تعليق نسويّة
سيلفانا الخوري

جزيرة إبستين هي العالم

أو الهيمنة من دون خطاب

4 شباط 2026

الخوف من «الهيمنة الذكورية»

مجدداً، يغرق العالم في بحر الثلاثة ملايين وثيقة إضافية المفرج عنها قبل أيام من ملفات إبستين، وغيض الوثائق الزائفة الأخرى والأخبار الكاذبة التي انوجدت في اللحظة نفسها وانضافت إليها ولا تزال. فتفيض القراءات والتحليلات الرصينة والفضائحية، الجدية والمؤامراتية، لتتناول الموضوع من كل صوب ومن أكثر من زاوية وإطار. إلا أنّ قلّةً فقط تقرأ الجريمة قراءة جندرية. لا يبدو أن كثراً يريدون لفظ مصطلح «هيمنة ذكورية» بخصوص هذه القضية، شأنها شأن قضايا أخرى مشابهة. يفضّل معظم المحللين والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي غرباً وشرقاً الحديث عن إتجار بالبشر، وفضيحة جنسية، وتحالف مال وسلطة، وانحدار أخلاقي، وانحرافات نفسية، وممارسات شاذة، ورأسمالية متوحشة. قرأتُ كل شيء، حتى أن بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي العربية وجدوا في نشر الوثائق الأخيرة فرصة للقول: «أرأيتم؟ هذا هو الغرب الذي يدّعي الحضارة ويحاضر في الأخلاق». إنه صوت المقموع عندما لا يبقى له سوى التشفّي الرمزي، بينما يغرق في الإنكار متغاضياً عن ممارسات بطريركية لا تقلّ عنفاً حين تجري داخل مجتمعاتنا لكن تحت مسميات مألوفة ومشرعنة: زواج القاصرات، «الستر»، جرائم الشرف، الصمت العائلي والمؤسسي عن التحرّش والاستغلال الجنسي.

الواقع أنه في موضوع الهيمنة الذكورية، ليس هناك من استثناء ثقافي وحضاري مهما بدا العكس. قد تختلف الأدوات والقوانين والتشريعات والأعراف والمسميات، ويزيد أو ينقص الفارق النوعي والكمي في المكتسبات النسوية والحقوقية طبعاً، لكن الثابت واحد: استغلال النساء والأطفال ضمن علاقات سلطة غير متكافئة، وعلى رأسها الاستغلال الجنسي، واستخدام أجساد هؤلاء كمورد وعملة وملكية من قبل الرجال.

المنظومة الذكورية ليست استثناءً

كنتُ قد طرحتُ في مقال سابق عن قضية إبستين سؤالاً أجد أنه لا بد من تكراره: لماذا يلتقي هذا العدد الهائل من الرجال النافذين عند الاستغلال الجنسي للقاصرات؟ ما الذي يحوّل جسد الفتاة القاصر إلى موضوع رغبة مشتركة داخل دوائر رجال ذوي سلطة؟

لا يمكن القفز فوق هذا السؤال البديهي والأولي، وكل قراءة تتجاهله تظل ناقصة وقاصرة عن فهم المنظومة التي بناها إبستين. والجواب، في جزء منه، هو أن هذه المنظومة ليست استثناء تماماً (وإن كان لها خصوصيتها التي سأتحدث عنها بعد قليل). البطريركية ومعها الاستغلال الجنسي للنساء والأطفال بنية عابرة للثقافات. والأنظمة الاجتماعية لم تُبنَ تاريخياً على منع العنف والاستغلال الجنسي للنساء والأطفال، بل على تنظيمه وتأجيله وإعادة ترميزه. وما تكشفه قضية إبستين هو أن الرغبة في جسد القاصر ليست شذوذاً طارئاً، بل أقرب إلى عودة كامنة إلى منطق سيادي يرى في التحريم عائقاً تقنياً لا مبدأً أخلاقياً. ما تكشفه، ليس الخروج عن النظام، بل قابلية هذا الأخير الدائمة للانزلاق نحو شكله العاري حين تتوافر الحماية التي تسمح بالعبور فوق القانون من دون كلفة. وهذا لا علاقة له بالنفوذ والسلطة إلا من حيث حجم الجريمة ومداها، أما نوعياً وفي الجوهر، فإن هذه الجرائم توجد حيث توجد «القدرة». والقدرة ليست دوماً مالاً وشبكة علاقات ونفوذ. القدرة هي أيضاً الاعتداء الجنسي على امرأة أو طفل في شارع خلفيّ مظلم لأن لا أحد يرى. 

بهذا المعنى، البيت العائلي هو جزيرة إبستين ممكنة، المدرسة، دار العبادة، مكان العمل، الشارع الخالي... العالم كله أرخبيل من الجزر الإبستينية تكبر أو تصغر بحسب مستوى السلطة والنفوذ، لكنّ البنية الاستغلالية تظلّ هي نفسها. إنها الفضاءات التي تسمح البطريركية بوجودها لتؤكد هيمنة الرجال على النساء والأطفال، فتعبر فوق القانون وفوق التحريم وفوق اللغة وتعبّر عن نفسها بلا ضوابط أو قيود، في ما يشبه الارتداد السيادي الذي لا يخلو من حنين إلى زمن سابق للتنظيم والتحريم.

ذكورية من دون خطاب

أما الفرق بين البنية البطريركية التقليدية وجزيرة إبستين، فليس في كون الأولى أقل عنفاً، بل لأن العنف فيها مُمَأسس ومبرّر ومُرمَّز، بينما يمارَس في الجزيرة بشكلٍ صريح ومباشر متخفِّفاً من أي خطاب تبريريّ. هنا، في هذا الفضاء المغلق، لا تحريم، لا قانون، لا أخلاق ضابطة تنظّم العنف وتجد له أسماء أخرى: الأسرة، القيم، الأنوثة، أوديب، تكريم النساء... هنا، لا حاجة للّغة. تتجاوز السلطة الذكورية العارية الترميز، تستعيد الامتياز بلا وسيط وتذهب إلى الاستغلال مباشرة.

من هنا، تبدو الهيمنة الذكورية كما تشتغل في جزيرة إبستين أشبه بالهيمنة الأميركية في زمن دونالد ترامب. إنها لا تزال هي نفسها، بسلطتها وامتيازاتها وعنفها، لكنها تخلّصت من الخطاب التبريري (الديموقراطية، القانون الدولي، حقوق الإنسان...) لتقدّم نفسها بشكلها العاري والفجّ.

في أميركا دونالد ترامب، كما في جزيرة إبستين، لم تتغيّر الهيمنة، ما تغيّر هو انتفاء حاجتها إلى الكلام. العنف في الحالتين يُمارَس فقط لأن هناك قدرة على ممارسته. إنها الهيمنة من دون خطاب. وهنا يكمن «الاستثناء» في قضية إبستين، إذا أردنا الحديث عن استثناء، في الشكل العاري للاستغلال الذي مارسه كل هؤلاء الرجال، لا في عملية الاستغلال بحد ذاتها.


جملة تشومسكي المرعبة

إنّ رفض الجزء الأكبر من المحلّلين يساراً ويميناً استخدام مكتسبات النسوية النظرية والمعرفية لقراءة الموضوع، لا يختلف في شيء عن كتم أصوات النساء عبر التاريخ ونزع الشرعية عن كلامهنّ واتهامهنّ بالهستيريا والاستيهام والجنون. بالحديث عن الهستيريا، في إحدى الرسائل بين إبستين والمفكّر وعالم اللسانيات نعوم تشومسكي على أثر التدقيق الحاصل بجرائم الأوّل الجنسية ضد قاصرات، يتحدث تشومسكي عن الهستيريا التي تطوّرت حول إساءة معاملة النساء. مرعبة هذه الجملة بقدر ما تبدو عادية ومألوفة. 

ذلك أن الأمر لا يتعلّق بزلّة لسان فردية، بل بآلية معرفية أوسع. فما الفرق بين ما يقوله مفكّر بحجم تشومسكي وأحد رموز نقد السلطة وما يقوله أقلّ ذكر رجعي في ضاحية نائية؟ لا فرق. تعليق تشومسكي نابع من مكان عميق في الثقافة الذكورية ترفض الاعتراف بالعنف الواقع على النساء لتناقش انفعال النساء ضده وضجيج النسويات وراديكاليتهنّ المزعومة، وتفترض أنهن غير مؤهلات معرفياً لتوصيف ما يتعرّضن له. أين يذهب الفكر والمعرفة عند الرجال عندما تُتَّهم الذكورة كنظام عنفي؟ يتعطّل. فإذا بالرجل القادر على تفكيك الإمبريالية يعجز عن تفكيك امتياز الذكورة. وعندما يكون الاستغلال جنسياً، والضحايا نساء وقاصرات والمستهلكون المستفيدون رجالاً نافذين، ينسحب العقل الذكوري ويدير وجهه ليتحدّث عن أشياء أخرى. 

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
الكابتن إيلا: خليفة أفيخاي أدرعي العربية
04-02-2026
تقرير
الكابتن إيلا: خليفة أفيخاي أدرعي العربية
تعليق

جزيرة إبستين هي العالم

سيلفانا الخوري
النساء يقدنَ حلّ النزاعات في مجتمعاتهنّ
04-02-2026
تقرير
النساء يقدنَ حلّ النزاعات في مجتمعاتهنّ
غارة كفرتبنيت: ما تبقّى
شبكة إبستين: من إيران–كونترا إلى اغتيال المبحوح
03-02-2026
تقرير
شبكة إبستين: من إيران–كونترا إلى اغتيال المبحوح
حدث اليوم - الثلاثاء 3 شباط 2026
03-02-2026
أخبار
حدث اليوم - الثلاثاء 3 شباط 2026