مراجعة سينما
سامر فرنجية

«نجوم الأمل» و«Do You Love Me»

عن هذا النحيب الذي يُدعى «سينما تشرين»

22 نيسان 2026

«سينما تشرين»

بات هناك نوع جديد من السينما، يمكن تسميته بـ«سينما تشرين»، وهو عبارة عن أفلام تتّخذ من أحداث السنوات الأخيرة، أي رباعية «الثورة- الانهيار- الانفجار- الحرب»، خلفيةً لرواية قصصها، إما كموضوع للفيلم أو كحساسية سياسية له. مِن هذه الأعمال مثلًا، «قلق في بيروت» لزكريا جابر أو «كوستا برافا، لبنان» لمونيا عقل أو «متل قصص الحب» لميريام الحاج وغيرها. 

من آخر هذه الأفلام «نجوم الأمل» لسيريل عريس، والذي حظي بنجاح واسع في الصالات، كما بتغطية إعلامية إيجابية. يروي الفيلم قصة حب تمتدّ على مدار السنوات الأخيرة، أو استحالتها في بلد يعيش تكراراً للأزمات الدموية. وهي استحالة تمتدّ إلى خارج الفيلم، لتعبّر عن رواية قصص حب «طبيعية» في عالم فنّي «يتوقّع» من السينما اللبنانية ألّا تروي إلّا أزماته السياسية. 

في تكثيفه لأحداث المرحلة السابقة وتحويلها إلى حدث الفيلم الأساسي، يصلح فيلم «نجوم الأمل» ليشكّل نموذجاً لظاهرة «سينما تشرين». من خلاله، نستشعر بعض حساسيات تمثيل هذا الحدث، كما نصطدم ببعض حدود هذا التمثيل، وهي حساسيات وحدود اختبرناها في الشارع قبل أن نعود ونختبرها مجدداً على الشاشة. فـ«سينما تشرين»، بهذا المعنى، ليست سينما نابعة من حدث تشرين أو ما تلاه من أزمات، بل هي سينما بقيت عالقةً بلحظة الحدث وأسئلته، تكرّره بأدقّ تفاصيله، كمن يعاني من حالة اضطرابات ما بعد الصدمة، لعلّ التكرار يخفّف من وطأة الحدث. بالتأكيد هذا لا يعني كل الأفلام التي حاولت تمثيل هذا الحادث. فعبارة «سينما تشرين» محاولة لالتقاط حساسية حيال الصورة، كما هي رواية عن الحرب وعلاقتها بحاضر يبحث عن تمثيله السياسي.  

«الواقع يفوق الخيال»

تكرار الصدمة يتطلّب واقعيةً ما في الصورة، واقعية قد تشكل اللغة البصرية لـ«سينما تشرين»، كما تظهر في فيلم «نجوم الأمل»: صورة سريعة، ملتصقة بالواقع، تخلط بين لغة سينمائية ولغة التقارير الإعلامية التي وثّقت هذه الأحداث، تعيد بثّ صورة الانفجار والمصارف والطوابير، وتعيد بثّ التقارير الإعلامية عن هذه الأحداث، وكأنّها تخاف الابتعاد، وإن للحظة واحدة، عن هذا «الواقع» كما عايشناه في السنوات الأخيرة. 

«سينما تشرين» ليست تمثيلًا للواقع بقدر ما هي هذا «الواقع» نفسه. فبعكس أحداث الحرب الأهلية وقلّة صورها، والتي شكّلت خلفية جيل سابق من الأفلام، كانت أحداث السنوات الأخيرة، مفعمةً بالصور والتمثيل، اختبرناها أولًا من وراء الشاشات، وربّما فقط من وراء الشاشات بالنسبة للبعض. هي أحداث مزجت بين الواقع وتصويره، ليزول الفارق بين هذين المستويَيْن. «سينما تشرين»، بهذا المعنى، لا تخرج عن هذه القاعدة، فتتحوّل إلى صور إضافية، تكرّر ما سبقها، وتضاف إلى المشهدية التي باتت هي الواقع.

وجد هذا الالتصاق بصورة «الواقع» في اللغة البصرية لـ«سينما تشرين» تبريره في المثل المُضجر، «الواقع يفوق الخيال». جاء التكرار السريع لأحداث استثنائية، من وباء وانفجار وانهيار وحرب، ليشكّك بالفارق بين الطبيعي والاستثنائي، المتوقّع والمستحيل، الثابت والمتحرّك، وبالتالي الواقع والخيال. «الواقع يفوق الخيال» ليس مجرّد استعارة، هو إعلان بروز نوع جديد من السينما، أو من اللغة البصرية، التي ترفض أو لا تستطيع الابتعاد عن هذا «الواقع المصوَّر»، استحالة تحوّلت إلى تبرير أخلاقي، بعد الاستعانة بعبارة أدورنو الشهيرة عن استحالة الشعر بعد المحرقة. فسجنت «سينما تشرين» نفسها في حدود هذا «الواقع المصوَّر»، لتتحوّل إلى ما يشبه تقريراً إعلامياً طويلاً، ما زال يروي حدثاً قديماً في صيغة «خبر عاجل».

الدوران العبثي للواقع

الالتصاق بالواقع ليس خيارًا سينمائيًا وحسب، بل هو نابع من الرواية الضمنية التي تحرّك الفيلم، وهي الدوران العبثي للواقع، الذي يكرّر الأزمات، واحدة تلو الأخرى، من دون أي إمكانية للهروب منها. فالأجيال الجديدة محكومة بتكرار تجارب الأجيال التي سبقتها، تتناقل هذه العدوى في ما تكرار عبثي. الهجرة تعود، والرصاص يعود، والحروب تعود، ولا شيء يمكن أن يكسر هذه اللعنة، «لعنة أن تكون لبنانيًا». وعندما تفقد الأحداث معانيها باستثناء كونها تكراراً لهذا الدوران العبثي، لا يعود مستغرباً ألا تستطيع الصورة الابتعاد عنها. فليس هناك من جديد أو غريب أو طريف أو متخيّل أو عجيب. مجرّد تكرار للمنطق ذاته. فنلتصق بالصورة كمن يلتصق بخريطة طريق، لنطمئنّ بأنّ هذا التكرار هو كل ما هو موجود.  

العودة إلى المركز

لكن بالنسبة لمَن تبدو الأزمات كمجرّد تكرار عبثي؟ 

الالتصاق بالواقع، مهما كان يفوق الخيال، لم يأخذ «سينما تشرين» بعيدًا، لم يكشف واقعًا مختلفًا من عمق الروايات الرسمية للأحداث، ولم يفتح أفقًا لمحاولة العيش في عالم الصور بطريقة مختلفة عن السائد. السائد هو ما يبدو أنّ فيلم «نجوم الأمل» يطمح له. فبعد محاولة مخرجين ومخرجات كسر مركزية بيروت في السينما اللبنانية، أعاد هذا «الواقع المصوَّر» السينما إلى المركز، وإلى طبقة معيّنة في هذا المركز، طبقة تفهم الهجرة كانتقالٍ إلى دبي وليس كرحلة على قوارب الموت، طبقة تبدو لها الأزمات مجرّد تكرار عبثي ودمار متراكم. 

فـ«سينما تشرين» هي سينما المركز، سينما لا يقلقها منظورها الخاصّ عن هذه الأحداث الجماعية، واختزالها تجارب مجتمع بأكمله بحساسيتها الخاصة. هو منظور يضع مفهومه عن «الحياة الطبيعية»، أي العمل والعائلة والأولاد، في وجه فساد مُبهَم منع عن هذه الطبقة الحق بحياة طبيعية. هو منظور مَن اكتشف الإهانة واللاعدالة في عام 2019، مستنكرًا كيف بات مصيرُ العامّة مصيرَه أيضًا، كما اختبره في الطوابير، هذا الاختبار القاسي في الانصهار الطبقي. «سينما تشرين» وصفحة «وينيه الدولة؟» تتشاركان البنية الأخلاقية ذاتها. 

الـ«نحن» كممثِّل للعامّ

إنّها سينما الخيبة إذاً. 

وفي لحظات الخيبات، يبرز عادةً ميلٌ بيوغرافيّ عند منتجي الثقافة الذين يجدون في العودة إلى الـ«نحن»، أي إلى تجاربهم الخاصة وتجارب عالمهم الثقافي، ملاذًا من الخيبات العامّة وتشخيصًا لفشل سياسي. نرى ميلًا كهذا في بعض أفلام الحرب الأهلية أو الروايات البيوغرافية التي فاضت بعد الحرب الأهلية، والتي كرّرت رواية خيبات اليسار ومصير عوالمه. ونراه اليوم في محاولات «سينما تشرين» رواية آمال وخيبات مَن شارك في هذه الأحداث، أو على الأقلّ فئة منهم. فتتحوّل هذه الأفلام إلى محاولات متكرّرة لرواية الانعكاسات الخاصّة لهذه الأحداث الجماعية، من خيبات وهجرة وقلق وهروب وطلاق. 

لكنّ الانزواء إلى الحيّز الخاصّ، سواء في الماضي أو الحاضر، لم يحدّ من الرغبة في تمثيل العامّ، أي لم ينبع من فضول بشأن هذا الخاصّ وتفاصيله الحميمة. الخاصّ الذي ذهب إليه فيلم «نجوم الأمل» هو مصغَّر عن العام، ممثِّل له. شخصياته ليست إلًا كناية عن كتاب تاريخ لبنان الحديث، حياتها فصول منه، من الحرب الأهلية إلى طوابير الباسبورات. حياتهم مجرّد كاتالوغ لأحداث البلاد الكبيرة. فما من فقر أو ذكورية أو عنصرية أو عنف، بل مجرّد حرب أهلية وإعمار وانهيار وانفجار، أي عناوين عامة فحسب. 

فالاستحالة البصرية للابتعاد عن «الواقع المصوَّر» تتحوّل في الخطاب إلى ضرب من النرجسية الوطنية، لينكشف هذا التوق إلى «الحياة الطبيعية» لما هو عليه، أي الادّعاء بتمثيل العام من خلال تجربة فئة واحدة. وهنا تفقد الثقافة دورها التجاوزي، أي دورها التشكيكي والتفكيكي والرافض للسائد وحدوده، لتعود «ثقافة وطنية»، ثقافة تحاول تمثيل العام، في لحظة فقدان ممثلين سياسيين، «ثقافة وطنية» تحاول استكمال «ثورة تشرين»، بعدما فقدت هذه الثورة أيّ بُعد تجاوزي. 

«Do You Love Me» كاللاوعي التاريخي لـ«سينما تشرين»

كان فيلم «نجوم الأمل» في بدايات عروضه الناجحة عندما عادت الحرب لتفرض إيقاعها مجدّدًا، وكأنّ الواقع جاء ليؤكد رواية الفيلم الدورانية. قصص الحب مستحيلة في لبنان، رواية قصص الحب مستحيلة في لبنان، رواية استحالة الحب أيضًا مستحيلة في لبنان. 

بدأت الحرب الأخيرة مع «نجوم الأمل» في الصالات، لكنّها انتهت مع فيلم آخر، حظيت عروضه بنجاح واسع أيضًا، كما بتغطية إعلامية إيجابية. بالشكل، يبدو فيلم «Do You Love Me» للمخرجة لانا ضاهر، مختلفًا عن الذي سبقه قبل الحرب. تركيبٌ بصريٌّ من مقاطع من أفلام لبنانية وأرشيفات خاصة عن الحرب وبيروت، تمّت خياطتها لكي تقدّم رواية «جامعة»، بتعدّد مصادرها، في ظلّ غياب أيّ رواية رسمية جامعة، كما يوضح الفيلم في بدايته. 

لكن رغم الاختلاف الظاهري، يتشارك الفيلمان العلاقة ذاتها بين الصورة والواقع، حيث يبدو فيلم «Do You Love Me» كاللاوعي التاريخي لـ«سينما تشرين». صور الأرشيف مقطّعة، سريعة، مسلوخة من سياقها من أجل إعادة تحويلها إلى مقاطع من رواية دوران العنف العبثي الذي يبدو كمنظور جامع لهذه الأفلام. فكما مع «نجوم الأمل»، تُحبَس الصورة هنا في الواقع، وتُغلِق أيّ إمكانية للخروج عنه. بل أبعد من ذلك، يعمّم الفيلم هذه النظرة إلى الصورة، إلى الأرشيف، ومن خلاله إلى تاريخ الصور. ليست الصورة سجينة الواقع اليوم، بل كانت سجينة الواقع دائمًا. 

أرشيف بلا تاريخ

ها نحن مجدّدًا أمام سينما ممثِّلة للعام، في ظلّ فقدان تمثيل سياسي لهذا العام. السينما أو أرشيف صور «جوّ» ثقافي معيّن، تمّ رفعه إلى مرتبة الرواية الجامعة. وثمن هذا التحوّل سلخ هذه الصور من سياقها السينمائي والتاريخي، لكيّ تتحوّل إلى مجرّد جمل أو كلمات أو مقاطع قصيرة، يتيمة، لا صلة لها بأيّ سياق غير هذه الرواية الوهمية والجامعة عن حروب عبثية، تخلط بين سيارة مفخخة وانفجار المرفأ والاحتلال. فإذا كان «نجوم الأمل» يؤكّد انغلاق الخيال بحدود الواقع، يوكّد «Do You Love Me» انغلاق الصورة على ذاتها بأرشيف من التكرار والتشابه. 

ما ينتج عن هذا الانغلاق هو نوع من الشاعريّة التي ظهرت في الفيلم، تسودها لحظات من النوستالجيا أو حتى لحظات قليلة من التشكيك بذلك التكرار. لكنّ ما يطغى على تركيب الصور الأرشيفية هو التشابه. فهو بحث عن «مشترك»، إن لم يكن بالمضمون، فبالشكل. ذلك أنّ «سينما تشرين»، في بحثها عن تمثيل لهذا الشعور العام من الخيبة وما تلاه من عبثيةٍ ما، هي سينما محكومة بالتشابه، تريد أن تشبه الواقع، وتحتاج إلى أن يكون الحاضر نسخةً من الماضي، وتتخيّل العامَّ كالسائد، فتخشى الابتعاد عنه، كما خافت ثورة تشرين أن تبتعد عن السائد باسم الضرورات السياسية.

ثلاثيّة الثقافة اللبنانيّة

«لماذا لا تستطيع تخيُّل قصّة حبّ خارج أحداث البلد؟»، قد يشكّل هذا السؤال منطلق «نجوم الأمل»، وجوابه بسيط: لأنّ البلد سجين تكرار للأزمات السياسية، تكرار يحوّل الطبيعي والاستثنائي بمنظور هذه الفئة، أي العمل والعائلة والأولاد، إلى عمل مستحيل. «لماذا لا تستطيع تخيُّل قصّة حبّ خارج أحداث البلد؟»، لأنّنا لم نستطع فعل ذلك أصلًا، كما يؤكّد «Do You Love Me».

قد يبدو هذا الجواب مقنعًا، نلتمس واقعيّته في يومياتنا. 

لكنّ هذا السؤال قديم، وتكراره، عبر أجيال من منتجي الثقافة، يشكّك بصلابته المفترضة. هو ليس سؤالَ الثقافة في لبنان، هو سؤال مَن ينظر إلى الثقافة كعمل وطني، عليه تمثيل العامّ في غياب التمثيل السياسي. هو سؤال مَن يقدّم على تمويل خارجي، وعليه تبرير عمله في محاكم عالمية تموّل سينما الأطراف. وهو سؤال مَن يتذمّر من السياسة ولا يستطيع الابتعاد عنها ولو فشخة.  

تقف هذه المقولة، أي مقولة استحالة رواية قصص طبيعية في لبنان، إلى جانب مقولتين أُخريَيْن، بات تكرارهما من عواميد الثقافة في لبنان، نتوارثها من دون التشكيك بها. الأولى هي غياب النقد، رغم ما يبدو من تَوْق جماعيّ للنقد. أما الثانية، فهي مقولة عدم تراكم العمل الثقافي ولعنة البدء من الصفر مع كل جيل جديد. وإذا وضعنا تلك المقولات جنبًا إلى جنب، نحصل على ثلاثية الثقافة اللبنانية: استحالة الرواية، غياب النقد، توقّف التراكم. 

في هذا المكان، «سينما تشرين» هي استكمال للثقافة اللبنانية، أو لنَحيبها. هذه الثلاثية ليست توصيفاً لواقع، هي تقديم لصورة الثقافة عن ذاتها، كعمل تراجيديّ ووحدانيّ، محكوم عليه البدء من الصفر ليملأ الفراغ السياسي. هي ثقافة محكومة بمحاولة رواية حروب لبنان مجدّدًا، من الحرب الأهلية إلى الحرب الأخيرة، وكأنّها المرّة الأولى، مجدّدًا. 


لكن إذا كان هناك من جدوى لسينما كهذه، فهي أنّها تُظهر بكامل الوضوح أزمتنا السياسية، نحن الفئة التي تحاول الهروب من المدنيّة، إلى دبي أو الضيعة، بحثًا عن مسافة صغيرة لحياة طبيعية بعد خيبات السياسة. يمكن الوقوف عند هذا الحدّ، وهذا يُدعى نحيباً. ويمكن البدء بالنقد، وهذا ما قد يفتح إمكانية لواقع مختلف، يخرج من دمج الصورة والواقع، من مركزية مدينيّة وطبقيّة ومن دفاع عن طبيعيّ وسائد قد يشكّل هو مصدر الأزمة. 

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
الجنوب يودّع شهداءه
مراجعة

«نجوم الأمل» و«Do You Love Me»

سامر فرنجية
إسرائيل تواصل خرق الهدنة: شهيدٌ بغارة على الجبّور
ترامب يمدّد الهدنة وإيران تستعرض صواريخها في طهران
الوسيطات في طرابلس: الحوار في مراكز الإيواء
ماكرون: على إسرائيل أن تنسحب من جنوب لبنان