مراجعة غزّة
زياد ماجد

محوُ المحو:

إيال وايزمان عن إبادة غزة

21 آب 2026

لم يأخذ كتاب إيال وايزمان Ungrounding: The Architecture of Genocide، الصادر قبل ثلاثة أشهر، حقّه بعد من المراجعات، رغم أهميّته الاستثنائية. فالكتاب، الذي يمكن ترجمة عنوانه على نحو «الاقتلاع، أو نزع الصلة بالأرض: هندسة الإبادة الجماعية»، يشرح انطلاقاً من المعطيات والوثائق البصرية المتوفّرة، استراتيجيات إسرائيل في غزة وفلسفة عنفها.

وايزمان مهندس بريطاني إسرائيلي يدرّس في جامعة غولدسميث في لندن، ومؤسّس أحد أفضل مواقع دراسة الجرائم وانتهاكات حقوق الإنسان، Forensic Architecture،  الذي يحلّل صور الأقمار الصناعية والخرائط والأدلّة الرقمية والظلال ومسارات المقذوفات. كرّس السنوات الثلاث الماضية لدراسة جرائم إسرائيل في فلسطين وتوثيقها، ضمن منهجية تركّز على الإبادة بوصفها استهدافاً لشروط عيش الناس المستديمة، وليس فقط استهدافًا للأفراد كأفراد.  

تغيير الملامح

يستند الكتاب إلى مفهوم نزع الصلة بالأرض، لمعاينة الخراب الغزّاوي. ويرى أنّ ما تفعله إسرائيل يختلف عن عمليات التدمير أو «المحو» الكلاسيكية، التي تترك آثاراً يمكن من خلالها التعرّف إلى تاريخ المكان: موقع منزل أو بقايا خط شارع أو حدود حي. أمّا في حالة إسرائيل، فهي تعمد غالباً بعد القصف المدمّر الى قصف الركام، ثم إلى إرسال جرّافات في المناطق التي تحتلّها لإزالة هذا الركام وقلب التُّربة من حوله واقتلاع الأشجار ومحو الطرق القديمة، ثم تعيد تجميع الإسمنت المفتّت والتراب والمعادن والأخشاب في تضاريس جديدة. بهذا لا يختفي البناء وحده ولا ما تبقّى من معالم المكان، بل تختفي أيضاً دلائل وجوده السابق. وهذا ما يسمّيه وايزمان «محو المحو». 

يعود الكاتب في مطلع بحثه إلى تاريخ تشكّل قطاع غزة بعد النكبة العام 1948، وإلى حدث ترسيم الخط الفاصل، العام 1950، بين القطاع والأراضي المحيطة به، التي أصبحت تحت سيطرة الدولة الإسرائيلية الناشئة. يومها شقّت جرّافة من طراز «كاتربيلر» خطاً عبر الحقول والبساتين، فوجد الغزّيون أنفسهم مفصولين عن أراضيهم السابقة، فيما دُمّرت القرى المفرغة من سكانها والواقعة خلف الخط الجديد، وغُطيت آثارها تدريجياً بالزراعات والأشجار وبعدد من المستوطنات لإزالة أثر الوجود الفلسطيني فيها.

يربط وايزمان ما جرى في تلك المرحلة بما يحدث اليوم، من دون أن يساوي بين خصائص المرحلتين. ما يستمر، في نظره، هو اقتران التهجير بإعادة صياغة المكان نفسه على نحو يجعل العودة إليه أكثر صعوبة. فإبعاد السكان لا يكتمل ما دامت البيوت والحقول والطرقات والقرى قائمة أو حتى مخلّفة لآثار قابلة للتعرّف والاستعادة. لذلك يصبح تغيير وجه الأرض ومحو معالمها جزءاً أساسياً من عملية اقتلاع الناس.

وهذا ما يحصل تكراراً منذ تشرين الأول 2023، بحيث يتحوّل المشهد الغزاوي الى مشهد خراب معمّم، ومنقولة أحياناً بقاياه من موضع إلى آخر لِيُفقد المهجّرين الناجين من القصف القدرة على التعرّف على مدنهم واحيائهم وما كان يربطهم بها وبتفاصيلها العمرانية.

إبادة ظروف الحياة

تنصّ النقطة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية للعام 1948 على حظر كلّ عمل «يمكن أن يتسبّب بالتدمير المادي لجماعة ما». وهذه النقطة بالتحديد هي أكثر ما تنتهكه إسرائيل بأشنع الأعمال الممكنة: قصف المستشفيات والمدارس والجامعات، وتحطيم البنية التحتية، وتلويث المياه والآبار، والهجمات على المساكن ودور العبادة، بما يهدّد شروط بقاء المجتمع الفلسطيني وإعادة إنتاج حياته. وتندرج الحرب الإسرائيلية على المأكل والغذاء عامةً ضمن الاستراتيجية نفسها. فحرق الحقول والبساتين وقصف قوارب الصيد، بالتوازي مع عرقلة دخول المساعدات أو استهدافها، تشكّل كلها منظومة مترابطة، وهو ما يصفه وايزمان بـ«هندسة المجاعة الإبادية».

على أن الإبادة لم تبقَ في غزة على هذا المستوى فحسب. فثمة في تحليل الكاتب لمسألة الأنفاق وما ترمز إليه شأن ندر النقاش حوله في كل ما كُتب حتى الآن عن الموضوع. فالأنفاق، بحسبه، لم تكن مرّة مجرّد منشآت عسكرية مرتبطة بالفصائل الفلسطينية المسلحة، بل كانت على الدوام جزءاً من تاريخ الحصار الإسرائيلي وإغلاق المعابر القائم رسمياً منذ العام 2007. فمع تضييق حرّية الحركة على السطح، أتاح الحفر انتقال الأفراد والسلع والمواد التجارية إلى «باطن الأرض»، قبل أن تتوسع هذه الشبكات ويصبح استخدامها عسكرياً مضبوطاً من قبل حركة حماس. وتدمير الأنفاق هو بالتالي «نكبة تحت الأرض» بِعرف وازيمان، لأنها تستهدف ما بناه الفلسطينيون تحت أرضهم بعد أن تعذّرت حياتهم «الطبيعية» ونُكبوا فوق سطحها.

من التحقيق بالجرائم إلى إعادة العلاقة بالأرض

لا يختلف عمل زملاء وايزمان وزميلاته في موقع Forensic Architecture عن عمله في كتابه. فتحقيقاتهم حول جرائم إسرائيل (ومن ضمنها تحقيقهم المعروف حول قتل الطفلة هند رجب) تهدف الى تشريح الإبادة كفعل مستمرّ يتشكّل من آلاف الوقائع والممارسات. وتزداد مهمة التحقيقات هذه صعوبةً كلّما مُحيت معالم الأمكنة. لأنّ تحديد موقع صورة أو مقطع مصوّر يتطلب غالباً تبيان واجهة مبنى أو مئذنة أو علامة محل تجاري أو إسم شارع ظاهر في زاوية ما، أو تقاطعاً أو خط أفقٍ يمكن مقارنته بصور أخرى. وحين تختفي هذه العلامات، ويُنقل حطامها من مكان الى آخر، لا يُمحى الماضي وحده، بل تُمحى أيضاً الأدوات التي تسمح بإثبات «كيفية محوه». 

من هنا، تتكرّر في الكتاب فكرة «البحث عن الأثر»، أي البحث عمّا يبقى من صورة أو مقبرة أو جزء من بناء، لأن هذه البقايا قد تصبح ما يسميه وايزمان «مرتكزات العودة». وهي مرتكزات يمكن أن تشكّل الردّ على الاقتلاع، Ungrounding، من خلال إعادة تأسيس العلاقة بالمكان، Re-Grounding. وهذا لا يتمّ من دون إعمار يحافظ على ذاكرة الأرض ويربطها بالناس وعلاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية وصلاتهم بزرعهم وبحرهم وغيرها من مواضع العيش الحيويّة.

كتاب إيال وايزمان هو من أفضل المساهمات في حقل دراسات الإبادة، إذ فيه جديدٌ معرفيّ وتحليليّ اتّخذ من غزة نموذجه الدراسي، مبيّناً تخطّي إسرائيل في حربها كل وحشية ورغبة أذيّة شهدها العالم منذ جرائم النازية خلال الحرب العالمية الثانية.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
مراجعة

محوُ المحو:

زياد ماجد
اكتمال دمج «قسد» بالدولة السورية
حدث اليوم - الخميس 20 آب 2026
أميركا * إيران: إنّها الحرب الاقتصادية
20-08-2026
تقرير
أميركا * إيران: إنّها الحرب الاقتصادية
40 تريليون دولار ترامب يواجه ديناً عامّاً قياسيّاً
20-08-2026
أخبار
40 تريليون دولار ترامب يواجه ديناً عامّاً قياسيّاً
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 20/8/2026