قضية الأسبوع كويريّة
ميغافون ㅤ

أكثر من هجوم هوموفوبي 
أكثر من دفاع عن الحريات

26 آب 2023

ماذا حصل في مار مخايل؟

(1)

«هاي البداية»؛ تهديدٌ علنيّ وواضح ومُباشر، رماه عناصر «جنود الرب» عند اقتحامهم حانةً في مار مخايل. تهديدٌ يختزن الكثير: إنّه إعلان انتقال القول إلى الفعل. بغزوة 23 آب، حوّل «جنود الرب» حملة الهوموفوبيا الشاملة الجامعة المستعرة إلى واقعٍ عنفيٍ ملموس. لم تعد مسألة تحريضٍ كلامي فحسب ولم نعد أمام «هوموفوبيا» فحسب، بل صرنا أمام ممارسةٍ فاشية تُعَرّض حياة ناسٍ للخطر، من قبل أشخاصٍ بسوابق جُرمية.

(2)

«هاي البداية»؛ لا يحدّد هذا التهديد نقطة البداية في الزمان فقط، بل يحدّدها أيضاً في المكان. بغزوة 23 آب، حدّد جنود الرب المنطقة (أو طابع المناطق) التي يسعون لفرض هيمنتهم عليها: هي مناطق «مسيحية»، بحسب التوزيع الطائفي والإداري، لكنّها ما زالت تملك الحدّ الأدنى من المساحات الحرّة، أو المتحرّرة من سطوة أحزاب السلطة. هي جيوبٌ قليلة بقيَت هنا وهناك، يُصادف أنّها تكثر في المناطق «العلمانية» أو «المسيحية»، بعدما نجح الثنائي الشيعي بتقويض مناطقه لسيطرةٍ شبه تامّة. سعت غزوة 23 آب إذاً إلى استكمال الحرب على تلك الجيوب «المتفلّتة» من الحكم الطائفي، حرب بات لها جبهات متعدّدة، من محاولة بعض الأحزاب السيطرة عليها بعيد انفجار 4 آب إلى تدخّل أحزاب أخرى في وجه مشروع رصيف

(3)

«هاي البداية»؛ أبعد من الزمان والمكان، تحدّد هذه الكلمتان المعايير الأخلاقية للحملة. سيّج جنود الرب تلك المنطقة في تلك اللحظة بمعاييرهم «الأخلاقية» ونظرتهم هم للمجتمع؛ نظرتهم لعائلةٍ ما؛ نظرتهم لأخلاقٍ ما؛ نظرتهم لدور المرأة أو دور الرجل؛ الخ… بغزوة 23 آب، حاول جنود الرب فرض هذه القيَم على جماعةٍ خرجت عن هذه القيَم، أو فرض صورةٍ خشبية وباهِتة على مجتمع يتحوّل ويتغيّر. محاولة فاشلة طبعاً، لكنّها تبقى محاولةً لترهيب هذه الجماعة وإقصائها قبل إلغائها. بهذا المعنى، يستكمل جنود الرب الحملة الممنهجة ضد مجتمع الميم-عين ليؤكّدوا أنّنا دخلنا في خضم معركة معيارية، معركة معمّمة حول حدود المقبول والمسموح، المرئي والمنسي، القابل للحياة والمحلّل دمه

فوق اللحظات الثلاثة المذكورة، يبقى السؤال البديهي: هل هذه هي فعلاً «البداية»؟ 

أمّا السؤال غير البديهي، فهو: إن كان الكلام على بدايةٍ ما، فأين هي «النهاية»؟


حملةُ هوموفوبيا إذ تنقلب مشروعاً للهيمنة

البداية ليست، بالتأكيد، غزوة 23 آب لحانة مار مخايل. ذلك تغيّر نوعي فقط. كانت الغزوة ممكنة لأنّ سياقاً طويلاً من التحريض قد سبقها، يبدأ من المراجع الدينية ولا ينتهي عند وزير الداخلية الذي أمّن غطاءً وزارياً للانقضاض على تجمّعات المثليين والمثليات.

الخطّ الزمني وتصاعُد خطاب الكراهية واضح، والهوموفوبيا الحاضرة على طول الخطّ واضحة بدورها، لكن من اللافت متابعة ما رافق هذه الهوموفوبيا. صحيح أنّ المثلية هي محور هذه الهجمات؛ صحيح أنّ هذه الهجمات قد حدَّت من حريّة فئةٍ مهمّشة تاريخياً. لكنّ في هذه الهجمات ما هو أبعد، إذ تنطلق من قمع فئة بهدف تأسيس لمشروع هيمنة معيارية. انطلاقاً من قمع فئة، فُتِح المجال لتحديد معايير المقبول والممنوع للجميع، وأُطلق مسار إعادة فرض صورة نمطية للعائلة والدين والأدوار الجندرية، وسُمِح لبعض المجموعات والسياسيين بتحديد هامش الحريّات العامة، وأُعيد فرض سطوة مؤسسات دينية على مجالات كانت بدأت تخرج عنها. 

أمست الهوموفوبيا بنظر القيّمين عليها مشروعاً للهيمنة، مساحةً لعرض القوّة، بطاقةً تُستَخَدم للتذكير بمن يملك السلطة ومن يحدّد مساحات الحرية ومن يُشبّح ومن يُبلطج. فما يجري في البلاد منذ أسابيع ليس مجرّد حملة كراهية من بعض المجموعات المتشدّدة، إنّه مشروع هيمنة وسلطة، يؤسّس لطبيعة حكم جديدة. وتحويل حملة الهوموفوبيا إلى مشروع هيمنة له خطواتٍ صارت معروفة:

  1. البداية مع حملة كلامية تُحرّض باسم المقدّسات والعائلة والقيَم، وتُحدّد «عدو المرحلة»، وتعمل على نبذه خارج الجماعة— لشهر تمّوز كان اللاجئون السوريّون، ولشهر آب هو المثليين والمثليات، والآن ننتظر الإعلان عن عدوّ أيلول.
  2. بعد التحريض الكلامي، يأتي اللجوء للمقاطعة والحجب والمنع، مثلما منع وزير الثقافة فيلم باربي من دون أن يشاهده حتّى، أو كما تحجب بعض المناطق بعض البرامج والقنوات التلفزيونية، أو كما دعا أمين عام حزب الله إلى «مقاطعة الدكاكين التي ترفع علم المثلية».
  3. بعد التحريض الكلامي والمقاطعة «الشعبية» والمنع «الإداري»، يتحرّك التشريع. فيتنطّح نوّاب ووزراء الأمّة لتقديم مشاريع قوانين تزيد من تجريم المثلية أو تُجاهر بالترحيل القسري للسوريّين.

وعند اكتمال الأركان المذكورة، تصبح غزوة مار مخايل الأخيرة أمراً «تلقائياً» يُعلن عن مشروع هيمنة جديد، عن سلطةٍ قيد الترميم أو الإنشاء، مدعومةٍ بقوانين واقتراحات ومنعٍ إداري. فعندما تجتمع سلطة الدولة مع تحريض مؤسسات دينية واجتماعية مع عنف مجموعات شبه عسكرية، نحن لم نعد أمام «مجرّد حملة» كراهية، نكون قد أصبحنا في وجه مشروع همينة. 

وقد يحدث أحياناً، أن يحظى هذا المشروع بدعم مصرفيٍّ من بين المصرفيّين، أو أن يكون القيّم على هذا المشروع مصرفيٍّ بعينه: كذا هي حالة «جنود الرب» وأنطون الصحناوي. هنا، يُحدّد الزعيم الصاعد ملعبه، مساحته، حدود المقبول والممنوع ضمن هذه المساحة، والذراع التنفيذية الساهرة على الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر، بنسخةٍ رديئة (أو لا) عمّا قام به حزب الله، مثلاً، في الضاحية الجنوبية.


«هيمنة الكراهية» العالمية

لا ينفرد لبنان بتصاعد الخطاب المناهض لمجتمع الميم-عين. هي نقطةٌ يرتكز عليها اليمين القديم الجديد لتوسيع سطوته والإعلان عن «نفضةٍ» عالميةٍ في خطابه واستيلائه على حكوماتٍ وجماعاتٍ جديدة. فقد اقترح الرئيس الأميركي محاربة هذه «الظاهرة» كجزءٍ من حملته الانتخابية، وحظرت روسيا العبور الجنسي في عزّ حربها على أوكرانيا، واقترح رئيس أوغندا إعدام المثليين، ومنع العراق مصطلح «المثلية» مقترحاً «الشذوذ»، وهل من داعٍ للتوقّف عند رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني— فخر اليمين العالمي؟

الخطاب اليميني المُستحدَث ينطلق من ضرورة الدفاع عن العائلة والأدوار الجندرية التقليدية وإعادة تعليب الذكر والأنثى، للانقلاب على كل مكتسبات القرن الماضي. هي ردّة فعل رجعية، لا تتحقّق إلّا بالعنف والقمع والمباغتة السريعة، بعدما حَصَّلت فئات مهمّشة حقوقها بنضالٍ شعبيٍّ ديمقراطيٍّ مُضنٍ وطويل.

«هيمنة الكراهية» هي مشروع حرب على الاختلاف، أي اختلاف. هي إعادة تسييس للمعايير لفرض أنماط من الوجود لم تعد مهيمنة بسبب التحوّلات التاريخية. هي محاولة لفرض صورة عن العائلة بعدما لم يعد هناك نمطاً واحداً لها. هي محاولة لإعادة فرض أدوار جندرية قضى عليها التاريخ. هي محاولة لفرض مفهوم عن الجنس لا وجود له إلّا في مخيلة البعض. هي محاولة لرفض جنسانية منفتحة بإسم معايير لم تعد تشكّل ضوابط. 

المسألة، بهذا المعنى، تخطّت مسألة «الحريات» وحق «الأقليّات» بالتعبير عن نفسها ومسألة «تقبّل» الآخر. هي ليست معركة حريّات، بل معركة وجودية للدفاع عن حق مجتمعٍ بأن يكون حيّ ومتحوّل ومنفتح. هي معركة بدأت مع مجتمع الميم-عين، لكنّها تطال كل شخص يعيش ببعض من الاختلاف والحرية، على حدود معايير المجتمع. هي معركة يقودها مشروع هيمنة يفرض الكراهية كمعيارٍ وأداةٍ للسيطرة، مقابل مجتمع يمثّل الاختلاف، وَجُب الدفاع عنه لأنّه، بالتحديد، يمثّل الاختلاف. 

آخر الأخبار

جعجع: الأمن الذاتي بحجّة مكافحة النزوح السوري
اجتياح رفح 
الإفراج عن الأكاديمية نادرة شلهوب كيفوركيان
خوفاً من مذكّرة اعتقال دولية
هكذا يعذّب الاحتلال الدكتور إياد شقّورة
جندي إسرائيلي يسرق جرواً من أمّه