كشفت تحقيقاتٌ جديدة المزيد عن شبكة اللصوص التي حكمت البلاد وأفلسته، وهي شبكة ما زالت تحاول التهرّب من أي محاسبة أو عقاب.
بنك صحناوي إلى التحقيق
في 21 نيسان 2022، في عزّ الانهيار الاقتصادي اللبناني واحتجاز أموال المودعين، كان رياض سلامة ينعم بأمواله، يشتري بها أسهماً في «نتفليكس» بقيمة 250,000 دولار، ويتلقّى عائدات على أسهم سبق أن اشتراها في شركة طيران «إيزي جت». أمّا الوسيط في هذه الاستثمارات وغيرها، فهو مصرف «ريشوليو» في موناكو الذي يملكه البنكرجي أنطون صحناوي، والذي لم يلتزم تماماً بالقرار القضائي الفرنسي بتجميد أموال سلامة، مبرِّراً ذلك بحدوث خطأ في «السيستم» داخل المصرف. بعد نحو أربع سنوات، أي في أوائل نيسان 2026، فتح القضاء الفرنسي تحقيقاً يشمل مصرف «ريشوليو» في قضايا تتعلّق بغسيل الأموال والتهرّب الضريبي وإساءة الأمانة.
هذا بعضٌ ممّا كشفه موقع «إنتلجنس أونلاين» في الخامس من الشهر الجاري. وقد اطّلع الموقع على وثائق تثبت أنّ سلامة عمدَ منذ العام 2021 إلى نقل حساباته وحسابات شركاته إلى بنك «ريشوليو موناكو»، خوفاً من الملاحقات القضائية. فعلى ما يبدو، أراد سلامة من صحناوي أن يردّ له بعض الجمائل التي فعلها من أجله يوم كان حاكماً لمصرف لبنان، ولعلّ أبرزها استفادة بنك «سوسييتيه جنرال» الذي يملكه صحناوي في لبنان بنحو 900 مليون دولار خلال «الهندسات المالية» المشؤومة التي تواطأ عليها مصرف لبنان مع بعض المصارف، وروّج لها بعض الإعلام المأجور آنذاك.
الشبكة اللُّصوصيّة
ما كشفه موقع «إنتلجنس أونلاين» ليس إلا فصلاً جديداً من فصول اللصوصيّة داخل القطاع المصرفي اللبناني. فصل يجمع هذه المرّة بين سلامة، منفّذ «المخطّط الاحتيالي» الذي أودى بأموال الناس، وصحناوي، المصرفيّ الذي وردَ اسمه في جرائم قتل، ثمّ في ارتكابات مالية واحتجاز أموال مودعين لاستخدامها في دعايات صهيونيّة، ثمّ في تمويل برامج الانحطاط الإعلاميّ.
سلامة قابع الآن في السجن في قضيّتين لا تختزلان جرائمه الماليّة، لكنّهما تكتبان فصلَيْن آخرَيْن من فصول الشبكة الضالعة باللصوصيّة المصرفيّة.
- القضيّة الأولى: بيع احتياليّ لأسهم في بنك عودة، اتُّهِم بالاستفادة منه المدير السابق للمصرف سمير حنا، ورياض سلامة وشقيقه رجا، والرئيس السابق للحكومة نجيب ميقاتي وشقيقه طه، إضافةً إلى موظّفين في القطاع المصرفي.
- القضيّة الثانية: تمويل مشبوه لصفقة شراء أسهم لآل الحريري في بنك البحر المتوسط. المستفيدون من الصفقة: آل الحريري ورجل أعمال أردنيّ يدعى علاء الخواجة هبط فجأةً على الساحة اللبنانية خلال عهد الرئيس ميشال عون.
لا يزال رياض سلامة متورّطاً في ملفّات كثيرة، لعلّ أبرزها ملفّ شركة «أوبتيموم» الذي «اختفت» فيه مليارات الدولارات من الودائع. لكن كلّما انقشعت فصول قصّة، كلّما انكشفت معها أسماء جديدة للشبكة اللصوصيّة التي نهبت الودائع وأثرت المصرفيّين.
اللوبي المصرفيّ داخل الدولة
رغم كلّ هذه الارتكابات، فإنّ اللوبي المصرفيّ داخل الدولة يمدّ يد العون منذ العام 2019 لحماية هذه الشبكة اللصوصيّة. ولعلّ آخر هذه المحاولات هو الشكل المشوّه والمزوّر الذي صدر فيه قانون العفو العام. فقد يتحوّل هذا القانون إلى طوق نجاة لرياض سلامة، ووسيلة لإفلاته من المحاسبة في أبرز قضايا الفساد التي يُلاحَق فيها. فبحسب «المفكرة القانونية»، تتيح ثغرات القانون إسقاط ملاحقات السرقة والاختلاس والإثراء غير المشروع في ملفات «فوري» و«حساب الاستشارات» و«شقق الشانزليزيه»، فضلاً عن جرائم الاحتيال وإساءة الأمانة واستغلال الوظيفة في ملف «قروض بنك عودة». وقد تمتدّ مفاعيل العفو إلى تهم تبييض الأموال، رغم استثنائها نظرياً من القانون. وهكذا، لا يفتح العفو الباب أمام إفلات سلامة وحده من العقاب، بل أمام حماية شبكة كاملة من المتورّطين والمستفيدين معه. وما لم يتمكّن من فعله اللوبي المصرفي داخل البرلمان، تكفّلت به دوائر القصر الجمهوري عبر الطعن بقانون إعادة هيكلة المصارف بعد التوقيع عليه، وهو إجراء يرجى منه أن يعاد إلى حاكم مصرف لبنان- الذي جاء إلى موقعه بدعم من الصحناوي إيّاه- صلاحيّة البتّ بمصير المصارف بعد الجرائم التي ارتكبتها.
في روايته «الفرسان الثلاثة»، يرسم ألكساندر دوما ملامح داهيةٍ للكاردينال ريشوليو الذي يلعب دور الوزير صاحب النفوذ الواسع في بلاط الملك لويس الثالث عشر. وزير يستخدم كلّ آنواع الألاعيب السياسيّة ويطوّع القوانين ويستغلّ البشر لتحقيق غاياته وطموحاته. كلّ الطلاب الفرانكوفونيّين في لبنان يعرفون الرواية ويعرفون ما يعنيه اسم ريشوليو. اسمٌ شاء أنطون صحناوي أن يطلقه على مصرف في موناكو بعدما استحوذ عليه في العام 2018. يبقى أن نعرف إن كان في بلاط بعبدا ملك يدعى لويس الثالث عشر.