تعليق مجازر
سامر فرنجية

 استذكار بعد قطيعة

من بنت جبيل إلى السويداء مروراً بحلب

22 تموز 2026

يؤكّد لنا استذكار أحداث الماضي مدى انقطاع حاضرنا عن تاريخه المباشر، بفعل الإبادة الإسرائيلية. لكنّ القطيعة لا تلغي أحد دروس هذا التاريخ القريب- البعيد، وهو أنّه لا يمكن مقاومة إبادة بالسكوت عن أخرى. 

النصر الإلهي، بعد عشرين سنة

مرّت ذكرى حرب تموز، هذه السنة، من دون أي احتفال أو حتى خطاب، باستثناء «التزريك» الذي مارسه الجيش الإسرائيلي في مدينة بنت جبيل. مرّت وكأنّها لا تنتمي إلى حاضرنا، وكأنّ دروس الحدث ومفاعيله تنتمي لزمن ولّى. لم يعد أحد إلى تلك اللحظة للاحتفال بالنصر الإلهي، فيما نعيش نحن في ركامه، ركام غير مَجازي. ومَن عاد، كان دافعه مقارنة حالة الانهيار الحالي بلحظة شكّلت نموذج انتصار، لم تشهده ما تسمّى بقوى المقاومة من قبل أو من بعد. الحدث، إن بات له وجود في الحاضر، فكصكّ اتّهام للورثة السياسيين لهذه اللحظة، أو كلعنة تجسّد في ذكراها الانهيار الحالي لمشروع كان في لحظةٍ ما مهيمنًا على المشرق العربي ومخيّلته السياسية.

حلب، بعد عشر سنوات

سيُكتب الكثير عن هذه السنوات العشرين، الكفيلة بتحويل الانتصار إلى ركام، والأوهام إلى خيبات. وفي وسط هذا المسار حدثٌ، نستذكره أيضًا هذه السنة، ذكرى أخرى تتقاطع مع تاريخ حزب الله. الحدث هو سقوط حلب التي امتدّت معركتها من تموز 2012 إلى أواخر عام 2016، أي قبل عشر سنوات، تخلّلها حصار دمويّ قضى على عشرات الآلاف من سكّانها. في هذا الحصار، الذي شارك به حزب الله، استخدمت الأطراف الحليفة لنظام الأسد تقنيات مصغّرة عن تلك التي عادت ووجدت طريقها بعد عشر سنوات في غزّة ولبنان، من الاستهداف الممنهج للمنشآت الطبية والمدنية، إلى تقنيات «الضربة المزدوجة»، وصولًا إلى القصف العشوائي على المناطق المدنية واستعمال سلاح المجاعة. في هذا الحصار، مسودة إبادة قبل الإبادة. 

السويداء، بعد سنة

تقاطعُ الحدثَيْن لا يسمح بالضرورة بجمعهما برواية واحدة ما زالت تخاطب الحاضر. ما من درس واحد يمكن استنتاجه من هاتين الذكريَيْن، درس يكون التاريخ قد وزّع حصصه على أراضي المشرق العربي. فإذا كانت ذكرى حرب تموز قد باتت من الماضي، هي وعالمها السياسي، فإنّ ذكرى إبادة حلب باتت هي الأخرى تبتعد يومًا بعد آخر عن حاضرنا، تفصلنا عنها المحاكمات الصوريّة والمجازر الطائفية و«ضرورة» بناء دولة ما بعد الأسد. فبين حلب والحاضر، مجزرة أخرى، نتذكرها أيضًا هذا الشهر، تقف عائقًا في وجه أيّ ربط سهل بين حصار حلب وسقوط الأسد. فأحداث السويداء تذكير بأنّ العنف والمجازر ليست محصورة بطرف، بل تنتقل كالعدوى، لتفضح أي نصر كمقدمة لمجزرة آتية. 

استذكار بعد القطيعة

ما تؤكّده هذه الذكريات اليوم هو انقطاع الحاضر عن ماضيه، ودخولنا في زمن جديد، لم يعد لكفاحات الماضي وسجالاته وعواطفه دور فيه، رغم بعض الأشباح والكثير من تقنيات العنف. لكن رغم القطيعة، يبقى هناك خيط سياسي واحد وواضح: لا يمكن مقاومة إبادة إلى جانب من شارك بإبادة أو برّر لها أو صمت عنها، ولا يمكن تبرير مجزرة بأخرى سبقتها. في إعادة ابتكار مقاومة جديدة أمام السياسة الإبادية الإسرائيلية وسياسة جديدة لمعاينة الواقع الجديد، تذكرنا تلك الأحداث بحدود سياسات التحالف الحالية. ربّما كان هذا درس حلب الأخير لنا.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
تعليق

 استذكار بعد قطيعة

سامر فرنجية
حدث اليوم - الثلاثاء 21 تموز 2026
النوّاب يبيعون السمك مع بحره
21-07-2026
تقرير
النوّاب يبيعون السمك مع بحره
ترامب: برّي رجل جيّد وتدخُّل الشرع في لبنان سيكون «فعّالاً»
أسعار المحروقات: ارتفاع سريع، وانخفاض لا يُذكَر
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 21/7/2026