تعليق الطائفة السنيّة
زياد ماجد

أبو عمر ودونالد ترامب وأبو الجواهر 

9 كانون الثاني 2026

لا يفضح أحدٌ تفاهة معظم السياسيين اللبنانيين أكثر من أبي عمر، ولا يجسّد أحدٌ تفاهة الشر في العالم أكثر من دونالد ترامب.

أبو عمر ودونالد ترامب

الأول، تلاعب بسياسيين لبنانيين لاهثين خلف سلطة موهومة، زاعماً أنه أمير سعودي (بمعزل عن أي ملابسات أو علاقات أو توظيفات). فأخذ من بعضهم الأموال ومن البعض الآخر الآمال. وفي الحالين، فرض عليهم هاتفياً طاعةً وتذلّلاً للديوان الملكي المزعوم في الرياض. 
أمّا الثاني، فتلاعب بعالم وقوانين ومصائر على نحو يتخطّى في مجرياته ما يحدث عادة في أفلام الخيال العلمي المرعب، ويتفوّق في فظاظته على كل فظاظة شهدناها في العلاقات الدولية منذ الحرب العالمية الثانية. 

الأوّل يعرّي منظومة علاقات استتباع، تُبيّن مدى تعفّن الثقافة والممارسة السياسية اللبنانية ومدى استعداد معظم أقطابها لإنفاق أموالٍ، بعض مصادرها مشبوه، استثماراً بمناصب يعوّلون عليها لاستدرار ما سيعوّض ما أنفقوه مادياً أو يحوّله إلى سلطةٍ وجاهٍ وسطوة يخالونها تُخفي رقاعتهم وتجعل منهم «مسؤولين».
أمّا الثاني، فيتحدّث بلغةٍ سوقية، صنّفها الألسنيوّن الأميركيون لغةَ مراهقٍ محدود الثقافة، يدعم مجرمين هنا ويشتم أناساً هناك، ويُهين مسؤولين بات الأوروبيون أكثرهم ذكراً. ذلك أنه بعد قوله بالاستيلاء على غزة المُبادة من قبل «صديقه بيبي»، وبعد عملية القرصنة التي نفّذها في فنزويلا وإعلانه الصريح عن عزمه الاستحواذ على جزء من نفطها، وبعد تهديده كوبا وكولومبيا والمكسيك (وكندا)، وقبل ذلك قصفه إيران، ها هو يتحضّر للسطو على جزيرة غرينلاند العملاقة، التابعة قانونياً لمملكة الدنمارك، أي المصنّفة أرضاً أوروبية. ومن غير المرجّح أن يوقفه اعتبارٌ حقوقي أو سياسي، أو أن ترتفع لهجة الأوروبيين وتتحوّل الى إجراءات ضده، وهم المعوّلون على دعمه في مواجهة فلاديمير بوتين المهدّد إياهم عسكرياً من الشرق والجاهز لصفقة مع واشنطن على حسابهم وحساب أوكرانيا التي فقدت في أقلّ من أربع سنوات قرابة نصف مليون جنديّ بين قتيل وجريح، وآلاف المدنيّين، في حرب روسيا عليها.

الثأر من «الأستبلشمانت»

رغم انتمائهما الى عالمين مختلفين، ورغم تهافت المقارنات بين سمسار لبناني وزعيم أكبر قوة في العالم، فإن ثمة ما يُغري في ذكرهما في مقال واحد. فاللبناني الذائع الصيت اليوم، ابن وادي خالد المنبوذ اجتماعياً والمنتقِم بطريقة مبتكرة من طبقة سياسية ركيكة، هو في مكان ما، لجهة احتياله وثقته بما طُلِب إليه أن يفعل، ويقينه بجُبن الذين يتعامل معهم، مشروع ترامبي لو قُدّر له أن يُراكم الثروات ويبني القصور ويثأر من «الأستبلشمانت» عبر سلب مواقعه والتصرّف كما لو أن لا حدود لسلطته وقوّته ولا وجود لقوانين محلية وكونية تحدّ من جبروته. وهو فوق ذلك، يُخضع سياسيين ونافذين لإرادته، غالباً ما يعبّرون بعد مكالماتهم معه عن غيظهم وعن اشمئزازهم منه ومن لهجته، تماماً كما يعبّر الديموقراطيون (وبعض الجمهوريين) الأميركيون وأكثر القادة الأوروبيين عن قرفهم من ترامب ومن لغته وخلفيّته ومن كونه «مُحدث نعمة»، ويضطرّون رغم ذلك للانصياع له والانبطاح أمامه، طمعاً بحظوة أو كفّ شرّ وهزءٍ وتوبيخ.

أبو الجواهر

لكن ما علاقة أبي الجواهر بكل ما ورد؟ 
الإجابة لا تبدو بديهية. لكن ينبغي التذكير أولاً بهويّة المذكور، وهو من أبرز شخصيات زياد الرحباني وأكثرها استعصاء على التصنيف الجدّي، رغم جدّية حضور من يرمز إليه في المجتمع اللبناني وفي كل مجتمع عرف حروباً وصراعات ومشاريع فتوّات أهلية. تخاله كائناً وهمياً أو كوميدياً مصنوعاً من خيال الرحباني، فإذا به حقيقة ذات تأثير بليغ في حياة الناس أو في مصائرهم. فأبو الجواهر زعيم بمقدار ما أمكن للزعامة أن تفرض نفسها. هو أبو عمر في احتقاره «للمسؤولين»، وهو ترامب صغير في تسلّطه على حيّ سكنيّ هو عالمه الكامل. وهو فوق ذلك اختفى لفترة ليعاود الظهور متبدّلاً، دافعاً أحد مريديه السابقين رشيد إلى ما يُشبه الجنون، قبل أن يفرض علم النفس الحجرَ عليه، فيُساق بالقوّة إلى مشفى الأمراض العقلية الأشبه بسجن. والمشفى– السجن هذا، هو ما يؤكّد كثر في الولايات المتحدة الأميركية أنه الحلّ المُشتهى عندهم لسيّد البيت الأبيض الذي لا شيء يوقفه عن قطع «شارع كوني» أوسع من شارع الحمراء البيروتي الذي قطعه رشيد في مسرحية «فيلم أميركي طويل».

أبو الجواهر ومعه أبو عمر ودونالد ترامب، يبدون إذاً في أقوالهم وأعمالهم أبطال كوميديا رثّة، على تفاوت درجات رثاثتها. لكنّهم حقيقة دامغة. لا بل الحقيقة الدامغة الكاشفة اليوم عن جوانب الانهيار والانحدار بأبعاده المختلفة في بلد هامشي صغير كما في البلد «الأعظم» في العالم. والعيش في ظلّ سيادتهم النسبية أو المطلقة لفترة، يتطلّب الكثير من الجهد لتقبّله، والتعامل معه برويّةٍ تُجنّب التحوّل إلى «رشيد» في شارع الحمراء أو في غيره من شوارع العالم الواسعة.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
حدث اليوم - الجمعة 9 كانون الثاني 2026
09-01-2026
أخبار
حدث اليوم - الجمعة 9 كانون الثاني 2026
الحكومة السوريّة تحاصر قسد: الاشتباكات بدل التفاوض
09-01-2026
تحليل
الحكومة السوريّة تحاصر قسد: الاشتباكات بدل التفاوض
المدينة وتاريخها في معرض «بيروت المرفأ» 
09-01-2026
تقرير
المدينة وتاريخها في معرض «بيروت المرفأ» 
ماذا يريد كريم سعيد فعلاً؟
09-01-2026
تحليل
ماذا يريد كريم سعيد فعلاً؟
«كنتُ مخرجاً»: تحيّة من محمد سويد إلى بيلا تار
09-01-2026
تقرير
«كنتُ مخرجاً»: تحيّة من محمد سويد إلى بيلا تار
501,603 لاجئ سوري غادروا لبنان منذ بداية عام 2025.