الحرب تكثيف للاستغلال
الحرب في لبنان لا تُنتج دمارًا وضحايا فقط، بل تفضح ما كان مخفيًا.
ما يعيشه العمّال اليوم من انتهاكات ليس نتيجة الحرب بحدّ ذاتها، بل نتيجة غياب حماية حقيقية أصلًا، حيث تتخلّى الدولة عن دورها وتُترك علاقات العمل لمنطق القوّة لا القانون.
منذ بداية التصعيد، لم تعد آثار الحرب على سوق العمل تقتصر على تعطيل الإنتاج أو فقدان الوظائف، بل اتّخذت شكل إعادة تنظيم كاملة للعلاقة بين العامل ورب العمل. الأجور تُخفَّض أو تُؤخَّر، والصرف التعسّفي يتوسّع تحت ذريعة «الظروف»، وساعات العمل تتمدّد من دون أي تعويض. لا تبدو هذه الممارسات استثناءات طارئة، بل آليات تُنقَل من خلالها كلفة الحرب مباشرةً إلى العمّال الذين يتحمّلون عبء عدم الاستقرار الاقتصادي وانعدام الحماية.
يتجلّى هذا التحوّل بوضوح في شوارع بيروت، حيث لجأ عددٌ من العمّال والموظّفين إلى نصب خيام قرب أماكن عملهم لضمان البقاء على مقربة منها. لم يعد السكن مرتبطًا بالأمان أو الكرامة، بل بالقرب من مصدر الدخل. بدل التوجّه إلى مراكز إيواء بعيدة في الشمال أو البقاع، يختار هؤلاء البقاء في العاصمة، حتّى ولو كان ذلك يعني النوم على الأرصفة لضمان عدم خسارة مصدر دخلهم في هذه الحالة. لا يعاد تنظيم العمل فقط، بل الحياة نفسها، حيث يُعاد تموضع الأفراد جغرافيًا ليبقوا ضمن دائرة الإنتاج، حتّى ولو كان ذلك على حساب أبسط شروط العيش. لا يعكس هذا المشهد فقط أزمة سكن طارئة، بل تحوّلًا أعمق في علاقة العمل بالحياة اليومية، حيث يصبح العملُ العاملَ المحدّدَ ليس فقط للدخل، بل لشروط العيش نفسها.
في القطاع الصحّي، تأخذ هذه الديناميات بُعدًا أكثر حدّة. في مستشفيات الجنوب، يعمل الأطبّاء والممرّضون تحت خطر مباشَر، في ظلّ القصف واستهداف البنية التحتية، مع غياب شبه كامل لأي إجراءات حماية مؤسّساتية. وفي بيروت، يختصر القصف الذي طال منطقة الجناح، على مقربة من مستشفى رفيق الحريري الحكومي، هذا الواقع: حتى المؤسّسات الصحّية التي يُفتَرض أن تكون محميّةً، تتحوّل إلى مواقع عمل محفوفة بالمخاطر. ورغم ذلك، يستمر العاملون فيها في أداء مهامهم رغم غياب أي نظام حماية.
ولا تقتصر آثار الحرب على القطاعات الخدماتية والصناعية. في المناطق الزراعية، خصوصًا في الجنوب، أدّت الاعتداءات والاحتلال الإسرائيلي إلى خسارة مساحات واسعة من الأراضي المنتِجة، ما حرم عددًا كبيرًا من العمّال الزراعيين من مصدر رزقهم. هنا، لا يقتصر تأثير الحرب على ظروف العمل، بل يمتدّ إلى إمكانية العمل نفسها. حين تُفقَد الأرض، يُفقَد العمل، ويُدفَع العمّال إلى هوامش الاقتصاد أو إلى أنماط عمل أكثر هشاشة.
اللامساواة حتّى في الفقر
هذه التحوّلات لا تصيب جميع العمّال بالتساوي. بل على العكس، تكشف الحرب عن بنية عميقة من اللامساواة. العمّال غير النظاميين الذين كانوا أصلًا خارج أيّ مظلّة حماية، يجدون أنفسهم في موقع أكثر هشاشةً، حيث يصبح العمل متقطّعًا وغير مضمون. العمالة المهاجرة التي تخضع لأنظمة قانونية استثنائية، تواجه انتهاكات مضاعفة في ظلّ غياب الرقابة. أمّا النساء، خصوصًا في القطاعات الخدمية والرعائية، فيتحمّلن عبئًا مضاعفًا: هنّ مِن أوائل مَن يُصرفن أو تُخفّض أجورهن، وفي الوقت نفسه يُدفعنَ لتحمّل أدوار رعاية إضافية داخل الأسر في ظل الحرب. في هذا السياق، يتوسّع ما يُعرَف باقتصاد الرعاية، حيث تُنقل مسؤوليّات أساسية، من رعاية الأطفال والمسنّين إلى إدارة الحياة اليومية في ظلّ انقطاع الخدمات، إلى داخل الأسر، وعلى عاتق النساء بشكلٍ رئيسي. هذا العمل، رغم ضرورته لاستمرار المجتمع، يبقى غير مدفوع الأجر وغير معترف به اقتصاديًا، ما يعمّق من هشاشة موقع النساء داخل سوق العمل وخارجه. لا تعيد الحرب توزيع المخاطر فقط، بل تعمّق أيضًا التفاوتات الجندرية داخل سوق العمل.
تغييب إضافي لدولة غائبة
رغم وجود قوانين يُفترَض أن تحمي العمّال، من تنظيم الصرف التعسّفي إلى شروط السلامة المهنية، تبقى هذه النصوص بلا أثر فعلي خلال الحرب. لا تفتيش، لا مساءلة، ولا أي آليّة تفرض الحدّ الأدنى من الحماية. في الممارسة، لا يعمل القانون كمرجعية تنظّم علاقات العمل، بل يتحوّل إلى نصٍّ مُعلّقٍ، لا يُلغى رسميًا، لكنه يُفرَّغ من مضمونه بالكامل.
في هذا السياق، لا يمكن فهم غياب الدولة فقط كعجز. في كثير من الأحيان، يبدو هذا الغياب كخيار ضمني لإدارة الأزمة، حيث يُترك السوق ليعيد تنظيم نفسه وفقًا لمصالح الفاعلين الأقوى. ويشمل ذلك أيضًا تخلّي الدولة عن دورها الرعائي، حيث تنسحب تدريجيًا من تأمين الخدمات الأساسية وشبكات الحماية، فتُنقل هذه الأعباء إلى الأفراد. بدل أن تتدخّل الدولة لتوزيع كلفة الحرب بشكلٍ أكثر عدالة، تُنقَل هذه الكلفة إلى العمّال الذين يواجهون الحرب كما سوق العمل، من دون أي إطارٍ يضمن الحدَّ الأدنى من الحماية.
وفي هذا الإطار، لا يتعلّق الأمر فقط بإدارة مرحلة طارئة، بل بالخيارات التي ستُحدّد شكل ما بعدها. فإمّا أن تُعاد صياغة دور الدولة بما يعيد الاعتبار للحماية الاجتماعية ويحدّ من اختلال موازين القوى داخل سوق العمل، وإمّا أن يُترك هذا الواقع ليتكرّس، حيث تتحوّل الاستثناءات التي فرضتها الحرب إلى قواعد دائمة. عندها، لا تكون الحرب قد انتهت فعليًا بالنسبة للعمّال، بل تكون قد أعادت تعريف شروط عملهم وحياتهم لسنوات قادمة.
سيادة الدولة خارج مسألة السلاح
إنّ السيادة السياسية تُبنى من قدرة الدولة على بناء الثقة مع السكّان قبل الحديث عن قدرة الدولة على حماية الحدود. فدولة غائبة عن تأمين أبسط حقوق سكّانها المعيشية لا تملك القدرة على مواجهة التحدّيات الكبرى من دون التفاف الناس حولها. واستعادة هذه الثقة لا تمر عبر الشعارات والتوازنات، بل عبر انخراط الدولة الفعّال في ضمان الحماية الاجتماعية، بما في ذلك حقوق العمّال خصوصًا خلال الأزمات. وفي غياب ذلك، تتحوّل ظروف الأزمات إلى آلية توزيع الخسائر على حساب الأكثر ضعفًا كما هو الحال في واقعنا اللبناني. فلا تكون السيادة أداةً لحماية السكان، بل إطارًا لإدارة الانكشاف وقمع الناس.