نص الرأسمالية
غسّان سلهب

اليوتوبيا؟

22 كانون الأول 2022
أحاول أن أقارن سحابة
بأَيلٍ.
لا أستطيع.
مع الوقت، تزداد ندرةً 
الأكاذيب الجيّدة. 
يانيس ريتسوس

ماذا يُقال بعد ولم يُقل ولم يُكرَّر ولم يُكتب ولم يُعد كتابته بعد؟ من أين نستمدّ أيّ شيء؟

كلّ تفصيل صغير في حياتنا اليومية، كأي بنية مؤسّساتية أو شبه مؤسّساتية أو تقليدية أو عُرفية، مهما كان المقياس، تمّ تشريحها وتحليلها ووضعها في سياقها أكثر من مرة. أنظمة السلطة المختلفة التي تخنقنا وتُعايرنا وتمسك بنا وتقيّدنا، «هنا»، في فوضانا السياسية العشائرية المالية الزائغة (ما عدنا نعرف كيف نسمّي هذا الشيء)، كما في كل أنحاء العالم، تبدو وكأنها– أكثر من أي وقت مضى– صامدة ولن تتزعزع. عمالقة ذات أقدام من صلصال بالتأكيد، لكنّها عمالقة مستعدّة دائماً للسحق، من دون تردّد. 

نكرّر هذا لأنفسنا بينما نبحث عن زاوية جديدة، عن مقاربة جديدة قادرة على الزعزعة (زعزعتهم) بشكل دائم. لكن عندما لا يتوقّف الإحباط من التقدّم والتوسّع، فردياً وجماعياً في الوقت عينه، حتى بات مستفحلاً، حتى بات هوّة، ماذا يبقى إلّا الضربات، أكانت عنيفة، مذهلة أو على العكس، غير محسوسة، شبه غير مرئية، إنمّا بعيداً عن الوسائل الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي، بعيداً عن أي صدى عابر؟ ماذا يبقى إلّا الأفعال التي لا غدّ لها؟ ماذا يبقى عندما لا يعود الغد بالتحديد إلّا وعوداً فارغة، وعندما تتظاهر السلطات المختلفة بأنها واقعية وعملية وقدرية، فتبرّىء نفسها من كل مسؤولية وتستمرّ بلا خجل في حثّ الذين يدفعون ثمناً باهظاً أن يدفعوا الثمن على كل أشكاله؟ ماذا يبقى عندما ندرك أن هذه الأزمة هدية من السماء لهم، أن لا شيء يوقف المسار المحموم للمكاسب والأرباح (يجدون دوماً مناطق جديدة للغَرف والضخّ حتى افتراضياً)، أن الأرقام مرتفعة وعبثية أكثر فأكثر؟

عالقون في هذا الفخ الجهنمي، نهاراً وليلاً، مضطرّون للصمود بوجه كل العقبات، رغم نقص أكثر من مواد أساسية، رغم العجز عن تلبية حاجاتنا وعن التزوّد بالطاقة بشكل طبيعي، رغم التضخّم المتسارع. عالقون في الفخ العنيد لنمط عيشنا الاستهلاكي، حتى ولو أصبح يقتصر على أقل من لا شيء. نعرف ذلك. الصناعات والائتلافات التي تصنع عالمنا منذ حوالي ثلاثة قرون ما عادت تكتفي بخلق الأشياء والسلع، من أبسط الملابس إلى أكثر الآلات تطوّراً. هي أيضًا تولّد سلوكياتنا وإدماناتنا على كل المستويات تقريباً، مهما كانت «مكانتنا الاجتماعية». أجسامنا وعقولنا وكياننا تتأثر بها تأثراً عميقاً. حتى، نعم، حتى عندما لا يبقى لدينا شيء، حتى عندما تزدهر الأنظمة الاقتصادية الملقبة بالموازية، هذه النسخ الأكثر قسوة شكلياً (البؤس ليس مسألة مجاملات)، الأكثر عنفاً من الاقتصاد الرسمي السعيد بهذا التوزيع الرسمي للأدوار والمهام. فليبقَ كل واحد في مكانه كي لا يفيض شيئاً. 

طالما أنّنا لن نحاول الانقطاع عن طريقة العيش هذه وتعديلها على الأقل جذرياً وبعمق، لن نستطيع أن نفكّر في وضع حدّ بشكل دائم لتكرار هذه الدورات، من أزمة إلى أخرى. قبل الانتصار النهائي للمركنتلية العالمية، أكثر من مقاومة قوية، أكثر من تمرّد، أكثر من كتاب، كلها حاولت عبثاً أن تحمينا من هذه الدوّامة القاتلة. صحارينا مقابر شاسعة.

يستحيل بكل بساطة علينا اليوم أن نصغي وحتى بدون تركيز إلى الذين لا يزالون يظنون أو يريدون أن يوهمونا أو أن يوهموا أنفسهم بأنه يجب أن «نصحّح» المسار وأن نطهّر الحقل السياسي وأن نطبّق قوانين «أكثر عدلاً» (كما لو كانت «تكتفي بذاتها»، كما لو كانت لا تزال مسألة «كتابة»، حتى ولو كانت علمانية)، أنها بالأساس مشكلة فساد، أعشاب ضارة أو إعادة توازن حسابات، أو ما يشبه ذلك. «الشرّ الأقل» ما عاد ممكناً، فقد تخطينا هذه المرحلة بأشواط. أزمات الرأسمالية بما فيها نموذجنا المحلّي الفاشل، متأصلة في هذا النظام فهو يغذيها ويتغذّى منها، جسم واحد، يبتلع ويمضغ ويسحق ويبصق. مهما كانت متغيراتها وألوانها، لا تستطيع الرأسمالية إلّا أن تولد ما لا تنفك على توليده، مستعملة شتى أنواع الأدوات والآليات التقنية والتكنولوجية، المنظمة والمعاد تنظيمها، معقِّدةً الصورة إلى أبعد حدّ. أكان منظماً نسبياً، «قيد السيطرة»، (هذا ما يقولونه لنا مع كل عاصفة قوية)، أو أكان حرّاً بالكامل، لا ينفك نمط حياتنا يأسرنا في شباكه. ومن المستحيل أيضاً أن نفكر حتى الآن في مواجهته بوصفات التغيير القديمة التي طُبّقت مراراً مع النتائج الكارثية التي نعرفها، مهما كانت أيام الانصهار الأولى مشوّقة ومُسكّرة، هذه الرقصة الثمينة. كما أنه يستحيل إساءة فهم ممارسة السلطة، مهما كانت ثورية ومؤقتة ومحدودة. أصبحت أيامنا وأخطاؤنا معدودة.

فلنكن واضحين، الهدف ليس الدعوة للعودة إلى عصر ذهبي لعين ما قبل الثورة الصناعية، أو إضفاء طابع رومنسي على حقبة معينة في تاريخ جنسنا المثقل. لكن ماذا إذاً، أي سبل وأي ممارسات، أكانت جديدة أو قديمة، نقترحها على غيرنا وعلى أنفسنا، كيف نعيش، كيف نبني، كيف نكون، بطريقة مختلفة في هذا العالم الذي لا ينفك يهرب إلى الأمام؟ ندعو إلى انعطاف واضح، خارج أي حوكمة مباشرة، خارج المنظمات المهيمنة في مجتمعاتنا المعاصرة، خارج الدولة القومية، الأنظمة الاقتصادية التي تحدّدها الملكية الخاصة وكل العواقب التي ما عاد بوسعنا الاستمرار في تجاهلها؟ أن نكرّر أيضاً وأيضاً النداء الملحّ إلى اتحاد فعلي بين المجموعات الموجودة أو في طور التشكّل، في كل مكان وفي كل المضامير، إلى بناء وإعادة بناء الجسور والممرّات في ما بينها؟ أن نكرّر بلا كلل أن الهدف ليس حتماً الاختيار بين طموحات الفرد وطموحات المجموعة، وأن أحدهما لا يتم من دون الآخر، وأن استبعاد الواحد للآخر هو ما يشكّل بالتحديد عالمنا الكارثي، وأن كل كائن هو الفرد والمجتمع، وأن كل مجتمع هو في آنٍ معاً البناء والتدمير؟ أن نكرّر مراراً وتكراراً أن البديل والخيال ضعيفان جداً بوجه سخرية ومصالح الحكّام والساخرين؟ أن نكرّر أنه علينا بلا كلل أن نعارض التاريخ الرسمي الذي يختلقه  جنسنا، مهما كان، وأن نذكّر بأنه قبل اختراع الزراعة التي يُزعم أنها أدت إلى بناء الدول القومية العصرية، جرّب بشر إمكانيات اجتماعية وسياسية عديدة ومتنوعة على مدى قرون، في كل مكان على القارات الخمس؟ 

وإن كان الأوان قد فات بالفعل، بما أن العالم يمضي قُدماً صوب الجدار الذي بناه مطوّلاً وبمهارة، بما أنه ما عاد لدينا ما نخسره، يمكننا أن نحاول العيش بطريقة مختلفة هذه المرحلة الأخيرة، أن نفلّت كل سيطرة باطلة، ما وراء الخير والشرّ، نعم، ما وراء الكتاب الذي يحمل الاسم ذاته. ما من مرشد. علينا أن نقترح على أنفسنا هذه اليوتوبيا الأخيرة غير المحتملة.      

ترجمة ألين جبارة

آخر الأخبار

الإفراج عن الأكاديمية نادرة شلهوب كيفوركيان
خوفاً من مذكّرة اعتقال دولية
هكذا يعذّب الاحتلال الدكتور إياد شقّورة
جندي إسرائيلي يسرق جرواً من أمّه
إسقاط 3 مسيّرات في أصفهان
إسقاط مشروع عضوية فلسطين كدولة في الأمم المتّحدة