تعليق القضاء
نادر فوز

نحن جيل استقلاليّة القضاء

28 نيسان 2022

نحن جيل استقلالية القضاء. 

ليس مجرّد شعار أو عنوان. كبرنا وكبر معنا. نما، فأصبح «استقلالية القضاء وتعزيزه». هو صديقنا الدائم، ملجأنا الأخير في كل ما تمّ ارتكابه بحقّنا طوال ثلاثين عاماً من السلم الأهلي المفترض. هو شبه الثابت في البيانات الوزارية في حكومات ما بعد الطائف. انطلق مع الحكومة الأولى للرئيس رفيق الحريري، في تشرين الأول 1992، واستمرّ في حكومات عهد إميل لحود وميشال سليمان من بعده، وميشال عون. غاب عن بعض البيانات الوزارية التي انبرت للاهتمام بالاستثمارات والاقتصاد وحطّت بنا في المهوار. في كل البيانات الوزارية، تأكيد على الحرص على استقلالية القضاء وتعزيزه. وتبعاً لهذا المعيار، كل الحكومات فاشلة، حتى من دون التطرّق إلى النتائج الكارثية في المالية والنموّ والكهرباء والديون والصحة والتعليم وسائر القطاعات الأخرى. لكن لا همّ. «استقلالية القضاء» كبر ونما. 

نحن جيل استقلالية القضاء.

عام 1995، بدأنا بالتعرّف إلى السيرة العضّومية. ففهمنا معنى أن يكون القضاء مستقلاً ونزيهاً في دولة القانون والمؤسسات. تعرّفنا من خلاله على عبارة «المرجع القضائي المختصّ». المرجع نفسه الذي يمكن أن ينظر في إشكال فتيان حول طاولة بلياردو في منطقة فرن الشباك، ويراجع الشؤون الدستورية، مروراً بكبرى القضايا الوطنية التي تمسّ بالسلم الأهلي والعيش المشترك. منه، فهمنا معنى «وحدة المسار والمصير» حتى بين السلطات المستقلّة في لبنان. معنى التضحية بكل ما يلزم من أجل المحافظة على وحدة البلاد وحكّامها، حتى في كمّ الأفواه وإقفال المحطات الإذاعية والتلفزيونية ومعاقبة الصحف وملاحقة الصحافيين والفنانين والناشطين، ومنهم عقل العويط ومارسيل خليفة ويوسف بزي وتوفيق الهندي وحبيب يونس، بتهم مختلفة تتراوح بين العمالة لإسرائيل وازدراء الأديان ودسّ الدسائس.
 
نحن جيل استقلالية القضاء.

رُوّعنا يوم 8 حزيران 1999 حين أقدم رئيس عصبة الأنصار أحمد عبد الكريم السعدي (أبو محجن) ومعه أربعة من رفاقه على قتل رئيس وأعضاء هيئة محكمة الجنايات في صيدا. القضاة حسن عثمان ووليد هرموش وعماد شهاب، وممثل النيابة العامة لديها القاضي عصام أبو ضاهر قضوا رمياً بالرصاص على قوس المحكمة، في ما عُرف بـ«اغتيال القضاة الأربعة». بعد أكثر من عشرين عاماً، يوم 4 تشرين الأول 2019، صدر حكم بالإعدام على أبو محجن وأبو عبيدة وإبراهيم لطفي وحسين شاهين وجهاد السوراكة. فشعرنا بالارتياح، ولو أنّ جميع هؤلاء حُكموا غيابياً، بينما بزرت براءة الموقوف الوحيد في الملف وهو وسام طحيبش.
 
نحن جيل استقلالية القضاء.

على مدى عشرين عاماً، بين 2002 و2022، عايشنا 16 عملية اغتيال، عدا المحاولات التي نجا منها الضحايا. من اغتيال إيلي حبيقة ورمزي عيراني حتى اغتيال لقمان سليم، وبينهما الاغتيال الأضخم لرفيق الحريري والاغتيالات الأشنع لشخصيات سياسية سقطت فرادى، لا نزال نبحث عن الحقائق بشأنها. يطالع بعض المحظيّين قصاصات التحقيقات، أو يتلقّونها على شكل تعليمات، وينقلونها لنا عبر مقالات أو تقارير مصوّبة وهادفة. فتخرج قاعدة محفورة على شكل سؤال: «من المستفيد من الاغتيال»؟ قاعدة خلاصتها واحدة دائماً: العدو، إسرائيل. فلنشتكِ عليها دولياً! أُسكتْ يا ولد، «الضعيف يذهب إلى القضاء». فنردّد ببلاهة «مَن المستفيد من عدم مقاضاة إسرائيل»؟
 
نحن جيل استقلالية القضاء.

غنّينا للقضاء كلّ صباح في المدارس كما يفعل أشبال البعث، قبل أن نلقي التحية الجامعة لقوس العدالة وميزان العدل. حملنا الشعار ونزلنا إلى الشوارع، فقُتل بعضنا بدم بارد وخسر آخرون أعينهم وأوقف منّا المئات بفعل الاحتجاجات والتأكيد على مطلبنا. مِن بين كل ما حصل، محطة أساسية قد يكون البعض نسيها أو غفل عنها. إحراق بلدية طرابلس، يوم 28 كانون الأول 2021. هو الحدث الأمني الذي استدعت السلطة بسببه اتهامات «داعش« و«مجموعات تخريبية»، ونسفت من خلاله كل التحرّكات في الشارع. بعد أكثر من عام، لا يزال ملفّ التحقيق فارغاً، وانضمّ إلى سائر الملفات الأخرى في قصور العدل. وحقّنا أن نسأل ببلاهة عارمة، «من المستفيد من إحراق بلدية طرابلس؟».
 
نحن جيل استقلالية القضاء.

نعاين يومياً استقلالية القضاء من خلال محقّق عدلي قابع في منزله بشبه إقامة جبرية نتيجة كفّ يده وتعطيل تحقيقه. فنردّد ببلاهة مفرطة أيضاً: «من المستفيد من تعطيل التحقيق؟». نحن جيل واكب استقلالية القضاء الذي كبر ونما، والتصق أيضاً بالتعزيز. نحن جيل استقلالية القضاء وتعزيزه، نردّد نفس الأسئلة التي لا تشيب ولا يعكّرها الزمن. 

 

آخر الأخبار

مقابلة هادي مطر مع ذا نيويورك بوست
بعد إحراقها على يد زوجها هناء خضر تَنضَمّ إلى ضحايا العنف الأُسَري 
متغيّرات الأسعار مع اعتماد الدولار الجمركي 20,000 ليرة لبنانية 
ميقاتي يعِد بحماية الأهراءات بعد حرقها
ملف اللاجئين - النظام السوري يكذب والحكومة اللبنانيّة تصدّق
المودع بسّام الشيخ حسين إلى الحرية وتخوّف من خطف إنجازه