه الغربة إلّا في تغيّر موقعي من المتوسّط. وكم في هذا من عزاء!

شجرة الثأر

عدتُ لأشهد على نظام يدافع عن نفسه بالأسلحة الثقيلة: تشبيح، تنمّر، إعلام سلطة، اعتقالات رأي، محاكم عسكرية للمدنيين، سرقة أموال الفقراء ومتوسّطي الدخل، اغتيالات، حرائق، ضرائب، ثم تكليل كلّ ذلك بأكبر انفجار غير نوويّ في تاريخ البشرية