القلق من العنف الأهلي
يزداد الكلام في اللحظة الراهنة عن خطر الانزلاق إلى حرب أهلية، وليست التصاريح المتكرّرة التي تؤكّد الالتزام بالسلم الأهلي أو رفض الاقتتال الداخلي أو الداعية للسلام إلّا دلالة إضافية عن احتمال هذا الانزلاق. لكنّ الكلام عن حرب داخلية لا يمثّل بالضرورة الخوف من العودة لعام 1975، وإن كانت بعض التصاريح السياسية قد أعادت الوضع إلى ما كانت عليه الأمور آنذاك. هو تعبير عن قلق جماعي من عنف داخلي، قد لا نمتلك أدوات ضبطه هذه المرّة. فـ«الحرب الأهلية» هي إسم القلق الجماعي اللبناني من عنف أهلي غير مضبوط. وهذا القلق بات اليوم شرعيًا، مهما تعالى قبضايات وسائل التواصل الاجتماعي على خطورته.
توحُّش المجتمعات
في كتابه «من الحرب العالمية الأولى إلى التوتاليتارية: توحّش المجتمعات الأوروبية»، يحاول المؤرخ جورج ل. موسه الإجابة على سؤال كيفية عودة «القابلية» حيال العنف السياسي في المجتمعات الأوروبية بعد مذبحة الحرب العالمية الأولى. والجواب يكمن في ما يسمّيه توحّش هذه المجتمعات في مرحلة ما بين الحربَيْن، واستعدادها لمرحلة جديدة من العنف، الداخلي والخارجي. العنوان العربي مأخوذ من الترجمة الفرنسية للكتاب، De la Grande Guerre au totalitarisme : La brutalisation des sociétés européennes. العنوان الأصلي للكتاب: Fallen Soldiers: Reshaping the Memory of the World Wars
فعالم الحرب العالمية الأولى، كما تمّ استذكاره وتخليده في المرحلة التي تلت القتال أو ما يسميه موسه «أسطورة تجربة الحرب»، مجّد الحرب ومفاهيمها، من التضحية والاستشهاد والرجولة والوطن وغيرها من المفاهيم، ما سهّل عودة العنف إلى الحقل السياسي، وشرعنَ استعماله في السنوات التي أدّت إلى الحرب العالمية الثانية.
أدّى هذا التمجيد للحرب إلى سيرورة توحّش في السياسة، أو تعنيف، رصدَ موسه معالمه في جوانب مختلفة من سياسة ما بين الحربَيْن. فما يرسمه هو عالم باتت فيه لامبالاة متزايدة تجاه الموت وقدر متزايد من القسوة، خدّر الناس أمام وحشية البشر وخسارة الأرواح، وطبّع عنفاً بصريّاً ولفظيّاً. في عالم كهذا، باتت السياسة تُرى بشكل متزايد كمعركة يجب أن تنتهي باستسلام غير مشروط للعدوّ، وتُحرّكها رغبةٌ في إبادة العدوّ، بعدما تمّ تطهير الأصوات الوسطية. لم تكن إشارات هذا التوحّش سياسيةً وحسب، بل اجتماعية أيضاً، رصدَها موسه في تكاثر النكات عن الموت وتصاعد الجرائم العنيفة وتزايد الصور النمطية عن الآخر وانتشار نظريات المؤامرة وصعود قيَم الرجولة، وغيرها من الأمور التي سهّلت عودة العنف السياسي إلى عوالم لم تكن قد تعافت بعد من دمار الحرب السابقة.
توحّش في لحظة حرب
ليس من الصعب استشعار بعض ظواهر هذا التوحّش في لبنان أو عودة القابلية للعنف، أو على الأقلّ، فقدان حساسية جماعية ضدّ هذه العودة. قيل الكثير عن جريمة حزب الله بحقّ هذا السلم الأهلي وتعنيفه للسياسة، ومن الواضح أنّ خصوم الحزب باتوا شركاء أيضاً في هذا التعنيف، محمولين من رغبة دفينة بالانتقام. فتحوّل الخطاب السياسيّ إلى تحضير لعنف قادم، ليس فيه مكان لأيّ مساومة خارج مطلب استسلام العدوّ، مدفوعًا من إعلام ووسائل تواصل اجتماعي بدأت ترسم شكل الخريطة البصرية لما ستكون عليه حالة الانقسام القادم. لكنّ التوحّش ليس سياسيًا فحسب. فقد تمّ التمهيد لصعود هذه القابلية للعنف من خلال حملات العنف المتنقّلة في السنوات الماضية، والتي طبّعت عودة العنف الاجتماعي. كما أنّ الحرب الأخيرة، ومن قبلها انفجار المرفأ والانهيار المالي، عمّقت عودة القسوة إلى الوعي الجماعي، وسهّلت مسار تعنيف السياسة. القلق من الحرب الأهلية، بهذا المعنى، ليس قلقًا حيال احتمال عنف مستقبلي، بل هو تشخيص لحالة توحّش راهنة، أصبحت هي المحرّك الأساسي للسياسة اللبنانية.
سقوط «الحرب الأهلية» كحاجز
القلق من الحرب الأهلية في لبنان ليس قلقًا نابعًا من اعتبارات جيو-استراتيجية أو تحاليل عسكرية، بل هو الشعور الموازي لتمادي حالة التوحّش في مجتمعنا ولفقدان أيٍّ من الحواجز المعتادة التي كانت تضبطها في الماضي. من بين هذه الضوابط، ذكرى «الحرب الأهلية»، والتي شكّلت في السنوات الأولى للجمهورية الثانية، إحدى التجارب أو الحساسيات السياسية، التي كانت تحدّ من القابلية للانزلاق نحو حلول عنفية. فإلى جانب تواريخ الحرب الأهلية الحزبية، والتي كانت تمجّد العنف وبطولاته وشهداءه، كان هناك تاريخ معاش للحرب، حملته أجيال الحرب، وحفر في وعيها رفضًا لما تمثّله الحرب الأهلية من ذلّ وقسوة ودمار. زالت هذه الذاكرة مع خروج هذه الأجيال من السياسة، وخرجت معها الحساسية الموروثة حيال العنف، لتظهر مكانها أحزاب وشخصيات تعتبر نفسها منزّهة من هذه التجربة، ولا تخيفها محاولة اللعب مع العنف مجددًا.
الليبراليّون يرتدون البزّة العسكريّة
شكّل منطق العنف الأهلي المدخل الأساسي لنقد تجربة اليسار اللبناني، والذي تحوّل مع تطور الحرب الأهلية إلى «غلاف كلامي» لحرب أهلية، يحاول تلبيس العنف بعبارات أيديولوجية، ريثما يحافظ على نقاوته النظرية. وصعدت الليبرالية العربية على أنقاض هذا اليسار، كتجربة مدركة لحدود العنف الأهلي. لكن مع الحرب الحالية، تبيّن أنّ ليس في هذا التيار الليبرالي أيّ حساسية حيال العنف وخطورته، لتتحوّل الليبرالية العربية إلى مجرّد تلبيسة نظرية لعملية عنفية أخرى. فكما برّر اليسار يومًا ما العنف «تقدّميًا»، نرى اليوم تنظيرات ليبرالية تبرّر العنف الحالي كآخر حرب قبل السلام، آخر عملية عنفية قبل بناء الدولة، آخر معركة قبل تحديث المجتمعات. هكذا يقضي التوحّش على أي فكرة، مهما حاولت التذاكي عليه.
عالمٌ حاضرٌ لاستقبال العنف
فقدان أيّ حساسية حيال العنف أو أيّ ضابط داخلي قد يحدّ من انتشاره، يتزامن مع فقدان مماثل على الصعيد الإقليمي والعالمي. فللمرّة الأولى منذ عقود، نجد أنفسنا في لحظة تاريخية، ليس فيها أيّ ضابط، مؤسساتي أو غيره، قد يشكّل إطارًا لإدارة العنف. بل، بالعكس، نشهد صعود تيارات سياسية وحكومات تمجّد العنف ولا تمانع استعماله دوريًا. هذا هو عالم الإبادة الذي بات قائماً بذاته، مهما حاول البعض حصره في غزّة. في لحظة كهذه، كان من المجدي محاولة حماية البلاد من العنف القادم، بتجنّب الحروب سواء كانت إقليمية أو داخلية. لكنّ إغراء العنف أقوى، والحماسة له باتت من حولنا.