لم نَعُد في الـ2005

لم نعد في الـ2005. فكرة أردّدها كل يوم منذ آخر اغتيال. ربّما لأقاوم هذا الإحساس بأن التاريخ عاد بنا إلى هذه المرحلة، أو لأقنع نفسي بأنّني لن أعيش مسلسل القتل نفسه الذي عشته منذ خمس عشرة سنة. لكن بعيدًا من تلك الأحاسيس، بقيت هذه الفكرة تروادني. سياسيًا. فالاغتيال يعود بي إلى تلك المرحلة، مرحلة الاغتيالات الدورية والعبوات الليلية والقتل كوسيلة باردة لإيصال الرسائل. ردّة الفعل الأولية تعيدني إلى هناك، إلى ذاك الزمن.

لكنّنا لم نعُد في لحظة الـ2005. مرّت أكثر من خمس عشرة سنة على تلك المرحلة. سيطر حزب الله على لبنان. قامت ثورات بالعالم العربي. قُمِعت بالدم. تغيّرت المنطقة ومعالم الصراع العربي الإسرائيلي. جاء وباء عالمي. انهار الاقتصاد اللبناني ومعه مقومات الحياة. قامت ثورة في لبنان. وقُمِعت أيضًا. تغيّرت معالم السياسة في لبنان على أثرها وأثر الانهيار. اختفت شعارات السيادة والمقاومة وبدأت السياسة تكتسب معاني أخرى. مرّ جيل أو جيلان منذ مرحلة الاغتيالات. تغيّر المجتمع كما «بيئة المقاومة»… ثمّ عاد الاغتيال، وعاد طيف تلك المرحلة.

لا أحد يريد العودة إلى ثنائية 8/14 آذار التي تشكّل اليوم تاريخ انهيارنا الحالي، مهما اختلفنا على كيفية توزيع المسؤوليات على الطرفين. بيد أنّ رفض الثنائية لا يكفي، وقد يشكّل اليوم مقولة أيديولوجية، مفادها الابتعاد عن أي شيء يذكر بتلك المرحلة وكأنّها مرحلة سوداء لا علاقة لنا بها إلّا علاقة رفض ونبذ. انتهت الثنائية وتغيّر كل شيء، لكنّ حزب الله ما زال هنا، طارحًا أسئلته الدموية على من يريد أن يدخل حقل السياسة اليوم، مهما أعدنا تعريف السياسة.


لم نعُد في الـ2005. وحزب الله لم يعد هو ذاته الذي ظهر «فجأة» على الساحة في ذاك العام، ليترأس التحالف الذي سينتصر بعد بضع سنوات. فقد شهدنا كيف تحوّل هذا الحزب من مكوّن سياسي ضمن الطائفة الشيعية إلى ممثّلها الحصري، وبدا وكأنّه يحمل مشروع «هيمنة» وصل إلى ذروته بين عامي 2006 و2008. وشهدنا كيف انتقل من موقع «هامشي» في السياسة إلى الحزب «المسيطر» عليها، وتحوّل إلى «الدولة» بعدما كان مشروع «دولة ضمن الدولة».

لكنّ هذا الحزب ليس الحزب الذي يقف اليوم متّهَمًا باغتيال لقمان سليم. وهو ليس الحزب الذي اعتاد عليه كل من دخل السياسة بعد العام 2005. فإذا كنّا قد وقفنا نحن عاجزين أمام لحظة ذروته، فمن جاء بعدنا شهد على انحداره كمشروع سياسي. أفقدته حربه في سورية الجزء الأكبر من رصيده، كما قضت سيطرته على السياسة اللبنانية على أيّ وهم إصلاحي كان قد أحاط نفسه به. وجاءت الثورة لتفضحه كالراعي الفعلي لهذا النظام، بعدما قرّر نصرالله أن يتحوّل إلى المدافع الأول عنه، بتفاهة وصلت أحيانًا إلى حدود محرجة. تحوّل مشروع الهيمنة إلى مشروع «سلبطة»، لتتحوّل المقاومة وصواريخها إلى تحالف لقطّاعي الطرق.

بيد أن هذا الانحدار لم يطَل ما قد يشكّل اليوم نقطة قوّته الأساسية، أي التمثيل الحصري لطائفة في نظام توافقي. ربّما خسر الحزب رونقه الأيديولوجي، ولكنّه نجح بأن «يطبّع» فكرة اندماج الطائفة بالحزب، بعد مسار طويل، تشارك به مع خصومه لإرساء فكرة هذا الالتحام. حاول نصرالله توظيف هذا الالتحام لصالح النظام المأزوم، ليربط بين الطائفة والحزب والنظام. بيد أنّ مشروع السلبطة لا يحتمل «هندسات سياسية» كهذه، مهما حاول منظّرو الحزب وجيوشهم الالكترونية وفرق موتهم فرض هذا الالتحام. لم ينجح الالتحام، ولكن بقيت حصرية تمثيل حزب الله تقف كعائق أمام أي مشروع سياسي يحاول الخروج من ثنائيات الماضي.

لم ينجح هذا المشروع لسبب آخر، مرتبط بانهيار النظام الذي حاول حزب الله الدفاع عنه، ومعه البلد ومقومات الحياة فيه. فيأتي الاغتيال الأخير في سياق انهيار عام، لن تنجح ألاعيب نصرالله الكلامية بالحد من وطأته، ولن توقفه أي تسوية في المنطقة، إن كان هناك من تسوية.
بعدما قضى حزب الله على خصومه الذين يحاول أن يعوّمهم حكوميًا، وبعد سقوط «تفاهم مار مخايل» ومعه الحليف المسيحي، يقف نصرالله وحيدًا كالعرّاب السياسي لانهيار ليس المسؤول الوحيد عنه بالتأكيد. ولكن حتى السلبطة تأتي مع حد أدنى من المسؤوليات. وفي ظل هذا الانهيار، بدأ مشروع «دولة ضمن الدولة» يأخذ بُعدًا «انفصاليًا»، ليس بمعنى تقسيمي، بل بمعنى عالم موسستيً موازٍ، يجد سبب وجوده في حالة الانهيار العامة.


حزب الله اليوم ليس حزب الله الذي شكر «سوريا الأسد» في 8 آذار 2005. بات الحزب الذي يريد منا أن نصدّر البطاطا للعراق. ولكن هذا الانحدار لا يلغي أنه خلال السنوات التي تفصلنا عن تلك اللحظة، تحوّل إلى «كائن اجتماعي وسياسي» مختلف، لم تعد تفيد المقاربات الأمنية أو الدولية لمواجهته. ذلك أنّ حصرية التمثيل، وإن كانت دائمًا غير مكتملة، ممزوجةً بانفصالية مؤسّستية، تُحوّل حزب الله، مهما انحدر مشروعه السياسي، إلى معضلة في صلب العقد الاجتماعي اللبناني، معضلة لم تعد تُحلّ من خلال انتخابات أو حكومات وحدة وطنية. وهنا تكمن قوّة حزب الله الذي بات خبيرًا في استخدام هذه المعضلة كابتزاز، وصولًا إلى تحويلها غطاءً قذراً لعمليات اغتيال وحروب في المنطقة.

معضلة حزب الله التي لا نريد أن نواجهها، هي أنّه وضّح مكمن أزمة باتت تحتاج إلى نفس الوضوح والشجاعة من عملية تسمية القاتل. لن تُطرَح تلك المعضلة قبل أن تنتهي صلاحية هذا التمثيل الحصري الذي يشكّل اليوم العائق أمام أي تعديل في بنية العقد الإجتماعي. باستثناء ذلك، نحن في وجه مشروع «سلبطة انفصالي»، لا فائدة في مواجهته إلّا لتذكيرنا بأنّ القاتل قاتل…

لبنان كأزمة أبوّة

كيف نفكر بسيادتنا ونحن عاجزون عن تلمّس أجسادنا، فرديةً كانت أم جماعية؟ كيف نصلُ أصلاً إلى فهم رغباتنا إن كنّا عاجزين عن تخيّل «نحن» ما؟ وأيضاً، كيف لنا أن ندرك معنىً ذاتياً فردياً أو جماعياً إذا صار «الطبيعي»

حزب الله فعلها. وبعدين؟

حزب الله فعلها. حزب الله قتل لقمان سليم. كما قتل الكثير من قبله. كما قتل أكثر في سوريا. ولنذهب أبعد من ذلك. لا تؤخَذ قرارات كهذه إلّا بمعرفة حسن نصرالله