يوميّات مغترب جديد

لقد وصلتَ إلى فرنسا. مبروك!

لقد ربحتَ هذه الجولة. تسللت بين جدران النظام، وقفزت فوق عوارض السفارات، وزحفت بين تعميمات المصارف اللبنانية وشروط تحويل القليل من الدولارات الفريش. طبعاً، سرق المصرف حصّته مع ابتسامة صفراء بشفاعة رياض سلامة، ولكن هذه المشاكل باتت وراءك. أنت ودولاراتك الفريش أصبحتم في فرنسا! (في فرنسا يسمّونها دولارات فقط).

أنت محظوظ.

تمضي الأيام الأولى بحالة من الذهول التام. هنا الحياة مستمرة.

نعم يرتدون الأقنعة في الميترو، وينحجرون في منازلهم ويقفلون المطاعم، ولكن لا يزال لديهم ميترو ومنازل ومطاعم! أحيانًا، تقف أمام براد اللحوم بتأمُّل. تأخذ صوراً.

أنت هنا، أنت محظوظ.

تبحث عن سكن. تحتسب ميزانيتك وتقارنها بأسعار الإيجارات في «المدن الكبيرة». تحاول ألا تفكر بمدخراتك العالقة في بيروت. إنها مجّرد أموال مونوبولي جمعتها خلال سنوات، وخسرتها فجأةً فدى حقوق الطوائف. بتصير.

أصلاً، مهلاً، لديك مدّخرات ولك الوقاحة أن تتذمّر؟ الناس في شوارع لبنان تترجّى ربطة الخبز.

بميزانيتك، تستطيع أن تستأجر غرفة صغيرة من دون نافذة. أحسن. النافذة قد تقتلك في حال انفجر أحد مخازن نيترات الأمونيوم الـ16 في فرنسا.

انفجر مخزن تولوز في العام 2001، ولكنك مطمئنّ أنّ فرنسا تعلّمت من الكارثة وشدّدت معايير السلامة. أصلاً، ما هو احتمال التعرّض لانفجارين من نيترات امونيوم؟ شبه مستحيل! (ما هو احتمال التعرّض لانفجار نيترات أمونيوم واحد؟)

تتفادى أغاني فيروز وكليشيهات الاغتراب. تتابع أخبار لبنان بمزيج من الذنب والقلق. اعتقلوا ثوار طرابلس. قتلوا لقمان سليم. عرقلوا التحقيق في المرفأ. احتكروا اللقاح. تضع رأسك في الوسادة وتصرخ. تأكل كرواسان وتتشمّس في المنتزه. أصدقاؤك الذين أتوا إلى فرنسا قبلك ينظّمون تظاهرة. في طريقك إلى السفارة اللبنانية، يتوقف المترو فجأة بعنف. يتوقف قلبك معه: انفجار!

سيّداتي سادتي، نعتذر على التوقف، لقد انقطع التيار الكهربائي في النفق.

ليس انفجاراً. تتنفسّ، تضحك، تنظر إلى الركاب علّهم يضحكون معك على انقطاع الكهرباء في ميترو يأخذك إلى السفارة اللبنانية.

لا يضحكون.

ترى غرافيتي على الباب: حاربوا الدكتاتورية الصحية، وتحتها باللغة العربية: إلا رسول الله.

مضى شهر على وصولك.

لم ترَ اتصال سائق الدليفري الذي انتظرك قبل أن يغادر مع البيتزا التي دفعت ثمنها مسبقاً (أونلاين!). تفقد أعصابك. تتّصل بالمطعم، تكتب اعتراضاً، تهدّدهم بالقضاء. يعتذرون. ماذا؟ يسدّدون لك المبلغ. يخافون العدالة. فعلاً، الأوروبيون ساذجون.

اتصال من بيروت: خالتك معها كورونا وفاتت عالمستشفى.

تهرب إلى شوارع باريس ويسحرك جمالها. أنت في الماضي والمستقبل. تسمع صوت طيران إسرائيلي وتصاب بهلع، ثم تضحك وتتذكر أنك في فرنسا.

رواق.

ترى امرأة تقبّل امرأة من فوق الماسك. إن كان بدري ضاهر يعلم أنّ النترات في المرفأ، ألم يخبر ميشال عون؟ لماذا توقّفت الشحنة في بيروت إن كانت متّجهةً إلى سوريا؟ تدوّن السؤال.

القبلة طويلة ومن دون خوف. اشتقت لبيروت.

تريد أن ترى خالتك مجدّداً.

– من وين إنت؟
– من لبنان.
– اه… شفنا الانفجار

غداً الرابع من الشهر. تدخّن سيجارة على النافذة في الغرفة التي استأجرتها مؤقتاً. تسمع صوتاً قويّاً في السماء. تشعر فجأةً بتشنّج غريب في رجليك. لا تفهم الشعور. يتسلّق إلى أمعائك كالأفعى. تشعر بالبرد وتبدأ الرجفة. تتعرّف إلى الشعور أخيراً: إنّه الخوف. مفاجئ وساحق. ينتشر في كلّ شبر من جسدك. يملأ خلاياك. لا تستطيع التنفّس، سوف تموت في غرفة في باريس.

هلع. توقظ أصحاب البيت.

– ماذا تشعر؟؟
– رعب. موت. مستشفى!

تحاول أن تُخرِج الكلمات بين الأنفاس المخطوفة، تقع في الزاوية ترتجف.

– هل شعرت بذلك من قبل؟
– كلا.
– أبداً؟
– أقرب شعور هو عندما طلع هيدا الانفجار الشرموط ببيروت.

ينظرون إليك بصمت. تفهم كلّ شيء.

إنّه صباح جديد في باريس. تذهب إلى الفرن وتشتري كرواسان بـ2 يورو (أكثر من عشرين ألف ليرة) وتنظر إلى الناس، يخرجون من محطة الميترو، يدخلون إلى محطة الميترو. تبتسم. الخوف هنا هو مجرّد ذكرى تعود إليك من حين لآخر. في لبنان، الخوف هو كلّ شيء. هو كلّ الوقت. تفكّر بأصدقائك في لبنان.

أنت محظوظ في باريس.

ولكنّهم أقوياء في لبنان.

مــــــلــــــف
الهجرة الجديدة

يطرح هذا الملفّ جوانب مختلفة من موسم الهجرة الحالية، هجرة آتية بعد سنة من الثورة والانهيار والانفجار. ترسم مقالات المشاركين عالماً مسلوخاً بين الـ«هنا» والـ«هناك»، وهجرةً من دون عودة تؤمّن خلاصها.

الهجرة الجديدة، الهجرة الأخيرة سامر فرنجيّة
يوميّات مغترب جديد جوناثان داغر
المساحة بين هنا وهناك: عن الهجرة والذاكرة سنا التنوري كرم
إلى أن ينبت العشب من تحت الزفت ريان ماجد
في المنفى ركاكة رنا عيسى
الهجرة هجرتَيْن ألفة السعداوي
شجرة الثأر تانيا الخوري
انفجار جديد، انهيار آخر: المتاهة المتجدّدة فادي بردويل

تم نشر الملف في 13 آذار 2021.


الشحار

ما هو مؤرَّخ عن الكلمة هو أنّه في عاداتنا السابقة في المآتم، حين يموت شخص عزيز، يقوم الأقارب والأهل بوضع فحم أسود على وجوههم ليتشحّروا حزناً على الفقيد، وهذا هو أصل الكلمة الحقيقي

لكَم تمنّينا لو أنّ كلّ ما يحدث ليس سوى كذبة أوّل نيسان

لكم تمنّيتُ، مثلاً، لو أنّ ما حلّ براتب والدي لم يكن سوى كذبة أول نيسان. لو أنّ هجرة أخي، كذلك، لم تكن سوى كذبة أول نيسان. لو كان ليقول: عم بمزح، هيدي الصورة على شط صور، بعد أن يُرسل لنا صوَره من شواطئ أستراليا.