مسألة حزب الله

يريد البعض تجاهل «مسألة حزب الله» والاستمرار بالعمل السياسي وكأنّ هذا الحزب، كغيره من التنظيمات السياسية، مجرّد جزء من منظومة الفساد أو واحد من «كلن يعني كلن». لا ينمّ هذا التجاهل عن غباء بقدر ما هو نابع من استحالة التعامل مع حزب الله، ومن اعتراف ضمني بوجود عائق أمام أي عملية سياسية، عائق تزداد وطأته مع مرور الزمن. ففي أسبوع واحد، عاد حزب الله إلى الواجهة من باب المحكمة والحكومة والانفجار، ليتّضح أن مجال السياسة الخارج عن سيطرته بات يضيق يوماً بعد يوم.

دخل حزب الله في المخيّلة السياسية في العام 2005، كـ«وريث» للمنظومة البعثية ينبغي إدخاله في التركيبة اللبنانية من خلال حوارات ليلية وتحالفات رباعية وتطمينات كلامية. لكن سرعان ما اتّضح أنّ حزب الله هو أكثر من يتيم سياسي على القوى التقليدية احتضانه، وتحوّل إلى حزب مسلّح مع عودة العنف الممنهج إلى وسط السياسة اللبنانية، والذي وصل إلى ذروته في العام 2008.
بيد أنّ المسألة تخطّت بُعدها الأمني الداخلي لتصبح إقليمية. فمنذ حرب تموز، ووصولًا إلى تدخّله في سوريا، تجاوزت «مسألة حزب الله» قدرة اللاعبين المحليين على التعاطي معها، وأصبحت مسألة تسويات إقليمية. تحوّل حزب الله في مخيلة خصومه، والتي غالبًا ما استوحت من أدبيات حضارية أو طائفية، إلى دخيل أمني إقليمي، يتجاوز قدرة فعاليات السياسة اللبنانية وممارساتهم التقليدية.

ربّما كان من الممكن تجاهل «مسألة حزب الله» لو بقيت على هذا الشكل، والاستمرار بمقارعة طبقة سياسية فاسدة وطائفية. بيد أنّ للسلاح الإقليمي مقتضيات لا تسمح بحصره في زاوية محدّدة ونسيانه. فمن شبكة الاتصالات الضرورية للمقاومة، إلى السيطرة على المعابر والمطار والمرفأ، مرورًا بالهيمنة على الأجهزة الأمنية، تحوّل السلاح إلى المدخل للهيمنة على أمن البلاد.
مع ذلك، بقي هناك من يرى في حزب الله «مقاوماً عادلاً» يمكن التعايش معه في تقسيم للأدوار، بين مقاومة العدوّ خارجيًا ومقاومة الفساد داخليًا. لكنّ الحزب «حبيب متطلّب»، تحوّلت على يديه منظومة الفساد إلى دعامة أخرى للمقاومة، يجب حمايتها من قبل «شارع المقاومة». وأصبح حزب الله الراعي الأساسي للعهد، والمدافع عن منظومة الحكم في وجه الثورة.

لم يعد من الممكن تجاهل حزب الله، كما لم يعد من الممكن محاولة الالتفاف حول هذه المسألة من خلال حلول جزئية أو خطابية. فقد سقط الرهان على «المحكمة الدولية» ومحاولة التعاطي قضائيا مع جناح حزب الله العسكري. كما باتت النقاشات عن «الاستراتيجية الدفاعية» خارجة عن أي سياق سياسي وغير قادرة على التقاط ما آلت إليه الأمور. أمّا تلفيقات محبّي المقاومة حول ضرورة تزامن «مقاومتَيْن»، داخلية وخارجية، فأصبحت أقرب إلى هلوسات يسارية، حتى نصر الله تعب معها.
مع الانهيار الحالي لمؤسسات الدولة اللبنانية ودخول لبنان إلى نادي الدول المارقة، سيزداد دور حزب الله وشبكاته الأمنية والمالية والمؤسساتية العابرة للحدود. من دويلة ضمن الدولة، إلى الدولة مكان الدولة، بات حزب الله على مشارف التحوّل إلى «العصابة الأساسية» في دولة فاشلة، عصابة تسيطر على التهريب والسوق السوداء وشبكات الأمن الذاتي وغيرها من القطاعات الاقتصادية القادمة في زمن الانهيار.

كان من الممكن التعاطي مع كل ذلك لولا ابتزاز حزب الله الميثاقي، ابتزاز ساهم في صنعه الجميع، وخاصة خصومه، مفاده أن الاعتراض على حزب الله، أو «الثنائي الشيعي» كما يحلو تسمية الطابع الميثاقي للحزب، هو تهجّم على طائفة بأكملها. هنا أيضًا لم تعد تنفع المكابرة على الابتزاز والاتّكال على اختراق اجتماعي لهيمنة حزب الله. أو بكلام أدقّ، لم تعد تكفي رهانات كهذه بمعزل عن طرح مسألة عقد اجتماعي جديد يلحظ التحوّلات التي أدخِلت على التركيبة الاجتماعية اللبنانية. ربّما يكمن هنا سلاح حزب الله الأساسي. فالخوف من طرح تلك المسائل باسم علمنة مفرطة أو حياء طائفي، أدّى بنا إلى حاضرٍ بات فيه من المستحيل تجاهل حزب الله، ومن المستحيل التعاطي معه.

لا جدوى من 7 أيّار

خيار القمع والمواجهة اتُّخِذ سلفاً تداعيات نزول حزب الله إلى الشارع بلطجيّتهم بهدف ترهيب الثوار وسائل الإعلام تحريضًا وفاة مؤسفة ساحة العلم في صور غياب عنفٍ حقيقيّ مضاد وحتّى لو أخاف الثوّار

لا تُعطونا الطفولة

كلّما ضاقت حركتنا إلى حدود غرفنا، زادت السلطات على أنواعها فهل يتنصّل الحزب من مسؤوليّته في طوأفة المجتمع؟ التنصّل ذاته تمارسه وسائل الإعلام مثلاً في مخاطبتها الطفل الأبديّ فينا رحم الله الموسيقي رينيه بندلي، أبا ريمي، الذي جعلها تبقى في أذهاننا طفلةً أبدية