في مأزق الحل النقابويّ لأزمة القطاع العام

تعتقد روابط موظفي الدولة والقطاع العام أنها تستطيع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. كما تعتقد أنّه من الممكن المحافظة على حقوقها ومكتسباتها السابقة بعد الانهيار الذي نعيشه، دون أن تتنبّه إلى حقيقة أن ما جرى في الأشهر السابقة جعلها في موضع لا تحسَد عليه. فبدأت بالظهور نتائج المراوحة والمراوغة التي عاشتها النقابات والروابط ما قبل الانتفاضة وخلالها، أي خلال هيمنة القوى الطائفية عليها، وسكوتها وموافقتها على استباحة أحزابها للوظيفة العامة بمنظومتها الزبائنية. وأولى هذه النتائج تتمثل ببداية المس بالقطاع العام، وبكل ما يميزه من تقديمات وضمانات وأمان اجتماعي، وعلى رأسها: الرواتب التقاعدية، جودة التأمين الصحي، ومنح التعليم…

إلا أنّ رؤية غير واقعية تهيمن على الاضراب الذي أعلنته الروابط والنقابات البارحة الثلاثاء في 2 شباط 2021، والهادف إلى الدفاع عن الوظيفة العامة والمحافظة على الحقوق والضمانات والمكتسبات. وهو ما أكدت عليه كل الأخبار التي رشحت عن الاجتماع «غير المثمر» الذي عقدته الروابط مع وزير المالية بالتزامن مع الاضراب، حيث أكّد الوزير وفريقه على صعوبة شروط صندوق النقد، دون أن يبدي أي إمكانية للتراجع عنها. بيد أن الوزير عاد وتراجع عنها في الاجتماع الثاني الذي عُقد معه يوم الأربعاء في 3 شباط، فقام بإعادة بعض المواد إلى ما كانت عليه في السابق، لكن دون أي تعديل لأخطر مادة وهي المادة 106 التي تلغي الاستفادة من الراتب التقاعدي لكل من سيوظف في الدولة من تاريخ نفاذ القانون فصاعدًا، بالإضافة إلى تجميد طلبات التقاعد المبكر أو الزام إلمطالبين به بتعويض صرف أيًا كان عدد سنوات خدمته، وغيرها…

لذلك، لا يوحي الانسداد الذي نعيشه إلا باستمرار سياسة القضم التي تتبعها السلطة، منفذةً بذلك شروط صندوق النقد الدولي التي تمثّل المخرج الوحيد المتاح أمامها لاقتراض الأموال. وهذا ما يؤكد، في الجهة المقابلة، على أن طبيعة السؤال النقابوي اختلفت الآن، إذ لم تعد محاولة رفض نتائج الموازنات المتتالية ممكنة، بل جلّ ما يمكن فعله هو محاولة التقليل من حدتها.

يتصادم هذا الطرح بعدة عقبات أساسية. فمحاولة التقليل من حدة وخطورة المس بالحقوق يستدعي طرح خطط عمل إصلاحية جدية على مستوى الإدارة. وذلك على خلاف ما كانت تمارسه الروابط خلال السنوات السابقة، حين كانت أحزاب السلطة المهيمنة عليها تتصدى لأي إصلاح جدي. فكانت تهيمن ثقافة مصلحية أنانية ذاتية عليها، ثقافة ساهمت بتقويض ثقة الناس بها، وأبعدتهم عن الالتفاف حولها، والتعاطف معها، وصولاً أحيانًا إلى الاستهزاء بها وبتحركاتها. فكيف تطالب بحقوق موظفين محظيين غير منتجين، منهم من لا يداوم، ومنهم من يكتفي بالتوقيع، ومنهم من أُدخِل من دون امتحان أو مقابلة أو لجنة جدية، وها هو ينال امتيازات تريد أن تحسنها له دون أي جهد يذكر؟

هذه الفجوات يجب ردمها سريعًا الآن، في هذا الظرف بالذات، من خلال انتزاع زمام المبادرة وإبطال قدرة السلطة على المراوغة. وهذا يستدعي، كشرط أولي، حركة نقابية عريضة ضاغطة ومتماسكة ومستقلة تأخذ على عاتقها وضع برامج إصلاحية ترشيقية لقطاعاتها.

  • أن تضع وتشرف هكذا حركة على تنفيذ عملية اصلاح المؤسسات وقوانينها وانتظامها ووظائفها بنيويًا (وظيفة الجامعة اللبنانية على سبيل المثال)، وصولًا إلى تطهيرها من الموظفين والأساتذة الذين ادخلوا إليها دون أي كفاءة أو حاجة، وذلك بهدف تحويلها إلى مؤسسات وقطاعات منتجة وعصرية وديموقراطية من ناحية، ومن اجل تخفيف الأعباء المالية عليها وعلى المالية العامة للدولة من ناحية ثانية.
  • أن تجترح آليات يمكن العمل وفقها، كتشكيل لجان مستقلة كفوءة من القضاة (نادي القضاة على سبيل المثال) أو من الموظفين والأساتذة والمربّين المؤهّلين والمشهود لهم بنظافة الكف.
  • أن تضغط بهذا الاتجاه على وجه السرعة، خصوصًا وأنّ التأخر في إيجاد الحلول سيكون على حساب الوظيفة العامة وعلى حساب بقاء الكفاءات فيها. فغير الكفُئِين سيرضخون لأسوأ الشروط لأن لا مؤسسات داخلية أو خارجية ستستقبلهم، بينما سنشهد نزوح الأكفّاء إما إلى مؤسسات أخرى داخل البلد وإما إلى هجرة خارجية.

لا ننكر أن طرحاً كهذا يواجه مأزقاً أساسياً يتمثّل بصعوبة إقامة تحالف مستقلّ تغييري عريض لروابط الموظفين، تحالف يمكنه مواجهة السلطة والضغط وفرض شروطه عليها. علما انه من الممكن أن تشكّل هيئة تنسيق القطاع العام (التي أُعلن عنها منذ أيام) لبنته الأولى، لكن على المنضوين فيها التخلي عن مطالبهم الجزئية والدفاع حصرًا عن الوظيفة العامة، وضماناتها، لا أن يغنّي كل على ليلاه كما جرى في اجتماعهم مع الوزير. دون هذا الشرط، ودون هذه القوة، ستبقى هذه الآلية الترشيقية بيد السلطة الحالية، فتبيح ما يناسبها من الحقوق، وتعود المحسوبيات من الباب العريض بحيث يتم الاقتصاص السياسي من المستقلين وغير المرتهنين والإبقاء على الأزلام المباشرين.

هذا حل من الحلول التي يمكن أن تُطرح لمقارعة السلطة ولانتزاع قدرتها على الحركة والمواربة والالتفاف، كما فعلت خلال الإتيان بحكومة حسان دياب. نقول هذا ليس لأننا مقتنعون بجدواه حصرًا، بل لأنه إحدى الإمكانيات القليلة المتاحة أمام تلك الروابط للمواجهة.

أما الإمكانيات الأخرى، أي القلب الثوري لبنية النظام ومؤسساته ووظائفه، فهي هدف لا يمكن للنقابات أن تقوم به، أو أن تحمله كمشروع انتقالي، لأن طابعها النقابوي لا يسمح بذلك، ولأن مثل هذا الطرح يستدعي ليس فقط توحّد الروابط والموظفين، بل بقية اليد العاملة والطبقة الكادحة والمسحوقة بهدف خوض الصراع وفق برنامج سياسي راديكالي واضح المعالم، برنامج يحوّل الدولة بنيويًا، من دولة ريعية طائفية إلى دولة العدالة والمساواة والعلمانية. وهو حل غير متاح بسبب البنية الطبقية غير الثورية لموظفي الدولة والقطاع العام، ناهيك بارتباطهم البنيوي بالنظام وبالبرجوازية الكبيرة المأزومة ورهان الكثير منهم عليها حتى الساعة، ما يضعهم في معادلة خاسرة من ناحيتين: طبقة تتخلى عنهم وتخاطر بمصيرهم وهم يخطبون ودّها، وطبقة سينضمّون إليها قريبًا لكنهم حتى تلك اللحظة يُمعنون في ارتكاب الأخطاء بحقها ومعاداتها.

دروس النقابة تنتفض: الانتصارات بالأرقام والمنهجية

المسار والعمل القاعدي يصنع الانتصار أولوية البرنامج على المرشحين/ات اختيار المرشحين/ات من القواعد السياسة خلف النقابة سقوط الطائفية: أعرافاً وتوازنات نقابة للناس لا للمقاولين أهمية العمل اللامركزي سقوط نظريات الوحدة سقوط آخر لعنوان «المستقلين» معضلة الكتائب: نجاح المعايير وفشل بناء الثقة

أن تنتفض النقابة وسطَ الانهيار

كان واضحاً: معركتنا سياسيةانتفاضة حدودها الطبقة الوسطىلن تشكّل الانتخابات المقبلة ضربةً قاضية للسلطة«وحدة الطبقة العاملة»تحديد موقع النقابة في المجتمع