توتّر خطابي في انتظار الاقتتال الداخلي
منذ اندلاع الحرب الأخيرة، بات واضحًا أنّ الحدود الخطابية سقطت، فاتحة المجال أمام تصعيد كلامي لم يعد يترك أي إمكانية لمساومة أو حتى لـ«خط رجعة». سواء في تصريحات السياسيين، الرسميين والحزبيين، أو في ما يعرضه إعلامهم من «ردّات فعل شعبية»، يبدو أنّ الانقسام الداخلي قد وصل إلى حدّ اللاعودة، منتجًا «بلدين» يتصارعان على بقعة أرض، مساحتها تصغر مع كلّ توسّع لجيش الاحتلال في الجنوب.
هناك سباق إعلامي نحو التطرّف، إذن، وكأنّ لحظة الحرب الإقليمية هي لحظة تفاوض داخلية، وبات من الضروري تصعيد الموقف تحضيرًا للتفاوض- الاقتتال القادم. لكنّ هذا التصعيد قد لا يمكن ضبطه بعد انتهاء الحرب، كونه يلغي أي إمكانية لتفاوض داخلي في بحثه الضمني عن ضربة قاضية، تُنهي الطرف الآخر. لكن بعد زوال هذا «الوهم»، أي وهم الضربة القاضية، سيكون هناك حاجة للعودة إلى التفاوض، وسنجد أنّ هذه التصاريح والخطوات باتت ألغامًا تقف أمام أي إمكانية حلّ.
طرد سفير
من بين هذه الخطوات التصعيدية، قرار وزير الخارجية يوسف رجي إلغاء اعتماد السفير الايراني في لبنان وطرده بعد إعلانه شخصاً غير مرغوب فيه. بغضّ النظر عن الإشكاليات الدستورية المحيطة بخطوة كهذه، فإنّ نتيجتها الأولى توتير الساحة السياسية من خلال تصعيد دبلوماسي غير مسبوق من قبل وزير مقرّب من حزب القوات اللبنانية.
تأتي هذه الخطوة في سياق المساعي الحكومية التدريجية لعزل حزب الله، أوّلاً من خلال قرار «الحظر الفوري لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية كافّة باعتبارها خارجة عن القانون»، ثمّ من خلال إعلان استعداد الحكومة استئناف المفاوضات مع إسرائيل. لكنّ ما بدا للوهلة الأولى سياسةً رسميةً تدريجية تحاول الضغط على حزب الله والحفاظ على مخرج ما للأزمة الداخلية، سقط مع التصعيد اللاحق، أولًا من خلال الحركة «البلا طعمة» لمنع استعمال كلمة «مقاومة» في ظل احتلال واسع، وثانيًا من خلال اعتبار بعض الوزراء أنّ الحرب في لبنان هي بين إيران وإسرائيل، ما جعل خطوة رجي ممكنة.
تأتي إذن خطوة رجي كمحاولة، ولو بالتشاطر، لحسم التباس الموقف الرسمي، القائم على التعايش بين موقفين حتى هذه اللحظة: موقف يحاول الحفاظ على «تخريجة» لحزب الله، وموقف يحاول الضغط على الحزب لاستخراج تنازلات باتت ضرورية. أمّا الطرف الآخر، فيريد الاستفادة من اللحظة الراهنة للقضاء التامّ على حزب الله ونقل لبنان إلى عمق المحور المقابل. قرار وزير الخارجية هو انقلاب على التيار الأول من خلال خطوة متطرفة تدفع إلى تفجير هذا الالتباس وحسم الموقف الرسمي.
تصعيد بلا أفق
تشكّل خطوة رجي تصعيدًا سياسيًا غير مسبوق، ليس له من أفق إلّا توتير الداخل اللبناني، هذا إن لم تكن الغاية هي بالضبط هذا التوتير للداخل، بغية تحويل أي إمكانية لاتفاق داخلي مستحيلةً.
ففي السياسة، تأتي هذه الخطوة التي لم تؤخذ من قبل دول عربية أخرى، والنادرة بحق أي سفير في التاريخ الحديث للبنان، كمحاولة لترجمة نتائج العدوان، قبل أن ينتهي. فيتزامن طرد السفير الإيراني مع الدعوات الرسمية المتكرّرة لاتفاق سلام مع إسرائيل، وكأنّ ما يراد من هذه الخطوة هو ترجمة العدوان دبلوماسيًا، حتى قبل انتهاء الحرب. واللافت أنّ خطوة كهذه، والتي يمكن فهمها كإعلان اعتبار إيران بمثابة «دولة عدوة»، تتطلب أكثر من قرار فردي من وزير واحد.
من المرجّح أن قراراً كهذا لن يصمد أمام الانقسام الداخلي أو أمام الحاجة الدبلوماسية لقنوات اتصال مع إيران، خاصة في لحظة عودتها المحتملة إلى طاولة التفاوض الإقليمية. فهو يأتي بعد سلسلة من المواقف التي لا أفق سياسياً لها، من حادثة «صخرة الروشة» إلى شطب عبارة «المقاومة» من النصوص الرسمية، باستثناء تصعيد حدّة الخلاف الداخلي. لكنّ من اتخذ هذا القرار يدرك ذلك. فالهدف قد لا يكون طرد السفير بقدر ما هو محاولة انقلاب على الحكومة لدفعها لاتخاذ موقف لا رجعة عنه، مستفيدة من الحرب الراهنة.
مع قرار كهذا، يهدّد يوسف رجي الالتباس الحكومي الذي سمح بضبط الأمور حتى الآن، لكي يحوّل الحكومة، إن رضخت لهذا القرار، إلى ناطقة باسم التيار المتشدّد الذي يمثله وزير الخارجية.
عودة صفا وخطاب التخوين
في إطلالته الأولى منذ بدء العدوان، قرّر مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله أن يؤكّد للجميع ما يخشونه من حزب الله، مسترجعًا خطابات التخوين والترهيب، الذي اشتهر فيها في لحظة حكم حزب الله للبنان. فأكّد أن حزب الله دخل الحرب جزئياً ثأرًا لسماحة القائد، غير آبه بالدمار الذي خلفه هذا الثأر على البلاد التي قد لا تشاركه هذه الرغبة الثأرية. كما أكّد حتمية الخلاف الداخلي القادم، مهددًا بما يشبه 7 أيّار جديد، إن لم تتراجع الحكومة عن قرار حظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب. ويأتي هذا التصريح بعد نعت محمود قماطي الحكومة الحالية بـ«حكومة فيشي» متوعدًا محاكمة أعضائها وربّما إعدامهم.
كان من المنتظر من حزب الله، بعد هزائم السنوات الأخيرة، أن يتقدم من جمهوره واللبنانيين، ببعض النقد الذاتي وإعادة التفكير بخطابه السياسي الموجّه إلى الداخل. بدلاً من ذلك، قرّر الحزب الاستمرار بنهج التهديد، مؤكدًا بما يشبه الاستفزاز الرخيص ولاءه الأول لإيران. فتذكّر هذه التصريحات بوصف الأمين العام السابق لحزب الله أحداث 7 أيار بـ«اليوم المجيد»، والتي أكّدت أن العنف ليس فقط مفروضًا على حزب الله، بل هو أسلوب عمله الأساسي. جاء صفا، الذي اشتهر في الآونة الأخيرة بدوره التصعيدي في الداخل، لكي يؤكد للّبنانيين أنّ حزب الله، بعد الحرب مع إسرائيل، متحضّر لحرب داخلية.
كذلك يأتي هذا التصريح للقضاء على التباس دار حول موقف حزب الله، بين تيار يريد تسوية داخلية وآخر مرتبط بإيران، لا تحرّكه إلّا اعتبارات إقليمية. حسم صفا هذا الموقف لكي يؤكّد أن ما من جناحين، سياسي وعسكري داخل الحزب، بل مجرّد جناح عسكري له تمثيل سياسي.
كسر الالتباس
تأتي خطوة رجي وتهديدات صفا لكي تلغي أيّ إمكانية لالتباس قد يدخل بعض المرونة في السياسة. قرار رجي يضع الحكومة بأكملها في معركة وجودية مع حزب الله، وتهديد صفا يؤكد أنّ لا إمكانية لأي مسافة من المشروع الحربي الإيراني لدى حزب الله. ما تحققه هذه الخطوات أنّها تؤكد لكل طرف صورته عن الآخر: هناك طرف يريد الاستفادة من الحرب وطرف يريد الانقضاض على الداخل. ربّما كانت هناك مصلحة لدى الأجنحة المتطرفة في كل طرف إلى دفع الأمور نحو ذلك المنحى، لكنّ ما لم ينتبهوا إليه (أو ربّما انتبهوا)، أنّ الرجعة قد لا تكون متاحةً بعد هذه التصاريح.