لا، ليست قضية جيفري إبستين قضية مال وسلطة فقط. هي بشكلها العاري، وعند المستوى الأول، تجسيد لماهية النظام البطريركي: بنية لتنظيم استغلال الرجال للنساء، وعلى رأسه الاستغلال الجنسي. المال والسلطة كانا فقط إحدى أدوات الجريمة ومن دعائم تنظيمها. فما يُسمّى فضائح جنسية ليس إلا لحظة انكشاف للنظام البطريركي وتكثيف له. الفضيحة بنية أصغر داخل بنية أكبر تشكّل ماتريوشكا، ما تعتبره النسوية المادية استغلالاً لطبقة النساء من قبل طبقة الرجال والاستيلاء على أجسادهنّ بوصفها قوة عمل وقدرة على الإنجاب وأداة للمتعة.
الفضيحة
للتذكير، جيفري إبستين هو ملياردير أميركي وُجّهت إليه، منذ مطلع الألفية، اتهامات متكرّرة بالاعتداء الجنسي واستغلال فتيات قاصرات، بعضها يعود إلى تسعينات القرن الماضي. رغم الشكاوى والشهادات المتراكمة، نجح لسنوات في الإفلات من محاسبة جدّية، مستفيداً من شبكة علاقات واسعة مع سياسيين ورجال أعمال وشخصيات نافذة في الولايات المتحدة وخارجها استفادت من «خدماته». في عام 2008، أبرم صفقة قضائية مثيرة للجدل مكّنته من عقوبة مخفّفة، قبل أن يُعاد توقيفه عام 2019 بتهم الاتجار الجنسي بالقاصرات. بعد أسابيع من توقيفه، عُثر عليه ميتاً في زنزانته في ظروف وُصفت رسمياً بالانتحار، ما زاد الشكوك حول حجم الحماية التي تمتّع بها.
عادت قضية إبستين مؤخراً إلى الواجهة بعد الإفراج التدريجي عن وثائق قضائية مرتبطة بدعاوى مدنية رُفعت من قبل نساء وتضمّ إفادات ومراسَلات وأسماء شخصيات ذُكرت بوصفها على علاقة بإبستين أو بشبكته، تكشف حجم الدوائر التي تحرّك فيها، ومدى الاستفادة وغض النظر الذي أفاد منه في فضاءات سياسية وثقافية وأكاديمية نافذة، من مختلف تلوّنات المشهد السياسي. في إحدى الصور، يظهر برفقة المفكِّر وعالم اللسانيات وأحد أبرز الأصوات النقدية اليسارية في العالم نعوم تشومسكي، وفي صور أخرى نجده إلى جانب ستيف بانون، أحد أبرز منظري اليمين القومي الشعبوي في أميركا.
فلماذا ما لا تجمعه إيديولوجيا فكرية أو مشروع سياسي جمعته القدرة على العبور فوق الجريمة الجنسية؟ لماذا كان الاستغلال الجنسي للقاصرات بشكل متكرّر ومنظّم ومكشوف ومعروف من الجميع، هو الشيء الذي استطاع المجتمع أن يتسامح معه تحديداً؟
البنية المادّية للاستيلاء
الجواب، في جزء منه، هو لأن هذا الاستغلال ليس انحرافاً أو استثناءً أو خللاً في النظام، إنه كَنْهُ النظام نفسه. لفهم هذا الأمر، لا يكفي الحديث عن تمييز جنسي أو لا مساواة بين الرجال والنساء أو هيمنة رمزية، بل لا بدّ من النظر إلى البنية المادّية التي تنظّم علاقة المجتمع بأجساد النساء. وهنا تذهب النسوية المادية أبعد من باقي المقاربات. تعتبر عالِمة الاجتماع الفرنسية كوليت غيومان أن السيطرة على النساء ليست مجازاً بل نظام استيلاء مادّي على الأجساد، شبيه بنيوياً بالعبودية والقِنانة. القنانة هي النظام الاجتماعي الاقتصادي الذي ساد في أوروبا الإقطاعية ويقوم على ربط الفلاح بالأرض وبالسيد الإقطاعي، لا بوصفه عبداً مملوكاً بل كشخص غير حرّ قانونياً. بامتلاكه الأرض، يمتلك الإقطاعي كل ما ومَن عليها.يقوم النظام البطريركي على تنظيم مصادرة الرجال لأجساد النساء وقدرتهنّ على العمل والإنجاب والمتعة. والاستغلال الجنسي هو ممارسة سيادية أبوية بطريركية مُطبَّعٌ معها، تتموضع داخل منطقة محرّمة لا يُمَسّ بها هي مركزية الرغبة الذكورية، وما الجسد الأنثوي إلا مادة للاستهلاك.
جسد القاصرات
لكن لماذا يجتمع هذا العدد من الرجال النافذين عند الرغبة في أجساد فتيات قاصرات؟ لا أستطيع العبور فوق هذا السؤال. لسنا هنا في «انحرافات فردية» أو في أن صغر السن والهشاشة الاجتماعية والمادية تسمح بإدامة الاستغلال. ثمة في الرغبة نفسها بجسد القاصر ما يبدو لي أنه انزلاق داخل نظام لم يتأسس على منع العنف بل على تنظيمه، وهو ما يذكّر، بالمعنى البنيوي لا النفسي، بما أشار إليه كلود ليفي ستروس حين اعتبر أن تحريم سفاح القُربى كان في أساس نشوء المجتمعات من خلال تنظيم تبادل النساء بين الرجال وإدارته.
تخطر على بالي تصريحات دونالد ترامب حول ابنته وقوله إنه لو لم يكن والدها لكان الآن يواعدها. لسنا هنا بإزاء وقاحة فردية، بل اطمئنان سلطوي إلى إمكانية اللعب على حدود التحريم من دون كلفة تُذكر. يعتبر علماء النفس أن السِّفاح لا يتعلق فقط بالفعل الجنسي، بل بمناخ يشيعه التلميح، النظرات، اللغة. بول كلود راكاميييه يتحدّث عن «جوّ سِفاحيّ» داخل بعض العائلات.
حنين سياديّ إلى زمن سابق للتحريم
كيف وصل بي تداعي الأفكار إلى هنا؟ تخطر حتى على بالي نظرية فرويد الأولى التي عاد وتراجع عنها. اكتشف فرويد في نهاية القرن التاسع عشر أن أعراض ما كان يسمى آنذاك «هستيريا» لدى النساء ناتجة عن اعتداءات جنسية حقيقية في الطفولة غالباً من الأب أو من رجل مقرّب، قبل أن يعود ويتراجع عن رأيه، ويقول إن ما تصفه المريضات هو رغبات وتخيّلات لاواعية مرتبطة بالطفولة، وإن الصدمة ليست واقعية بل رمزية، وإن الطفل هو صاحب الرغبة، فوُلدت بذلك نظرية أوديب.
المهم، ما أريد قوله هو أن المجتمع لم يتأسّس على منع العنف على النساء والأطفال بل على تنظيمه وإعادة ترميزه. والرغبة في جسد القاصر هي أقرب ما تكون إلى حنين سيادي الى زمن سابق للتحريم. وما تكشفه قضايا مثل قضية إبستين هو قابلية النظام البطريركي الدائمة للانزلاق داخل البنية نفسها، نحو شكلها العاري والمفضوح حين تتوفّر لذلك الحماية والسلطة. حماية السلطة.
الفضيحة مقابل الربط
أخيراً، من هارفي وينستين إلى جيفري إبستين وما سبقهما وما بينهما وما سوف يليهما، يتعامل معظم الإعلام والناس مع الجرائم الجنسية بمفهوم الفضيحة. والفضيحة، خلافاً لما قد نظنّه للوهلة الأولى، لا تفضح دوماً، بل تفعل العكس تماماً. فهي تعزل القضية عن قضايا أخرى متصلة ومشابهة، فتفصلها عن بنيتها وشروط إنتاجها، ليصير التعامل مع الاستغلال الجنسي كأنه انحراف فردي، شذوذ نفسي أو خلل اجتماعي، هيمنة مال وسلطة. أما ربط كل هذه القضايا ببعضها بعضاً، فيهدّد النظام نفسه، لأنه يكشف أن ما يبدو حوادث متفرّقة هو في الحقيقة نمط. الربط يخيف لأنه يقول إن التحرّش، الاغتصاب، الاستغلال الجنسي في العائلة وخارجها أسماء متعددة لجريمة أساسية واحدة وأصلية هي استيلاء النظام البطريركي على أجساد النساء لتطويعها واستغلالها.
لا يتفادى العالم الربط بين هذه «الحوادث» لأنه لا يعرف، بل لأنه يعرف أكثر مما يحتمل.