مراجعة ثقافة
حسن الحرّ

«ساكسيشن» أو الرأسمالية عندما تتلطى بالعائلة

3 حزيران 2023

سأحاول في هذا المقال أن لا أفسد أيّ جزء من المسلسل، بل سأركّز على مناقشة السؤال الأكثر أهمية: لماذا جلب مسلسل «ساكسيشن» (الخلافة) كلّ هذا الاهتمام؟

HBO

نهاية «ساكسيشن»، أحد أنجح المسلسلات في السنوات الماضية 

يُعدّ «ساكسيشن» من أكثر المسلسلات تكلفة، بقيمة حوالي 90 مليون دولار، ما يتناسب مع قصّته عن نخبة الـ1% في العالم. ومع هذه الميزانيّة، نرى الإنتاج الباهظ الذي كان أشبه بعملٍ فنيّ من التصوير والتمثيل/اختيار الممثلين إلى الكتابة/السيناريو. 

أتاح هذا الإنتاج الضخم إمكانيات لمؤلفي المسلسل غير مسبوقة. فصُوِّر «ساكسيشن» بأساليب سينمائية فريدة، موظّفاً تقنيّاتٍ وثائقيّة كـ«دوغما 95» و«سينما فيريتيه» وغيرها. تأخذ هذه التقنيّات المشاهدين إلى قلب المشهد، إلى اجتماعات مجلس الإدارة في مكاتبهم البرستيجيّة، وموائدهم الفخمة في أماكن أكثر فخامة، وللسفر معهم في طائراتهم الخاصّة. نرى المفعول ذاته أيضاً من خلال الكاميرات المحمولة التي تلاحق الشخصيات حول موقع التصوير وتقرّب (zoom-ins) اللقطات لتبرز ردود أفعالهم المختلفة، كما في سيت كوم «ذا أوفيس».

إضافةً إلى ذلك، صوّر مخرج ومؤلف «ساكسيشن» جيسي أرمسترونغ بعض المشاهد التي وصلت مدّتها إلى الثلاثين دقيقة بشكلٍ متواصل، «كمسرحيّةٍ من فصلٍ واحد»، وذلك كي تبدو واقعيّةً قدر الإمكان، مع تدفّقٍ مستمرّ للمشاعر. واعتمد «ساكسيشن» في إنتاجه على الاستعانة بخبراء استشاريّين للأعراس والجنازات والشركات والثروة والسياسة والانتخابات لضمان نقل صورةٍ أصدق تميل إلى الواقع.

لكنّ الإنتاج الضخم، وإن كان يفسر جانباً من نجاح «ساكسيشن»، لا يكفي للإجابة على سؤال البداية، والذي يتطلب الغوص بمضمون المسلسل. 


ما هي قصّة «ساكسيشن»؟

يروي «ساكسيشن» قصّة آل «روي»، عائلةٌ ثريّة تتملّك إمبراطوريّة «وايستار رويكو» الإعلاميّة التي تتوسّع حول العالم. يصوّر المسلسل معركة السيطرة على الشركة ووراثتها بعدما يقرّر لوغان، الأب والمؤسس والرئيس التنفيذي، أن يتنحّى أو يتوفّى.

يستلهم المسلسل من رجال أعمالٍ وسياسيّين حقيقيّين، إذ يذكر جيسي أرمسترونغ، في مقالٍ كتبه لصحيفة «الغارديان»، كيف أنَّ «ساكسيشن استوحى أحداثه البسيطة من بريكست وترامب». نستشعر وجود ترامب الضمنيّ (أو مينكين في المسلسل) خلال الجزء الأخير عندما يتدخّل الإخوة روي في الانتخابات الرئاسيّة. نرى في هذه المشاهد فظاظة وتشويش وسائل الإعلام الأميركيّة وتحكّمها بصياغة السرديّات ونشر الأخبار الكاذبة (كما في الجزء الرابع، الحلقة الثامنة).

يبقى الصادم في كلّ ذلك، هو الانفصال التام للأشقاء أو جميع الشخصيّات من هذه الطبقة الاجتماعية عن الواقع، إذ تُطلق وكالة «أي. تي. إن.» (ATN) توقّعات نتائج الانتخابات من دون فرز جميع الأصوات، متجاهلةً تداعيات هذه القرارات على ملايين المقيمين في بلادهم. دفشت هذه الصورة بالمسلسل نحو مزيدٍ من الشهرة، خصوصاً في بلدٍ مشرذم يعيش حقبة ما بعد ترامب. يتحوّل «ساكسيشن» إذاً إلى نقدٍ اجتماعي أو «موكيومنتري» عن الجحيم الذي عاشته الولايات المتحدة الأميركية خلال السنوات الأربع الفائتة.

يروي «ساكسيشن» هذا الجحيم من خلال سرد قصة عائلة مستوحاة من العائلات المليارديريّة التي تتحكّم بالإعلام، كعائلة مردوخ التي أسّست أكبر الشبكات الإخباريّة وشركات الإنتاج في العالم (فوكس، سكاي، نيوز كورب)، إذ يمكننا رؤية أوجه الشبه بين روبرت مردوخ (92 عاماً) ولوغان روي (84). لا يملك كلاهما خطةً لخلافته، ولا يثقان بأبنائهما، بل يفضّلان تنافسهم على الخلافة. تخوّف كلاهما من مشاكل صحيّة في عمرٍ متقدّم، نظّم كلاهما جلسات علاج نفسيّ مزيّفة للسيطرة على التوتّرات العائليّة، كما أدلى كلاهما مع أبنائهما كيندال روي/جايمز مردوخ بشهاداتهما في محاكماتٍ قضائيّة. لا تقتصر هذه التشابهات على الأبوين فقط، بل تتسرّب إلى أبنائهما: الابن الأكبر المنبوذ (كونور روي، برودنس مردوخ)، الابن المفضّل (كيندال روي، جايمز مردوخ)، الابنة المدلّلة (شيف روي، إليزابيث مردوخ). وقد ذكر جيسي أرمسترونغ استلهامه المسلسل من عائلتي ريدستون وماكسويل.

يعود نجاح «ساكسيشن» إلى التقاطه مناخاً سياسياً وثقافياً، تلا رئاسة ترامب، مناخ من الإحباط والريبة والاشمئزاز. لكنّ نجاحه لا يعود فقط لكونه نقداً اجتماعياً، بل لكيفية سرده هذا النقد، وهذا ما يأخذنا لقصة المسلسل الفعلية. 


ما هي قصّة «ساكسيشن» الحقيقيّة؟ 

«ساكسيشن» ليس قصّةً عن الخلافة فحسب، بل عن التروما والتعنيف والعائلة مع رشّةٍ من الرأسماليّة. منذ البداية، نرى لوغان، بطريرك عائلة روي، كأبٍ صارم لا يستطيع أن يعبّر لأولاده عن حبّه بطريقةٍ صحيّة، الأمر الذي يخلق أسرةً تعاني من إمساكٍ عاطفيّ والكثير من الجشع والغيرة والمنافسة الشديدة.

نشأ كونور وكيندال ورومان وشيف مع أمٍ غائبة وأبٍ شبه غائب انشغل بإدارة امبراطوريته الإعلامية، فما كان لهم إلّا أن يصبحوا من أكثر الأشخاص أنانيّةً وامتيازاً وشرّاً في العالم. بُرمج الأشقاء على الحب عبر التعنيف والإساءة والألم، عبر «السمّ الذي يُقطّر لهم»، باستثناء كونور الذي تمكّن من الابتعاد عن الشركة والدوّامة السامّة إلى حدٍّ ما، كما نرى في الحلقة الأخيرة. نشهد طوال الأجزاء الأربعة على هذه الشراسة في الشجارات الباردة والحامية التي لا تنتهي بين الأشقاء، خصوصاً خلال صراعهم على العرش الذهبي وخلافة إمبراطورية الإعلام.

رغم ذلك، تبقى إحدى أهم سمات المسلسل أنَّ اعتماد ثنائيّة الجيّد/السيّئ للحكم على الشخصيّات هو نظرةٌ مغلوطة. في الواقع، لم يكن أحدٌ منهم جيّداً أو سيّئاً بالمطلق، بل قدّموا نماذج أكثر تعقيداً عن المشاعر والتصرّفات والتروما المكبوتة وردّات الفعل. إنَّ الفوارق الدقيقة أو المشهد الرماديّ الذي تقدّمه الشخصيّات جعلت منهم أشخاصاً أكثر جاذبيّة وإثارة للاهتمام وصدقاً وواقعيّة. نجد أنفسنا نتعاطف معهم كلّما اكتشفنا أكثر عن تاريخهم وطفولتهم وطفولة والدهم. نراهم كضعفاء، ونرى تعاطفهم وصراعهم مع مشاكلهم. ووراء كلّ الغدر والأكاذيب والعداء، نرى روابط أخويّة وتعاضداً وحبّاً في ما بينهم، خصوصاً أنّهم نشأوا تحت سطوة الأب ذاته، ما قد يجمعهم أو يمزّقهم عن بعضهم بعضاً.

نجح «ساكسيشن» كونه استطاع سرد ما آلت إليه الرأسمالية من خلال استعمال العائلة كالبنية الروائية لنقد هذا النظام، هذه البنية التي نتشاركها مع شخصيات المسلسل، رغم اختلافاتنا العديدة. لكنّ هذا لم يأنسن الرأسمالية بقدر ما فضح جاذبيتنا تجاه رموزها. كما يلقي «ساكسيشن» عيناً على الرأسمالية وتكديس الثروات من زاوية التروما الشخصيّة، ما يسهّل إيصال النقاط المحورية في المسلسل.


نظرةٌ شخصيّة 

بدأتُ أشاهد «ساكسيشن» بعد انتهاء الموسم الثاني، إذ انتابني فضولٌ حول تلقّي المسلسل كمّاً هائلاً من الإعجاب من قبل ناقدين عالميّين، خصوصاً وأنَّ القصّة بدت مبتذلة إلى حدٍّ ما: مليارديرات يعيشون حياة الترف وسط دراما سرياليّة ساذجة. لكنّني وفي نفس اللحظة التي بدأت فيها بالمشاهدة، انغمستُ فوراً في عالمهم وشعرتُ بنوعٍ من الانتماء، فشهدتُ على كلّ المشاجرات التي دارت وكلّ الإهانات التي رُميت. وظلّ «ساكسيشن» يفاجئني لدرجة أنّني اضطررت إلى التوقّف عن المشاهدة أحياناً لالتقاط أنفاسي وابتلاع حدّة المشاهد.

فتح «ساكسيشن» نافذةً على العالم المتعجرف للقادة ورجال الأعمال والعائلات الثريّة. رأينا كيف أنَّ شجاراً بين أشقاء قد يغيّر مسار بلدٍ أو ربّما عالماً بأكمله، وكيف أنَّ فضائح موت «أشخاص غير حقيقيين» (no real people) تمرّ من دون أن يلاحظها أحد. هذا لا يعني أنّنا لم نكن على علمٍ بعوالم النخب، لكنّنا حصلنا مع «ساكسيشن» على مقعدٍ من الدرجة الأولى لنشهد على هذه الفظائع وندرك تفاصيلها وتداعياتها.  

لكن ما ترك أثراً كبيراً في نفسي هو مدى فظاعة الشخصيّات، والأسوأ من ذلك، سهولة أن يجد المشاهدون أنفسهم مصطفّين مع أحدها. لعلّ هذه الشخصيات ليست سوى انعكاساً لأفكارنا الفظيعة والمكبوتة ومشاعرنا الخفيّة التي لا نتطرق إليها إلّا في عزلتنا. بذلك، يكون مسلسل «ساكسيشن» قد فضح في مكان ما جاذبيتنا حيال ما نعارضه، وفي هذا الفضح سر نجاحه.  

في حال أردتم مشاهدة «ساكسيشن»، عليكم أن تتذكّروا أنَّ:

  1. ما من شيءٍ يحدث فعلاً خلال المسلسل. لا يوجد الكثير من الأكشن، بل تدور الحلقات حول أحاديث وشجاراتٍ وإبرام عقودٍ وجنون، بطريقةٍ  مضحكة ودراماتيكيّة لمدّة 50 دقيقة.
  2. كلّ جزءٍ أفضل من الآخر. تخيّلوا الأجزاء الأربعة كفيلمٍ طويل ينتهي بذروةٍ جديدة في كلّ حلقة. 
  3. استعدّوا لبعض الانزعاج، خصوصاً إذا كنتم تكرهون المواجهات. 
  4. لا تتوقّعوا نهاياتٍ سعيدة أو لحظاتٍ دافئة. 
  5. للمسلسل طريقته الفريدة بالتصوير، قد تكرهونها في البداية، قبل أن تدركوا أنّها تجربة انغماسية.
  6. لا تضعوا آمالكم بأيّ من الشخصيات، ستصابون بخيبة أملٍ حتميّة.

أمّا يلي حضروا «ساكسيشن»، صار فيكن تو «فاك أوف».  

آخر الأخبار

الإفراج عن الأكاديمية نادرة شلهوب كيفوركيان
خوفاً من مذكّرة اعتقال دولية
هكذا يعذّب الاحتلال الدكتور إياد شقّورة
جندي إسرائيلي يسرق جرواً من أمّه
إسقاط 3 مسيّرات في أصفهان
إسقاط مشروع عضوية فلسطين كدولة في الأمم المتّحدة