الخوف ليس واحدًا، يتحوّل حسب مصدره ليفرض طرق تكيّف مع مصدر الخطر، الحقيقي أو المتوقع. بعد سقوط الأسد، لم يزل الخوف، بل تحوّل ليعبّر، حسب حسام جليلاتي، عن الواقع الجديد، واقع ما زال متقلبًا، فارضًا على الجميع تحمّل مسؤوليته.
يدٌ مرتجفة
لم تكن الكاميرا ترتجف لأنها في يدٍ غير ثابتة.
«وحدهُ الصوتُ يبقى»، حسام جليلاتي ووئام إسماعيل (2002).
في لقطة واحدة، رجل يسير نحو نفقٍ مظلم. على مدخل النفق، صورة كبيرة لبشار الأسد، معلّقة كظلٍّ أعلى من الداخلين إليه. اليد تحاول أن تبدو هادئة، لكنها لا تنجح. صوّرت المشهد خمس مرات. في كل مرة، كان الخوف يسبق الحركة: خوف من المكان، من الصورة، ومن احتمال أن يكون هذا المشهد وحده كافيًا لإنهاء كل شيء.
رأيت الارتجاف في اللقطة كخطأ تقني يجب التخلّص منه. ثم توقّفت. تركته. بل اعتمدته.
عام 2022، صنعتُ فيلمًا قصيرًا في السرّ، بلا موافقات ولا حماية، بسيناريو وئام إسماعيل، وإنتاج شخصي بحثًا عن مساحة ضيّقة لرواية قصتنا في دمشق، مدينة تعيش حربًا لم تنتهِ. حمل الفيلم عنوان «وحدهُ الصوتُ يبقى»، لا بوصفه شعارًا، بل توصيفًا دقيقًا لما كان ممكنًا قوله آنذاك، وما كان مستحيلًا قوله بوسائل أخرى.
لاحقًا فقط، فهمت أنني لم أكن أصنع فيلمًا عن مدينة محاصَرة، بل عن خوفٍ تعلّمتُ العيش داخله، وحمله معي، حتى حين اعتقدتُ أنني خرجتُ منه.
الخوف كميراث
لم يكن هذا الخوف طارئًا، ولا مرتبطًا بتجربة التصوير وحدها. كان جزءًا من نظام أقدم، تشكّل عبر سنوات، حتى صار الخوف نفسه ممارسة يومية، وميراثًا غير معلن ينتقل من جيل إلى آخر. لم نعشه كحدث استثنائي، بل كحالة دائمة أعادت تشكيل علاقتنا بالعالم.
في دمشق، لم يكن الخوف ردّة فعل على قمعٍ محدّد، بل آلية لتنظيم الحياة اليومية. يظهر في التفاصيل الصغيرة: في اختيار الكلمات، في خفض سقف التوقّعات، في تأجيل الأحلام. ومع الوقت، لم نعد نحتاج إلى رقابة مباشرة، الرقابة استقرّت في الداخل، كصوتٍ خافت يرافق كل خطوة ويسأل: هل يستحقّ الأمر؟ يشبه ذلك ما نراه في فيلم The Lives of Others، حيث لا يعمل الخوف عبر العنف الظاهر فقط، بل عبر حضورٍ دائم لعينٍ غير مرئية، تجعل الشخص يراقب نفسه بنفسه، حتى في أكثر لحظاته حميمية.
هكذا تعلّمنا تسمية الصمت سلامة، والتراجع عقلانية، والاختفاء شكلًا من أشكال النجاة. لم يكن الخوف يمنعنا من الفعل فقط، بل يعيد تعريف الممكن نفسه. كما في الفيلم، لا يُقاس الخطر بما يحدث فعلًا، بل بما يمكن أن يحدث، وبما قد تُفسَّر عليه الكلمة أو الفكرة. حتى العمل الإبداعي لم يكن بمنأى عن هذا الإرث: كل فكرة تُفكَّر مرتين، لا بحسب قيمتها أو ضرورتها، بل بحسب تبعاتها المحتملة داخل نظام تعلّم أفراده أن يسبقوا الرقابة بخطوة.
لم يكن النفق في الفيلم مجرد مكان، بل اختزالًا لحالة اعتاد فيها الناس العيش داخل حدود يعرفونها جيدًا، حتى من دون أن تُرسم لهم.
تفكّك الخوف
بعد سقوط النظام، لم يختفِ الخوف كما تخيّل كثيرون. ما حدث كان أقرب إلى تفكّكه. الخوف الذي كان له مركز واحد وسلطة واضحة، تفتّت إلى مخاوف متعدّدة، بلا مرجعية واحدة ولا قانون نحتكم إليه. لم نعد نخاف من صورة واحدة معلّقة على باب قبو، بل من مشهد مفتوح لا نعرف حدوده.
كان الخوف في السابق هرميّ الشكل، له رأس معروف وحدود يمكن تخيّلها. كنّا نعرف ما الذي يجب تجنّبه، وكيف نعدّل سلوكنا لننجو. أمّا اليوم، فقد الخوف شكله القديم. صار خوفًا مفتوحًا، أفقيًا، يتسرّب من كل الجهات: من الشارع، ومن الناس، ومن الفراغ نفسه. بين خوفٍ يمكن تسميته، وخوفٍ بلا اسم، يتبدّل معنى الأمان ذاته.
في الشارع، يتقدّم الناس بخطوات محسوبة. تُوزن الكلمة قبل أن تُقال، وتُقرأ النظرة بحذر، كأن كل حركة ما زالت قابلة لأن تُساء قراءتها. الخوف اليوم ليس واحدًا: خوف من غياب الأمان اليومي، من السلاح المنفلت، من انفجارٍ عابر أو رصاصة بلا عنوان.
بين الناس، يتداخل الحذر مع انعدام الثقة. يطفو الخوف من الآخر، من المختلف، من الجار الذي لا نعرف أين يقف، ولا ما الذي يحمله في ذاكرته أو في جيبه. تطفو الانقسامات القديمة في التفاصيل اليومية: في المسافة بين الجيران، وفي الصمت المتبادل، وفي تجنّب الاحتكاك لا بوصفه حكمة، بل كآلية بقاء.
يضاف إلى ذلك خوف من العدالة الانتقائية، من محاسبة بلا معايير، ومن قصاص لا يشمل الجميع. وخوف من الكلام نفسه: أن يُساء فهمه، أو يُستَخدم ضد صاحبه في سياق متقلّب لا يضمن أحد نتائجه.
في الأيام الأخيرة، انتشرت صورة مألوفة حدّ الوجع: مئات الأشخاص ينزحون من أحيائهم، يمشون خلف بعضهم على الطرقات. عائلات وأفراد يحملون ما خفّ وزنه من حياتهم، ويتقدّمون بصمتٍ ثقيل نحو مكانٍ غير واضح. لا لافتات، لا هتافات، ولا جهة واحدة يمكن الإشارة إليها. فقط حركة جماعية يفرضها الخوف. هذا المشهد لا يشبه نزوح الأمس تمامًا. لا يأتي من معركة ذات عنوان، بل من شعورٍ عام بأن المكان لم يعد آمنًا، وأن البقاء نفسه صار مقامرة. لا يهرب الناس من جهة محدّدة، بل من الإحساس بأن أحدًا لم يعد مسؤولًا عن حمايتهم.
الخوف من الحرية
بهذا المعنى، لم ننتقل من الخوف إلى الحرية، بل من خوف مُراقَب إلى خوف بلا ضوابط، من قمعٍ واضح إلى عبثية مفتوحة، ومن سجن يمكن تسميته، إلى فضاء لا نعرف كيف نعيش فيه.
لا تبدو الحرية لحظة انفراج، بل اختبارًا قاسيًا. بعد سنوات من العيش داخل حدود واضحة، مهما كانت خانقة، وجدنا أنفسنا أمام مساحة مفتوحة بلا إرشادات. الحرية هنا لا تأتي كحقّ مكتسب، بل كمسؤولية مفاجئة: أن نختار، وأن نقرّر، وأن نتحمّل النتائج، من دون سلطة نهائية نلومها أو نحتمي بها.
في هذا السياق، يصبح مفهوم «الخوف من الحرية»، كما صاغه إريك فروم، أقرب إلى الواقع منه إلى النظرية. لا يتعلّق الأمر بزوال القمع فقط، بل بلحظة ما بعده: حين يُترك الفرد والمجتمع أمام مسؤولية القرار، من دون بنية قانونية أو ثقافية قادرة على الاحتواء. يظهر هذا الخوف في تفاصيل فردية صغيرة، لكنها كاشفة: في التردّد قبل إبداء رأي علني، في الامتناع عن المبادرة، في سؤال داخلي يتكرّر: هل هذا هو الوقت المناسب؟ هل يستحق الأمر تبعاته؟ بعد سنوات من تجنّب القرار، لا يعود الاختيار فعلًا بديهيًا، بل مغامرة محسوبة.
هنا يتغيّر موقع الخوف نفسه. لم يعد الخوف نقيض الحرية، بل ملازمًا لها. ليس عائقًا يجب تفاديه، بل ثمنًا لا مفرّ منه للحياة خارج نظام شمولي كان يقرّر بالنيابة عن الجميع. لم يكن الخوف السابق يحتاج إلى تفسير، كان مصدره واضحًا. أمّا اليوم، فمصدر الخوف هو المسؤولية ذاتها، والعزلة التي ترافق حرية لم تتشكّل شروطها بعد، ولم تُدعَم بقانون، ولا بثقة متبادلة.
انتشار لعناصر من القوات الحكومية السورية في حيّ الأشرفية في مدينة حلب بعد اشتباكات مع مقاتلين أكراد، 8 كانون الثاني 2026. (عمر البم / وكالة أسوشيتد برس)
حين أعود اليوم إلى تلك اللقطة المرتجفة عند مدخل النفق، أفهمها بشكل مختلف. لم تكن الكاميرا ترتجف خوفًا من صورة معلّقة على الجدار فقط، بل من كل ما كان ينتظرنا بعدها. من الخروج إلى مساحة بلا علامات، وبلا ضمانات.
ربما لم يسقط الخوف مع النظام، بل غيّر شكله. وربما الحرية لا تبدأ بزوال الارتجاف، بل بالقدرة على التصوير رغم وجوده، وعلى ترك الصوت يخرج، حتى وهو غير واثق من الطريق. في بلد يتعلّم المشي خارج النفق للمرة الأولى، قد يكون هذا الارتجاف أثر الخطوة الأولى، لا دليل ضعفها.