لنتخيَّل شخصاً يعثر على خاتم سحري: ما إن يضعه في إصبعه حتّى يختفي عن أعين الجميع. فما الذي قد يفعله وهو غير مرئيّ؟ هل سيسرق؟ هل سيقتل؟
هذه الفرضية قديمة. نجدها في «جمهوريّة» أفلاطون، حيث يطرحها أحد محاوري سقراط مُحاجِجاً أنّ الإنسان لا يكون عادلاً وفاضلاً إلّا خوفاً من العقاب. فمتى انتفى العقاب– بوضع الخاتم السحري في الإصبع، مثلاً– ترك المرءُ غرائزَه وشهواته تقوده إلى أشنع الأفعال. إنّها نظرة متشائمة إلى البشر، ترى الشرّ في جوهرهم، فلا يردعهم عن ارتكابه سوى خشية الحساب، وليس الضمير ولا الأخلاق.
لهذا الخاتم السحري نظائر في عالم الواقع، لعلّ أبرزها اجتماع المال والسلطة والنفوذ. ويتجلّى ذلك بوضوح في قضيّة جيفيري إبستين: فما أتاح لشبكة ضخمة للإتجار الجنسي بالنساء والقاصرات أن تستمرّ لسنوات طويلة هو قناعة المتورّطين فيها بأنّ أحداً لا يستطيع المساس بهم، وأنّ العقاب لن يطالهم.
كُتِبَ الكثير في محاولة لفهم أسباب هذه الجريمة المُتمادية التي شارك فيها نافذون كُثُر من عوالم السياسة والمال والفن، ولا تزال أسماء غالبيّتهم مجهولة. وقد اتّسمت بعض هذه الكتابات بسطحيّة فجّة، فاتّهمت الغرب الكافر أو الإمبريالي بالفساد والانحلال.
أمّا القراءات الأكثر جديّة، فسعت إلى تفسير هذه الجريمة بعوامل اجتماعيّة بنيويّة، كالرأسماليّة وأخلاقيّاتها، والمجتمع الأبوي والهيمنة الذكوريّة. وفي هذا السياق، عُقدت أكثر من مرّة المقارنة بين جزيرة إبستين الخاصة، حيث كان يأتي بالقاصرات للاعتداء عليهن واغتصابهن هو والمتواطئون معه، وفيلم «سالو أو أيّام سدوم الـ120» (1975) للمخرج الإيطالي بيار باولو بازوليني. ففي هذا الفيلم المستوحى من رواية للماركيز دو ساد، والذي تدور أحداثه في جمهورية سالو الفاشية (1943-1945)، يَختطف أربعة رجال نافذين وأثرياء 18 مراهقاً ومراهقةً ويحتجزونهم في فيلا. وعلى مدى أربعة أشهر، يغتصبونهم ويمارسون عليهم جميع أنواع التعذيب التي يمكن تخيّلها، ثمّ يقتلونهم.
لقد قُرِئ «سالو» كنقدٍ عنيفٍ للفاشيّة والرأسماليّة معاً، بل للفاشيّة الكامنة في جوهر الرأسماليّة، ممّا يجعل هذه الأخيرة تتسيّد على الأجساد وتستهلكها وتستعبدها وتلتهمها. كأنّ الفيلم يقول إنّ الساديّة ليست مجرد انحراف جنسي، وإنمّا نزوع طبيعي لكلّ سلطة سياسيّة واقتصاديّة متى تركّزت في أيدي قلّة. ولهذا بدت المقارنة بين جزيرة إبستين وفيلم بازوليني كاشفةً عن الاستغلال والساديّة التي تنطوي عليهما أيّة سلطة.
لكن حين نعقد المقارنة مع رواية دو ساد «أيّام سدوم الـ120»، فإنّ الصورة تتبدّل جذريّاً. فبازوليني كان فنّاناً ملتزماً وشيوعيّاً، أمّا دو ساد فكان، للتبسيط، شخصاً شريراً يمكن اختصار فلسفته بالتالي: جميع الرغبات والشهوات التي يصنّفها المجتمع والدين كمجرمة وشريرة هي في الواقع طبيعيّةٌ وغير آثمة، يتشارك فيها معظم البشر، وعلى الإنسان، ليكون سعيداً، أن يسعى إلى إشباعها.
وفي حين أنّ «سالو» فيلمٌ رمزيٌّ بامتياز، وعلى المشاهد أن يجهد بحثاً عن معانيه المتوارية تحت السطح، فإنّ روايةَ «أيّام سدوم الـ120» حَرفيّةٌ إلى أقصى الحدود: أربعة أثرياء نافذين يختطفون مجموعة من المراهقين والمراهقات ويحتجزونهم في قصر، حيث يغتصبونهم ويعذّبونهم لإمتاع أنفسهم. لا شيء يختبئ تحت هذا السطح من الممارسات الجنسيّة الدمويّة الموصوفة بدقّة هوسيّة. مرّة أخرى، المعنى هنا حَرفيّ للغاية: هؤلاء الأربعة يفعلون ما يفعلونه ببساطة لأنّهم يستطيعون. إنّه ما كان دو ساد يرغب في فعله، وما كان يعتقد أن أيّ إنسان قد يفعله إذا سنحت له الفرصة.
مقارنة جزيرة إبستين برواية دو ساد توصد بابَ القراءات الرمزيّة، إذا جاز التعبير. فعندئذٍ لا تعود هذه القضيّة رمزاً لشيء أوسع، أو عَرَضاً لمرض أكبر قد يكون اسمه الرأسمالية أو الهيمنة الذكورية أو المال والسلطة، بل تصبح واقعةً عاريةً تقول شيئاً أبسط وأقسى: هذا ما قد يفعله كثير من البشر حين لا يخشون العقاب. فالمال والسلطة، من هذا المنظور، ليسا أصل الجريمة، بل ما يتيح ارتكابها في الخفاء.
الهدف من كلّ هذا ليس رفض القراءات السياسيّة والاجتماعية أو الاستخفاف بها، وإنّما الإشارة إلى أنّها تنطوي على ما يُريحنا ويُطمئننا: فهي تُمَوْضِع الشرّ خارجنا نحن البشر، وتنسبه إلى نظام اجتماعي وأيديولوجي معيّن. لا شكّ في أنّه لا يمكن فهم جرائم إبستين وشركائه من دون الإحالة إلى النظام الرأسمالي والهيمنة الذكورية، لكن لا يمكن أيضاً فهمها من دون العودة إلى الشرّ المتأصّل في الطبيعة البشريّة، أي في كلّ واحد منّا. وفي أيّامنا هذه، بات الحديث عن الشرّ والطبيعة البشريّة من الأمور المُستهجَنة.