نظامٌ معادٍ، نساءٌ مقاوِمات

كلما قلّ تفكيرك في اضطهادك كلما ازداد تسامحك معه. ومع مرور الوقت تعتقد أن الاضطهاد هو الحالة الطبيعية لكل شيء. لكن لكي تصبح حراً عليك ان تدرك تماماً انك مستعبد.

هذه هي الحقيقة التي أرادت أساتا شاكور أن نتسلّح بها. حقيقة التطبيع التاريخي مع اضطهادنا وقمعنا. حقيقة إقصائنا القسري من الفضاء العام. حقيقة أننا لا نولد نساء بل نصبح كذلك.

كل تلك الأشكال المختلفة  للتمييز والقمع والظلم، لا يمكن عزلها عن بنى السلطة التي ترسّخها. إذاً، لا بد من تسييسها.

تغلغل النظام الأبوي في كل ثقافة استطاع اختراقها، فرز الأجساد والأدوار والعلاقات وفق تسلسل هرمي ذكوري يكرّس ثنائية الخادم والمخدوم. ومع هذه التراتبية تجد المرأة نفسها في أسفل الهرم، حيث «دونيّتها» نتيجة حتمية لـ«ضعف جسدها وتقلّب هورموناتها». هي كائن دنس عارم بالفوضى، ألا يكفي أنها تحيض؟ ألا يكفي أنّها تنزف وتغرق في سائلها الأحمر اللزج المدنَّس؟

بالمقابل، يبرز الرجل السَّويّ «الحارق الخارق المتفجّر» وعقله النيّر كالبطل المنقذ المخلّص المكلّل بالامتيازات والسلطة. كائن قوي، مدرك تماماً لتصرّفاته، لا ينزف أو يشوبه دنس. ويبرّر لنفسه، بحجّة هذا التفوّق البيولوجي، فرض صلاحيّاته في الوصاية والسطو على حيوات النساء (طبعاً السبب الفعلي بعيد عن البيولوجيا).  

وتبعاً للتقسيم الطبقي/ الأبوي للعمل الذي أعطى الرجل الدور الاقتصادي في المساحة العامّة، قدّر للنساء أن يكتفينَ بالأعمال المنزلية داخل المساحات الخاصّة.

تأتي الأعمال المنزلية هنا كأدوار «طبيعية» مكمّلة لكيان المرأة الأنثوي، وكأنّ الرعاية هي ما ولدت لتفعله. كل هذا الإقصاء والتهميش يعزّز الفرضية القائمة على أنّ العمل المنزلي ليس عملاً في الأساس، بل هو نشاط متلازم مع طبيعة المرأة ، فطري، نابع من شعور بالحب والاستمتاع، فإذاً هو غير مدفوع. وعلى مدى عصورٍ، تمكّن هذا المنطق الأبوي من تزييف حقيقة هذا العمل، وجعله غير مرئي وغير مُقدّر.

وفي حين تعاني النساء من الاستغلال والتهميش وفق كل ما ذُكر للتوّ، لا يخفى على أحد أنّهنّ من الفئات التي تعاني بشكلٍ مضاعف خلال الأزمات، كما يتحمّلنَ أضعاف الأعباء وأضعاف النتائج، لجملةٍ من الأسباب.

  • لنأخذ الكورونا مثالاً، ذلك لأنّ العمل المنزليّ، المعطوف دوماً على النساء، قد تضاعف بحكم الحجر وتواجد الأفراد في منازلهم لفترات أطول، إضافةً إلى عدم الأخذ في الاعتبار البُعد الجندري للإجراءات الوقائية. 
  • لنأخذ لبنان والانهيار مثالاً آخراً، ففي حين كان للأزمة وقعٌ كبير على المجتمع عموماً، كان لها وقع مضاعف على النساء خصوصاً، كونهنّ أكثر عرضةً للصرف من أعمالهنّ.

إن يؤكّد ذلك كلّه على حقيقةٍ واحدة، فهي أنّ هذا النظام ببُنيته معادٍ للنساء. لا يكتفي باضطهادهنَّ فحسب، بل يحرص- لحظةَ يقمن بمقاومته- على تمييع قضيّتهنّ وسرقة مكتسباتها النضالية وتحويل الخطاب النسوي الجذري إلى خطاب معارض يناسب مصالحه، ويذهب إلى الاحتفال بالمرأة بشعاراتٍ فارغة، وفقاً لوجودها البيولوجي أو ما يتبعه من روابط أُسريّة، «هي الأمّ، هي الأخت، هي الزوجة»، متجاهلاً كيانها المستقل ووجودها القائم بذاته، على أنّها امرأة، امرأة تقاومه بالتحديد.

لكنّ المقاوِمات كثيرات، نعرف أنّهنّ كثيرات ولو أنّ الصوت لا يزال خجولاً. خلف كل بابٍ مغلق، صرخة منسية لا نعرف اسمها، إلّا بعد فوات الأوان. كذا حدث مع لارا وزينة وأحكام ووداد، وكُثر غيرهنَّ. ماذا نفعل إذاً بكل تلك الانتهاكات والاعتداءات والجرائم اليومية المرتكبة بحق النساء؟ أنهديهنَّ وردة؟ أنحتَفل؟ 
أنحتَفل…؟ نحتفل، نعم، لكن لا بما يريد لنا النظام أن نحتفل به، فولكلوريّاً، بل نحتفل بنضالنا. نحتفل بأوّل تظاهرة نظّمتها نساء وسُمّي اليوم على اسمهنّ كرمى لهنَّ، نحتفل بالنضالات السابقة لهذا اليوم، واللاحقة له. نحتفل بأنفسنا كنساءٍ، ونحتفل بصمودنا في وجه النظام هذا. نحتفل بالشَّوط الذي قطعناه حتّى اليوم، بخطابنا الذي طوّرناه بعيداً عمّن يحاول تفريغه. نحتفل بإدراكنا بأنّ التهميش الموجَّه ضدّنا هو من بنيّة النظام، وبأنّنا، في حياتنا اليوميّة، نقاومه.

عن رجلٍ سار يومًا بمسيرة نسويّة

ينطلق الرجال وراء شعارات رفيقاتهم، يرتدون ابتسامة من يريح ضميره يلاحظ الرجال أنّ ابتسامتهم في غير محلّها وأنّهم لا يفهمون هذا الغضب تقلقه الأسئلة، ويبدأ الضمير المرتاح بالتحوّل إلى شعور بالذنب والنفاق

تساؤلاتٌ عن المقاومة النسويّة

قد يكون الابتزاز الأبوي الأكبر هو هذا الحثّ الذي يدفعنا باستمرار لخلق بدائل محصورة ضمن بنية أبوية، وللبحث دائماً عن ثغرات نستخدمها مؤقّتاً، فنضيّع الوقت مرغمات بانتظار هبوط البنية الأكبر التي لا تنفكّ تقاومنا هي الأخرى