تعليق إبستين
رشا عزب

حرام إبستين وحلال العرب

10 شباط 2026

كنتُ في رحلة عمل خارج القاهرة، في الصعيد في جنوب مصر، حين نُشرت سيول المستندات والصور الخاصّة بممارسات جيفري إبستين. شلّال من الصدمات المتتالية: الصحف تبحث عن قصصٍ داخل المستندات، المواقع تنشر الصور الساخنة، الانترنت ينفجر بالمعلومات المرعبة التي من هولها توقّف عقلي عن استدراك الهدف من نشر هذا الكم من الوثائق دفعةً واحدة. ذلك أنّه لم تتم إحالة المتورّطين في هذه الجرائم إلى التحقيق، بعد، ولكن بالمقابل فُضح المزيد من الضحايا وعشرات الناجيات والأطفال. ولكي تبرّر الصحف والمواقع نشر كلّ هذه المواد، نعتت كل المنشورات بكونها فساداً للسلطة وانحرافاً لبعض الشخصيّات الشهيرة التي تتحكّم في إدارة عالمنا. تجاهل الجميع عن عمد وتحت سطوة الخبر وشراهة التصفّح، أنّ ما يحدث لن يفيد الضحايا، ولن يقدّم العد الة للناجيات والأطفال الذين استُخدموا على مدار سنوات في شبكة اتجارٍ بالبشر. وأنّ اكتشاف هذا الكم الهائل من الجرائم يعود بالأساس لمقاومة بعض الفتيات بوجه سطوة النظام الأميركي الذي حمى وطوّر شبكة إبستين على مدار سنوات. فالشكوى الأولى قدّمتها فتاةٌ مع نهاية التسعينات، ومع ذلك استمرّ النشاط الإجرامي لإبستين وشبكته لعقدَين بعد تقديم الشكوى. كما عتّم الإعلام على دور الصحافية المحلّية جولي براون التي قرّرت تتبّع هذه القصص حتّى فُتحت كل الملفّات الملغومة.

بعد أيّام على نشر الوثائق، تبيّن لي التجاهل الأكبر لجوهر القضية وتفريغها من مضمونها الأساسي، إذ تمّ إهمال البعد الجندري في هذه الوقائع. أمامنا قصّة تكشف كيف تواطأت أجهزة الدولة الديموقراطية العظمى لدفع عشرات النساء والطفلات إلى أبشع صور الاستغلال في الحضارة الحديثة؛ هل تختلف عن قضايا استغلال النساء في الحضارات التي وُصفت بالهمجية والرجعية؟ شاهدنا كيف يرى رجال الحضارة الحديثة النساء، بما فيهم مفكّرو اليسار بالمناسبة؛ وكيف سخّرت الرأسمالية كل أدواتها العصرية لاستغلال وتعذيب النساء وإخضاعهنّ لخدمة الرجال والترفيه عنهم كما كان يحدث في العصور الوسطى؛ وكيف تحوّل مشهد رقص الطفلات، إلى كابوسٍ متداولٍ على شبكات الانترنت من دون إخفاء وجوههنَّ، وقد غدت هذه الفتيات نساءً الآن. كلّنا شاهدنا عيون أثرياء العالم تتربّص بهنَّ، متأهّبين للالتهام والانقضاض على فراشات صغيرة، بينما يراقب إبستين بطرف عينه عيون الرجال الوحشيين ويتأكّد من نجاحه في صناعة هذا المشهد. رجال نافذون في السياسة والاقتصاد يحكمون العالم، يقفون على حافة الجوع والافتراس، بينما يتحكم هو بالفريسة.


تقول صحف العالم المتقدّم إنّ هذه القضيّة تعود بنا إلى عصرٍ قديم، حيث يقف النخّاسون في سوق الجواري يبحثون عن بضاعة جديدة. لن يقف شيءٌ أمامهم طالما لديهم المال والنفوذ. ولكن هل هو حقّاً عالم قديم؟ أم أنّه العالم ذاته، طالما لم يتغيّر جوهر الاستغلال، ولم يتغيّر الضحايا؟

بالنسبة لنا في الشرق الأوسط وفي عددٍ من دولنا العربية، لم يتحوّل هذا المشهد الكابوسي إلى ماضٍ، ولم يحتج إلى تسريبٍ كي نكشفه. لا تزال الفتيات الصغيرات القاصرات هدفاً للرجال الأثرياء ذوي النفوذ. لا نزال نبيع بناتنا في مصر لمن يستطيع أن «يستر» الفتاة كما يقولون. والفتاة، في نظرهم، دائماً ناقصة وعارية، ودائماً ينقصها ستر الرجل، حتّى لو كان في سنّ أبيها وأحياناً في سنّ جدها. فالقوانين والتشريعات لم تجرّم صراحةً زواج القاصرات من رجالٍ كبار، إلّا قبل 4 سنوات فقط، بل إنّ الدولة المصرية رفضت مراراً تجريم حالات الزواج الصَيفي من الأثرياء العرب، والتي تشهده مصر منذ عقود، لأنّه «زواجٌ مشهر، وعلى سنّة والله ورسوله»، حتّى تحوّل ذلك إلى ظاهرة واسعة الانتشار في قرى جنوب محافظة الجيزة.

فمنذ بدأتُ العمل الصحفي قبل 25 عاماً، ونعرف نحن معشر الصحافيين، أنّ قرى «البدرشين» و«الحوامدية» مشهورة بتزويج القاصرات إلى أثرياء الخليج الذين يأتون في الصيف، ثم يعودون إلى بلادهم بعد انقضاء شهور المتعة، ويتركون خلفهم طفلات يحملن المزيد من الأطفال. وأنّ هذه المناطق الريفية تعاني من الفقر الشديد والجهل وقلّة الخدمات، ما يجعلها فريسةً سهلةً لممارسة عمليّة بيع الطفلات بالقانون والشرع. وبالطبع كل أطراف هذه الشراكة هم رجال: الأب والأخ والزوج وموظّفو الصحّة والمأذون الذي يسهّل الإجراءات. كلّ رجال إبستين حاضرون بما يتوافق مع شرع الله.

على الرغم من توقيع مصر على اتّفاقية التنمية المستدامة، وبالتالي رغم حصول الدولة على المليارات من الدعم الدولي لتنفيذ بنود الاتّفاقية التي بمقتضاها يتم تصنيف هذا النوع من الممارسات على أنّه «اتجار بالبشر»، إلّا أن احتفاء الأوساط الحقوقية بصدور أوّل حكم قضائي بحبس والد طفلة عشر سنوات سجن، لتزويج ابنته وهي بعمر العشر سنوات، كان حدثاً استثنائياً. ذلك أنّ نَص قانون الطفل المعدّل والصادر حديثاً، يعاقب بحدّ أقصى سنة سجن لكل من سهّل أو زوّج قاصراً، كما أنّ أغلب هذا النوع من القضايا لا يتم تصنيفه «اتجاراً بالبشر»، وبالتالي تصبح العقوبات ليّنةً وضعيفةً إذا ما قُورنت بحجم الجريمة الفعلية.

في القرى الفقيرة في ريف مصر، تبدو عمليّة تزويج القاصرات عمليّةً مؤسّساتيةً وممنهجةً، تتخطّى كونها ظاهرة عابرة، بل إنّ روافدها الحديثة تتّكئ على جذور وقواعد من المجتمع والشرع، لذلك تكوّنت شبكة واسعة من المنتفعين الذين يجلبون الفريسة للعريس الغني ويحصلون على العمولة. ففي قرى محافظة الفيوم، جنوب غرب العاصمة، رأيتُ كيف يقود أعيان القرى عمليّةَ تزويج القاصرات، باعتبارها مكافأة للأسرة الفقيرة التي لا تملك من الدنيا إلا أجساد بناتها. وإنّ الطفلة التي تُساق إلى مذبح الزواج ولا تذهب للتعليم، تغدو «الطفلة المحظوظة» التي تحلم رفيقاتها بمصيرٍ مماثلٍ من أجل حلّ أزمة أسرتها، وكلّه «بالحلال».

يعتبرون تزويج الطفلات في مصر حلالاً، ويرون في مشاهد إبستين ورفاقه من الضباع فسقاً وفجوراً وانهياراً لحضارة الغرب الكافر، بينما يقوم الشرق المؤمن بممارسات بشعة وفي وضح النهار وتحت سمع القانون والمشرّعين الذين تردّدوا لعقود فقط من أجل وصف ما يحدث بـ«الاتجار بالبشر».

جاء النظام الحالي وكانت قضيّة زواج الطفلات تواصل انتشارها الكثيف، وتحت جناح الفقر تتوسّع الظاهرة وتكبر وتجد لنفسها مكاناً تحت الشمس. ففي أغلب الحالات، كان الفقر واحداً من الأسباب الأولى التي دفعت الأسرة إلى ذلك. ومع ذلك يتصوّر النظام القمعي الذي أفقر ملايين المصريين، أنّ إطلاق ما يُسمّى «الاستراتيجية الوطنية لمحاربة زواج الأطفال» كفيلة لمحاربة الظاهرة والقضاء عليها. ولكن بعد إطلاق هذه الاستراتيجية بـ12 سنةً، ارتفع عدد الطفلات اللواتي نلن ذات المصير، من 15% إلى 25% طبقاً لتصريحات نائبة وزير الصحّة المصرية. وذلك ببساطة لأن فقر 2010 صار رضيعاً أمام وحش الفقر لسنة 2026 وما حدث للمصريين خلال السنوات الماضية. 

كنتُ في الصعيد حيث طالعتُ وجه الفقر شخصياً. قابلتُ، مضطرّةً، رجالاً كثراً لإنجاز الأعمال، رغم أن موضوعي يحتاج إلى امرأة ولم أجدها في سوق العمل، لأنّها لا تزال تغسل الملابس على الترعة لعدم وجود مياه في المنازل، وتعجن الخبز الشمسي الموجود على كلّ الموائد. دخلتُ إلى سرادقات الموالد التي تعجّ بالرجال الفرحين، بينما تختفي السيّدات من مواسم البهجة. ظهرْنَ في اليوم الثاني بعد انقضاء المولد، فوق المقابر والمراقد، وخلف ستائر النسيان كما غنّت الست. وعلى الانترنت، لم أجد صوت النساء، إذ كان جيفري ورجاله يملؤون الساحات وحدهم.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
إسرائيل تُبيح شراء أراضي الضفّة الغربية
تعليق

حرام إبستين وحلال العرب

رشا عزب
باب التبانة: العيش على حافّة السقوط 
09-02-2026
تقرير
باب التبانة: العيش على حافّة السقوط 
حدث اليوم - الاثنين 9 شباط 2026
09-02-2026
أخبار
حدث اليوم - الاثنين 9 شباط 2026
ملفّات إبستين في بريطانيا استقالة ماكسويني مدير مكتب رئيس الحكومة
1,950 عائلة تضرّرت من الفيضانات في اللاذقية وإدلب وحماة