تعليق لبنان الكبير
سامر فرنجية

هيمنة أم انعزال؟ 

تخبُّط القوى المسيحية مع تاريخها

29 نيسان 2026

موقف شخصي…

لسبب مجهول، قرّر شارل جبور، رئيس جهاز الإعلام في حزب القوات اللبنانية، أن يغرّد ويدلي بموقفه الشخصي: لم أكترث يومًا بمساحة الـ10,452 كيلومترًا مربعًا، بل كان همّي دومًا، ولا يزال، الحفاظ على نمط عيشي ضمن المساحة التي أعيش فيها. موقف شخصي… لم يكن مستغربًا أن يثير هذا الموقف سجالًا لكونه، في موسم كسر التابوهات الحالي، يكسر تابوهًا آخر، وهو التقسيم. انتقد البعض موقف جبور لخروجه عن «إرث بشير» المتمسّك بالـ10,452 وعودته إلى موقف القوات اللبنانية في الثمانينات، في زمن الكانتونات والانعزال. فحسب السجال الحالي، هناك موقفان سياسيان يلخّصان القوى المسيحية: إمّا التمسّك بالوحدة وإمّا الانفصال. فلكلّ طائفة، هناك الموقف «المقموع»، والذي يشكّل تهديدها «الضمني» للنظام. عند حزب الله والثنائي، هو التهديد بالغلبة العددية والسلاح. عند المسيحيين، هو الانفصال. وهذا ما فجّرته تغريدة جبور.

موقف واحد على هيئة ثنائيّة

لكن رغم السجال، لا يبدو أنّنا أمام موقفين نقيضَيْن. فـ«الموقف الشخصي» لجبور، بانتقاله من الموقع الأوّل إلى الثاني، ليس موقفًا شخصيًا تمامًا، بل موقف رائج في بعض الأوساط المسيحية، ولهذا الرّواج تاريخه. فرغم الوطنيات التي حيكت حول شعار الـ10,452، لم يكن هذا الشعار يعبّر عن تقبُّل للبنان، بتنوّعه السياسي، بقدر ما كان محاولةً لاستمرار التماهي السياسي بين فكرة لبنان وسيادته من جهة، وسيطرة القوى المسيحية عليه، أي أنّه شكّل آخر محاولة لإعادة إحياء «الهيمنة المارونية». والهيمنة هنا تعني تحويل المنظور السياسي المسيحي إلى منطلق عام، طبيعي، يخبئ المصالح تحت شعار جامع. أمّا موقف الانفصال الذي برز في ثمانينات القرن الفائت، فجاء كردّ فعل لفشل آخر محاولة لإعادة إحياء «هيمنة مارونية»، بعد اغتيال بشير الجميل، وكأنّ الخيار كان إما السيطرة على بقعة واسعة من خلال الهيمنة، وإمّا السيطرة على بقعة أصغر من خلال القوة. بهذا المعنى، لم يعبّر جبور عن خروجه عن إرث بشير بقدر ما عبّر عن حقل الخيارات المتاحة أمام القوى السياسية المسيحية.

فاصل الإحباط المسيحي

لم يكن الخيار دائمًا محصورًا بهذه الثنائية. فقد تبلور، لفترة قصيرة امتدّت لحوالي عقدٍ ابتداءً من منتصف التسعينات، موقف مغاير لهذه الثنائية، انطلاقًا من الضرورة السياسية للتحالفات بين الطوائف. لم تكن بداية هذه المرحلة مؤاتية للقوى المسيحية، الخارجة من حرب مدمّرة بين قطبيها الأساسيين، والداخلة إلى مرحلة قمع وإحباط، وقد شكّل نفي وسجن زعمائها المثل الأوضح لهذا القمع. في هذا الوضع المعادي، تطور موقف سياسي، تخلّى عن ثنائية الهيمنة / الانفصال، بدأ مع مصالحات مختلفة، كالتي جرت بين حزب الكتائب اللبنانية وقوى فلسطينية أو «مصالحة الجبل»، وامتدّ إلى أنماط عمل جماعية، كاجتماعات قرنة شهوان أو ما تلاها من تحالفات مع قوى باتت تعرف بـ«السيادية»، حتى وصل الأمر إلى تحالف سياسي بين قوى سياسية من شتّى الطوائف، أي تحالف 14 آذار، لم يشكّل فقط الرافعة الداخلية لفرض انسحاب الجيش السوري أو المدخل لعودة الزعماء المنفيين وخروج المسجونين، بل قدّم أيضًا نموذجًا عن سيادة أوسع من المفهوم الضيّق الذي كان سائدًا قبلها. 

عودة المسيحي القوي

لم يدُم هذا الخيار «التوافقي» طويلًا، في ظلّ تعنّت بعض «الشركاء» إزاء «عودة» القوى المسيحية إلى الساحة السياسية من جهة، وصعود إغراء «المسيحي القوي»، من جهة أخرى، والذي جمع مروحة واسعة من الفعاليات المسيحية التي كانت تبحث عن عرّاب بعد خروج النظام السوري من لبنان. بدأ «الخيار التوافقي» يفقد من قدرته على مواجهة المطالب الشعبوية حول استعادة الحقوق المسيحية، بدءاً من القانون الأرثوذكسي ووصولًا إلى انتخاب «الرئيس القوي». في تلك اللحظة، لم تكن القوى المسيحية قد تخلَّت بعد عن خيارها التوافقي، بل قرّرت الدخول إليه من موقع موحّد وأقوى، فجاءت التسوية الرئاسية وملحقها السرّي، لتضع حدًّا لانقسام الطائفة. 

ثورة وانفجار وحرب

بدوره، لم يدُم هذا الخيار طويلًا. أطاحت الثورة بـ«الرئيس القوي»، تاركة زعيمًا واحدًا على ساحةٍ باتت خالية من أي طرف سياسي جدّي باستثناء حزب الله. ثمّ جاء انفجار المرفأ الذي صنّفته المخيّلة المسيحيّة كهجوم على «مناطقها» من قِبل حزب الله، وقد دعّم الأخير هذه الشكوك من خلال محاولته فرض حالة من الحرب الصغيرة على التحقيق بالانفجار. بعد ذلك، جاءت الحرب التي تلاها وقفٌ لإطلاق النار وكلامٌ عن المفاوضات، ما دفع بالإجماع المسيحي للعودة إلى هذه الثنائية: إمّا لبنان الخارج من الوجدان السياسي المسيحي، وإمّا الانفصال. وعمّقت سياسات الإدارة الأميركية الحالية هذه الثنائية، عبر الاستعجال الأميركيّ فرضَ التفاوض أو التلميح بعدم التمسّك بنهائيّة الحدود الحالية. 

خيبة الانفصاليّين

لكنّ تصريح جبور ليس مجرّد عودة إلى هذه الثنائية. هو عودة إلى لحظة الخيبة التي دفعت البعض نحو محاولة الانفصال. فبعد مرحلة الحماسة الزائدة لحسم سريع ومفاوضات أسرع، وعودة الكلام عن تسويات وتأجيل، عادت الخيبة، ومعها شعار الانفصال. 

بعد محاولة إعادة إحياء اتفاق 1983، استغرق الأمر أقلّ من شهر كي نعود إلى مشاريع الثمانينات، وكلّ ذلك نابع من رفض تقبّل فكرة أنّ لا عودة إلى الوراء ولا حلّ خارج تسويةٍ ما. فإذا يشير استمرار ثنائية الهيمنة / الانفصال إلى شيء، هو أزمة سياسة تلك القوى المسيحية، وإصرارهم على إبقاء المسيحيّين خارج أيّ تسوية.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
تعليق

هيمنة أم انعزال؟ 

سامر فرنجية
3,000 عائلة إسرائيلية جديدة ستستوطن في الجولان بحلول 2030.
أبو عادل في أرض البرتقال الحزين
29-04-2026
تقرير
أبو عادل في أرض البرتقال الحزين
إسرائيل تقتل جندياً لبنانياً مع شقيقه في خربة سلم
تشارلز يردّ على ترامب: لولا بريطانيا لكنتم تتحدّثون الفرنسية
المركز الوطني للجيوفيزياء: «كل محطّات الرصد سجّلت موجات أرضية استمرّت نحو دقيقتين، ناتجة عن تفجير في منطقة القنطرة»