نصدّق الناجيات، نفضح المتحرّش

لا أعلم كم عددهم بالتحديد.
أعرف أنّهم كثيرون.
أعرف أنّهم يتزايدون، وعلى الأرجح وفق منحى رياضيّ متصاعد.
كما أعرف أنّ واحداً من أسباب كَون هذا المنحى متصاعداً، هو أنّهم اعتادوا البقاء في الظل.

ولكن… كان هذا في السابق، قبل أن تبدأ وجوههم بالظهور، وجهاً قبيحاً تلو الوجه القبيح، مع وصم «exposed»، الذي بات يشكّل مصدر قلق للمتحرّش المفضوح، كما للمتحرّش الذي لم يُفضَح بعد والغارق في تساؤلاته: هل وجهي هو التالي؟

وِفق المعايير الأبوية، لا أصوات للناجيات، ولا إدانة للمتحرّشين. إذاً، كيف نردع عنّا مصيرنا المحتّم في التشكيك وتكذيب مصداقية شهاداتنا؟ كيف نواجه ما دام كلّ شيء حولنا يتبنّى رواية المتحرّش نفسه، لِكونه «الأقوى» في المعادلة، ولِكَونه يتلطّى برحابة صدر مجتمعه وانحيازه له؟
  
نشطت منصّات وحملات عدّة في هذا السياق، تحت مظلّاتٍ عالمية أحياناً، عابرة للبلدان والمجتمعات، وعملت على فضح المتحرّشين والتصدّي لظاهرة الاعتداء الجنسي. كان أبرزها «أنا أيضاً» و«افضح متحرّش»، و«طالِعات» – من داخل فلسطين المحتلّة، ومؤخّراً حملة «نصدّق الناجيات».
 
مؤخّراً، برزت على مواقع التواصل صفحة pervsoflebanon، وعمدت في أيّامها الأولى إلى فضح متحرّشين، ثم انهالت الرسائل الّتي تؤكّد وقائع التحرّش، حتّى باتت الصفحة توثّق شهادات ناجيات من تحرّشٍ/اغتصاب/اعتداء، وساهمت في تأمين مساحة آمنة (ولو افتراضيّة) تُحافظ على الخصوصيّة في نشر المعلومات. كما تنجح شيئاً فشيئاً في بناء بيئة حاضنة داعمة للناجيات.

تُستَر قضايا التحرش والاغتصاب عادةً، كما تُطمَس أصواتنا ومعاناتنا لتبقى منحصرة في نطاقٍ ضيّقٍ وخاص. ففي ظلّ نظام يرسّخ العنف بشكلٍ بنيوي وممنهج ضدّ النساء، بقوانينه ومؤسّساته وأجهزته وإعلامه، تلجأ الناجيات اليوم إلى خلق أدوات جديدة ومنصّات بديلة للاستمرار في مواجهة التحرّش وفضحه، وكسر سلطة المتحرّش الاجتماعية التي تبيح له الاستمرار في اعتدائه.

تنشر صفحة pervsoflebanon بشكلٍ دوري وجوه وأسماء متحرّشين من كافّة الخلفيات الاجتماعية، فكما يوجد موظّفٍ ما مُتحرّش، يوجد أستاذ مسرحي متحرش، ومخرج متحرش وفوتوغرافي متحرش. فهنا، لا بد أن نطيح بالتمويه الضال الذي يحصر الاعتداء الجنسي بالطبقات المهمّشة ويبعد الشُبهات وأصابع الاتهام عن النُخَب، أصحاب الحصانات والهالات الاجتماعية. 

اللافت أنّنا لم نسمع أي تعليق من هؤلاء عند فضحهم، وكأنّ مكانتهم الاجتماعية تُجيز لهم عدم الاكتراث لذلك. إنّما سارع سواهم للرد، إمّا بالتهرّب ولصق أفعالهم بمجهولٍ ما اخترَق حسابهم، وإمّا بالمجاهرة بذكوريتهم الهشة.
في عالمٍ مثالي، نتصوّر أنّ قانوناً ما من شأنه أن يحدّ من هذه الممارسات تلقائياً. لكن ذلك لم يكن يوماً موجوداً في لبنان، إلى أن صادَق المجلس النيابي، بتاريخ 21/12/2020، على قانون تجريم التحرش الجنسي.
للوهلة الأولى، نفرح بالقانون، فمسألة تجريم التحرّش، بذاتها، خطوة إيجابية. لكن سرعان ما نكتشف ثغرات القانون وشوائبه، ومنها مثلاً إشكالية تعريف فعل التحرش والعنف الأسري، وإلقاء العبء على النساء في إثبات جريمة التحرش. 

حتّى في سياق مناصرة هذه القضايا، أتت التشريعات الجديدة بالنَفَس الذكوري السائد، الذي هدف إلى تبيض صورة السلطة، دون أن تعمد فعليّاً إلى استئصال التحرّش من جذوره. ببساطة، لا يمكن لنفس النظام الأبوي الذي يضطهدنا أن يحمينا.

والنظام هذا، لا يضطهدنا فحسب، بل يحرص على أن نسكت بعد الاضطهاد.

فبينما يتسنّى لبعض الناجيات أن يبحنَ بمأساتهنّ- مع كل ما قد يستتبع ذلك من مشاكل، تضطرّ أخريات للسكوت، لكل ما ذُكر سابقاً حول «المجتمع» والانحياز للمُضطهَد. إذ ندرك جيّداً صعوبة البَوح واستحالته في بعض الحالات- وهنا لا لَوم على من لم تستطع. لهذا السبب بالتحديد، نخوض معركتنا سويّاً، كتفاً إلى كتف. فالناجية التي تتكلّم، إنّما تتكلم بالنيابة عن الجميع.

فلا استخفاف بهمجية التعامل مع الضحيّة.
ولا مساومة على سلامة النساء.
والأكيد، ألّا مهرب من غضبنا.
سنفضحكَ، وستُعاقَب، وسنصدّق الناجيات دائماً وأبداً.